
لما خلق الله الإنسان، سخر له الكون كله ليساعده على تحقيق مهمته في عمارة الأرض واستخلافها والقيام بما خلق لأجله وبما أمره الله به. ولكي يؤدي مهمته على الوجه الأكمل، لابد أن يتعاون معه غبره بشكل مستمر؛ لأن الله تعالى فطره على حب الاجتماع وكراهية الانفراد والاغتراب؛ لذلك فالإنسان اجتماعي بطبعه.
والتعاون مع الغير جاء نتيجة الضعف والقصور الإنساني الذي طبع عليه البشر، إذ لا يمكن أن تتحقق مصالح الإنسان ومطامحه إلا بتعاونه مع أخيه الإنسان، وإلا عطلت مصالحه، وتوقفت مطامحه، بل وتعرض لأنواع الضرر والإذاية وبما يعرض وجوده للتهديد وكيانه للتخريب.
ونظرا لأهمية التعاون على الخير وضرورته في حياة الإنسان، جاءت الشريعة الإسلامية لتأكيده والحث عليه، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}( ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) ( ).
والتواد والتراحم والتعاطف... صور ومظاهر للتعاون مع الغير على الخير؛ لذلك فهو (أي التعاون) قيمة حضارية سامية ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية.
وقد شاءت حكمة الله تعالى في خلقه أن يجعل الناس مختلفين، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، ولكنه –سبحانه- لم يشأ ذلك فلم يقع. قال تعالى:{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ }( ). لكن هذا الاختلاف بين بني البشر لا يعني –بتاتا- التصادم والصراع بينهم، بل لا بد من التعاون والتعارف بين الناس؛ لأن التعارف مقصد عظيم من مقاصد الشريعة الإسلامية لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}( ).
ولتحقيق التعارف لابد من الحوار مع من نريد التعارف عليه من أجل التعاون معه على الخير للوصول إلى الغاية المنشودة المتمثلة في تحقيق المصالح الإنسانية المشتركة (الأمن، الاستقرار، الرقي..) ودفع كل ضرر واقع أو متوقع يهدد كيان البشرية (الحروب، الفتن..).
لكن بعض المتعصبين دفعهم سوء فهمهم وسقم نياتهم للدعوة إلى الصراع الحضاري والتحريض على العداء المستمر بين الحضارات، كما دفعهم ذلك إلى الاستعلاء والتكبر ومجافاة الآخر المخالف لهم، وكانت نتيجة ذلك أن تأججت روح العنصرية المقيتة والصراعات البخيسة، فترتب عن ذلك انتشار الحروب والفتن وانتهاك حرية وكرامة الإنسان.
وفي ظل هذه الأجواء المتسمة بالاضطراب والتوتر يجدر بالعقلاء التذكير بالحوار واعتبار الروابط الإنسانية المشتركة بين البشر بغض النظر عن أديانهم ولغاتهم وأجناسهم...فالحوار وسيلة أساسية للتفاهم بين الناس.
ومن ثم لم يعد الحوار –اليوم- مسألة شعب بعينه أو قبيلة لوحدها أو دولة بعينها، وإنما هو ضرورة حضارية ووسيلة تفاهمية هدفها الحفاظ على روح الإنسان وكرامته وتحقيق أمنه وعيشه السليم، والتأكيد على أن الإنسان أغلى من الدنيا كلها، وأن زوال الدنيا أهون من قتله، وهذه مسألة أساسية يجب أن يستحضرها جميع الناس خاصة المسؤولين منهم سيما في هذا العصر الذي اتهم فيه المسلم بالإرهاب لا لشيء إلا أنه يمارس شعائر الإسلام بشكل عادي ويطبق أركانه، وكأن الإرهاب عندهم هو أركان الإسلام؛ لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) ( ).
وفي هذا السياق يجدر بنا أن نثمن بعض الجهود المبذولة من طرف بعض المثقفين المعتدلين الداعين إلى حوار الثقافات والأديان والحضارات من أجل وقف الدمار والحروب التي باتت تهدد كيان البشرية.
من هنا أؤكد أن الدعوة إلى الحوار لا ينبغي أن تكون من قبيل الترف الفكري، كما لا ينبغي أن تتأسس على الاستعلاء والاستكبار الحضاري الذي يحيي جرح العصبية المقيتة والأنانية المفرطة التي تنظر للآخر نظرة دونية تحت شعارات زائفة. بل ينبغي أن يكون الهدف الأسمى والمقصد الأعلى من الحوار هو إحياء القيم الإنسانية.
وهذه الدعوة لا تعني بتاتا الذوبان في الآخر أو تقديسه، بل التعاون معه، واعتباره عنصرا مكملا وجزءا هاما في الحوار من أجل الوصول إلى أهداف ومصالح مشتركة، حتى إذا تقدمنا في التفاهم وخطونا خطوات متقدمة حصل بها التآلف والتعارف، نشارك الآخر في الخير الذي جاء به الأنبياء والمرسلون فندعوه (الآخر) بمنهج رباني إلى الله تعالى مقتدين في ذلك بنبينا صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله تعالى بدعوة أهل الكتاب إلى الله تعالى. قال عز وجل مخاطبا نبيه صلوات الله وسلامه عليه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }( ). وقال سبحانه: { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}( ).
والملاحظ أن الدول المتقدمة تلتزم الحوار فيما بينها أكثر من الدول المتخلفة، فالرؤساء وكبار المسؤولين –مثلا- في الدول المتقدمة لاتغرهم كراسيهم فتمنعهم من الحوار مع الشعب وعامة الناس، بل يحرصون على هذا النوع من الحوار وينصتون لمشاكل الشعب وهمومه ومطالبه، لأن الشعب هو الذي اختارهم أن يكونوا في ذلك المنصب. بينما الرؤساء وكبار المسؤولين في الدول المتخلفة بمجرد اعتلائهم كرسي الرئاسة أو تكليفهم بمهمة كبيرة يصابون بمرض الغرور فيتحاشون الحوار مع البسطاء والعامة ويترفعون عنهم وكأنهم ينتمون إلى نوع آخر خارج النوع البشري، جاهلين بل متجاهلين أن الشعب هو الذي اختارهم لتمثيله في ذلك المنصب، فلا يهتمون بهموم الشعب ولا بمشاكله ومطالبه، مما يؤدي إلى فتن خطيرة وقلاقل مفزعة قد لا تنعم تلك الدول بعدها باستتباب الأمن فيها.
ولعلاج هذه الأزمة (العلائقية) يحسن بنا أن نقتدي بخير البشر، سيد العرب والعجم، محمد صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس، فقد كان عليه الصلاة والسلام يتحاور مع جميع الناس ويحسن تعامله معهم: كبيرهم وصغيرهم فقيرهم وغنيهم، ذكرهم وأنثاهم، رئيسهم ومرؤوسهم...دون أن يتكبر على أحد ولا يتعصب لأحد على حساب الآخر، كما نهج صحابته الكرام وتابعيهم منهجه صلى الله عليه وسلم في العلاقات الإنسانية، فسجل لهم التاريخ عصورا ذهبيه فريدة.
وانطلاقا مما سبق يتبين بجلاء أن الحوار ضرورة حضارية وحاجة إنسانية يتم عن طريقها التفاهم من أجل التعاون على الخير الذي يضمن للإنسان كرامته وعيشه السليم.. وكلها قيم مقاصدية تسعى الشريعة الإسلامية تحقيقها ويسعى الحوار إلى إحيائها.
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم
صحيح مسلم (المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ). المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي. الناشر: دار إحياء التراث العربي – بيروت عدد الأجزاء 5).
سنن الترمذي (محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ) تحقيق وتعليق:أحمد محمد شاكر (جـ 1، 2) ومحمد فؤاد عبد الباقي (جـ 3) وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (جـ 4، 5)الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصرالطبعة: الثانية، 1395 هـ - 1975 م)
ابحث
التعليقات
لقد قرأت المقال الذي تفضل
لقد قرأت المقال الذي تفضل بنشره الدكتور عبد الرحيم باحمو على موقع المنتدى العالمي للوسطية، فوجدت فيه ما يدعوني إلى شكره، فهنئا له بكتاباته القيمة، ونسأل المولى أن يوفقه لما يحب ويرضى
الشكر الجزيل لشخصك الكريم ...
السلام عليكم ورحمة الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، مقال جميل جميل، هل يمكن أن أجده في مجلة لاعتماده في البحث العلمي
أضف تعليقاً