wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
علي فضل الله

نحو مقاربة إسلامية لتحدياتنا الراهنة

في عرضنا للتحديات التي تواجه عالمنا الإسلامي عموما والعربي على وجه الخصوص والتحديد ليس من الممكن أن نقدم تحديا من التحديات على غيره و هي كثيرة في ظل مشهد الدماء التي تسفك يوميا على الأراضي العربية و التي تذهب هباء من إرهاب لم يسلم منه بشر أو حجر ويمتد شرقا وغربا. فنعم عند مشهد الدماء المسفوكة في الأسواق والمساجد والحسينيات والشوارع لا تتراجع النقاشات حول القضايا الأخرى الملحة من فقر وجهل واستبداد ووحدة اسلامية ومواطنة و ما الى هنالك و ....

و لكننا عندما نريد أن نشخص هذه الأزمة الحادة المتمثلة بانفجار الإرهاب  فإن التشخيص المتكامل لهذه الظاهرة يدفعنا إلى التصدي إلى هذه القضايا الأخرى كجزء لا يتجزأ كسبب وأيضا نتائج تتراكم فهي حلقة شرسة فالإرهاب و التكفير يولد الحقد الذي بدوره يصب في المزيد من الإرهاب و التكفير.

نعم يحلو للبعض أن يقول بأن الإرهاب يأتي من الدين نفسه كما يذهب البعض - وخاصة من الشباب - سرا و وخفية في العالم العربي و علانية وجهارا من خارج هذا العالم وهذا رأي تسطيحي وساذج .

و بالمقابل يحلو للبعض الأخر أن يحمل الأخرين - من خارج العالم العربي و الإسلامي - مسؤولية هذا الخطر و تفشيه فيكون كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال

و البعض الأخر يسمي مذهباً أو طائفة أو إثنية أو دولة أو محوراً...

و لكن الرأي أيها الأحبة والذي نذهب إليه أن هذه الظاهرة تشكل حالة مركبة تتعدد اسبابها و يتغذى من بعضها بعضا وكل معالجة لا تسمي الأسباب كلها و تشخصها و تطرح حلولا لمعالجتها قاصرة, نعم المواجهة الأمنية ضرورية لرد العدوان و الظلم و حماية الأمنين .... و لكنها مرحلية و انية و لا تمنع التمدد وقد تؤدي عكس غرضها.

 

  • فالفقر في ظل توفر الموارد الطبيعية من نفط و غاز و معادن و ثروة مائية و .... و إنماء لا متوازن
  • والجهل في ظل مجتمع غير مثقف و الترجمة فيه محدودة و جله لا يقرأ مع كونها أمة نزل إليها القران بإقرأ
  • والبطالة في ظل وفرة فرص العمل التي لا تذهب إلى الكفوء و في ظل تضييق الدول العربية على بعضها البعض من ناحية الفرص وعدم تعاونها في هذا المجال
  • والاستبداد في ظل عدم تداول للسلطة و عدم وجود ثقافة حزبية ووطنية ومشاركة الشباب و المرأة 
  • والاحتلال  الصهيوني  والحرب الدولية التي دمرت أكثر من دولة عربية وانتجت ما انتجت من كوارث وضغائن وفتن...

كل هذه العناصر من الاسباب الاساسية لهذه الظاهرة أما السبب الذي يرده البعض للدين ففي رأيي المشكلة هي مشكلة خطاب لا مشكلة الدين فالله أرسل رسوله صلوات الله وسلامه عليه رحمة للعالمين.هي مشكلة الخطاب الذي يبث الحقد و البغضاء على المختلف و حتى لو كان الاختلاف على مستوى الاجتهادات لا الحقائق الثابتة...

 الخطاب الذي يحاكم مذهب على رأي لا يتبناه كل الذين ينتمون إليه.. أو قد يحاكم دولة وشعب على موقف ليس عليه اجماع... هذه المشكلة لا شك أنها اساسية و كبيرة و أيضا معقدة و خاصة في ظل التفلت والفضائيات التي تروج للفتن على شاشاتها وتستضيف أي كان لإطلاق عقده المذهبية من دون رقيب أو ما تنشره مواقع التواصل من دون أي ضوابط بما يؤدي إلى تعميم المنطق التكفيري والحاضنة التي تأويه...

مع هذا المشهد السوداوي و لكن الواقعي الذي طرحناه و العوامل الكثيرة التي يتطلب إنجازها لا عاما وعامين بل عقودا من الزمن ماذا نحن فاعلون؟

المهم التشخيص الأولي وتوفر النية  والعزم والجهود و التخطيط و هذا مطلوب على مستوى الدول واصحاب القرار والتأثير في الشأن الديني والسياسي بشكل جدي...

المهم بناء الوعي الذي ينقل مجتمعاتنا إلى مرحلة يحترم فيها الإنسان و تبنى الإستراتيجيات التي تتمحور حول صون كرامته بما كرمه الله –

و لكن مسؤوليتنا نحن التي سنسأل عنها نحن في الدائرة الدينية و الثقافية أساسية لما للدين من دور في وجدان شعوب منطقتنا و التي ذكرناها... و المطلوب هنا أن نكون جديين... أن يكون لكل منا في دوائرنا أهداف مرحلية نبتغي بها وجه الله وسلامة أمتنا...

إننا مطالبون في هذه المرحلة بالتمسك بمجموعة من المبادئ الضرورية التي نرى انها يمكن ان تفتح باب الأمل على طي هذه الصفحة السوداء من تاريخ أمتنا.

1-تنقية الموروث الديني: لا بد من الشجاعة والجرأة في أن يبادر كلٌ في ساحته و في إطاره الديني والمعرفي لتنقيح الموروث المذهبي الذي يستند إليه الإرهاب بكل تنوعاته  لتبرير مشروعيته الدينية في مواجهة الآخر المذهبي أو الغربي، والحل في الالتزام بالمقدس كالقران الكريم والاستناد إلى المتواتر من السيرة لمحاكمة مشروعيته، وأما ما دون ذلك من موروث فيجب إعادة قراءته إما بتوضيح مقاصده بما لا يقبل الشك، و إما برفضه و ضربه بعرض الحائط إن خالف القران الكريم و ثوابت السنة.

2-قضية التقريب: اننا ندعو هنا إلى تأكيد القواسم المشتركة التي نتفق عليها وهي كثيرة وإلى تفهم دقيق للقضايا الخلافية من المصادر الصحيحة، والحوار لتوسعة المشتركات، والوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات التي تواجه الإسلام والبلاد الإسلامية، وجعل الوحدة من الأولويات الدينية التي ينبغي أن تشكّل أحد معايير الانتماء إلى الإسلام وحفظ الإيمان، ولا سيما في هذه المرحلة، الّتي بات التمزّق الداخليّ فيها، يبعث على عدم الاطمئنان بأنَّ الإسلام يمكن أن يشكّل حلاً لمشاكل الأمّة، بالقدر الّذي يؤدي إلى تفاقم مشاكلها على وقع الصّراع الدّموي الدّائر تحت لافتات إسلاميّة.

اننا نصر على أهمية التمسّك بهدف الوحدة، كعنوان للاستراتيجيات والتوجّهات الكبرى، وأخذها بعين الاعتبار عند اتخاذ أيّ قرار سياسيّ أو اجتماعيّ، انطلاقاً من قول أمير المؤمنين: "لأسلمنَّ ما سلمت أمور المسلمين".

3-توضيح المفاهيم إيضاح كلّ المفردات الإسلاميّة والمذهبيّة الّتي يدور الجدل حولها، مما بات يترك تأثيره في قضية الوحدة.. كالموقف من الإمامة، والخلافة، والصّحابة، والموقف من تحريف القرآن، أو غير ذلك، وذلك من أجل قطع الطريق على كل من يستغل هذه المفردات لإشعال الحرائق المذهبية.

4-الخلط بين المذهبي والسياسي: إزالة الخلط بين الصّراع المذهبيّ والصراع السّياسيّ، منعاً لاستغلال المشاعر المذهبية في الصراع السياسي.. وليكن من منطلقاتنا، توجيه انتقاداتنا أو اعتراضاتنا أو إداناتنا، إلى السياسات المتبعة من قبل القوى المتنازعة، إذا كانت ظالمة، وليس إلى هذا المذهب الإسلامي أو ذاك... فالمذهب لا يتحمل جريرة سياسة معينة، ووزر السياسات الخاطئة تقع على عاتق أصحابها.. كما أنَّ تحميل المذاهب المسؤوليّات عنها، هو خطيئة كبرى، ولا يقوم بها إلا الجاهلون أو أصحاب النيات السيئة.

5-رفض منطق الغلبة: الدَّعوة إلى رفض الظلم والغبن الّلذين تتعرَّض لهما  هذه الطائفة أو هذا الموقع السياسي أو الفئة من  تلك الطائفة أو الفئة وبالعكس  فمن دون عدالة يتحسَّسها الناس، تبقى الأرضية مهيئةً والمناخ مؤاتياً لتوتير الساحة وتفجيرها، تحت عنوان رفض التمييز والهيمنة وإزالة المظالم.

إنَّ منطق الغلبة، هو دائماً عابر ومؤقّت ومرهون بالظروف، لذا، لن يشكّل حلاً لمشكلاتنا.. إن التفاهمات والتسويات التي تتحرى العدالة في حدودها الممكنة، هي التي تمنع الفتن، وتؤسس فعلاً لاستقرار حقيقي، بما يمهد لبناء دولة المواطنة التي تحفظ حقوق الجميع.

وهنا أحب أن أشير إلى الحديث عن المواطنة للحوؤل دون الوقوع في فخ الأكثرية والأقلية، والتشكيك بالانتماء الوطني لهذه الطائفة أو تلك دون لحاظ تشارك الأديان والمذاهب في صناعة تاريخ هذا البلد أو ذاك حتى بذل الدم في مواجهة أعدائه..

وكم ضروري أن نستلهم معاني التجربة الإسلامية الأولى، وخصوصاً وثيقة المدينة، والتي ينبغي أن تكون لنا نموذجاً في بناء الدولة التي تحتضن جميع مكوناتها...

6- أنسنة الدين: ولا بد أيضا من  اعادة الاعتبار عملياً  إلى مفهوم الأنسنة في التعامل مع المختلف و الآخر انطلاقا من حديث الإمام علي عليه السلام : الناس صنفان : "إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق" ومساواتك نفسك مع الآخر إن أُقِر كمبدأ فستكون له مصاديق كثيرة تربوية واجتماعية و دينية تنقل الحوار و التعايش إلى القاعدة وإلى الناس عوضا أن تبقى هذه المسألة أسيرة فتوى من هنا أو خلاف فقهي من هناك. حتى أن هذه المؤاخاة في الدين في أدنى صورها ، تتمثل في ان لا يبخل أحد من جميع المسلمين على الاقل باستنكار هذا العنف أو ذاك، واظهار الشعور بالأسى والحزن على ضحايا هذا الإرهاب من  اي بلد أو جهة انتموا... 

7- الانتماء إلى الإسلام: العمل على ترسيخ مفهوم الانتماء إلى الإسلام، الَّذي يستوعب جميع المذاهب، فنحن بالتعريف مسلمون، قبل أن ننتمي إلى هذا المذهب أو ذاك. ومن هنا فالدين عند الله الإسلام والمذاهب هي وجهات نظر  في فهم الإسلام والاجتهادات المذهبية قد تخطئ وقد تصيب وهنا لا بدَّ من إعادة الاعتبار إلى القيم الإسلامية الروحية والأخلاقية، التي تساهم في تعزيز رقابة الله، الَّذي يؤكد أنَّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، ويدعو إلى حسن الظنّ، والحمل على الأحسن، والجدال بالتي هي أحسن، وعدم الأخذ بالظن والاحتمال أو الشبهة.

8- سياسة الكيل بمكيالين: والتي تتجلى سلبياتها عندما نصنف العدوان الذي تتعرض له مجتمعاتنا و أهلنا أنه ارهاب و لكن عندما يصيب غيرنا فنجد مئات المبررات لتبرئته من هذا التصنيف حتى لكأننا و هذا حدث بالفعل نهلل لهذه الأعمال، وهنا لا بد من العمل الحثيث لتحديد مفهوم إسلامي شرعي للإرهاب للاحتكام إليه

فلتكن جهودنا بمستوى هذا التحدي.. ولتكن اجتماعاتنا غنيَّة بالخطط والقرارات.. لا أن نجتمع هنا، وكلٌّ يذهب إلى مواقعه ليأنس بكانتونه المذهبي وجماعته.. وهو يعتقد أنه آمن به.. فكل الأقاليم المذهبية والكانتونات الطائفية، هي مشاريع حرب داخلية وولادة لكل انواع الإرهاب، ولم توجد إلا لتكون كذلك، وليسلم معها الكيان الصهيوني، ولينجح مشروع تهويد القدس وإزالة المسجد الأقصى، واستبداله هيكل سليمان به، وسقوط فلسطين، وكل واقعنا العربي والإسلامي.

وهنا علينا أن لا نكتفي بمؤتمرات التلاقي وهي مشكورة ومأجور عليها ولكن أيضا الندوات العلمية البعيدة حتى عن الإعلام في الحوزات و المؤسسات... المناقشة كل قضايانا بعمق.

أيها الأحبة إننا في بعض الأحيان عندما نستذكر النكبة  في عام 48 وأيضا النكسة عام 67 فإن الأسى يعتصرنا ولا شعوريا لا نملك إلا أن نلوم حكومات ومجتمعات تلك المرحلة التي لو قدمت جهداً أكبر وتضحيات أكثر لكانت فلسطين بقت لأهلها, فقط بالقليل من الجهد والتعاضد.

ونحن اليوم لا نعيش نكبة فلسطين المستمرة فحسب وهي ستظل رغم كل شيء القضية الأساس و لكن أيضا نعيش نكبة العراق وسوريا واليمن وليبيا وفعلينا أن لا نضع أنفسنا في موقع الملوم من الأجيال القادمة التي لعلها ستتساءل لو أننا بذلنا جهودا إضافية في سبيل الوحدة في سبيل الإنسان و في سبيل الرسالة السامية التي جاء بها سيد المرسلين ... و كنتم خير أمة أخرجت للناس.

و الله من وراء القصد

 

 

 

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.