
من خلال قراءة منهجية في كتاب الغلو في الدين، للمفكر أبو زيد المقرئ الإدريسي
يندرج الإقدام على التفاعل مع كتاب: ((الغلو في الدين: المظاهر والأسباب))([1]) من خلال تقديم عرض تركيبـي ومطالعة منهجية في بنيته العامة، لكونه يحمل فكرًا تجديديًا مؤسسًا على التأمل العميق، والنقد الذاتي الأصيل، والإدراك المركب، وطول مكابدة للمعوقات الذاتية للعمل الإسلامي، وكشف أعطاب العقل المسلم المعاصر، محاولا تقديم معرفة مركبة بمختلف قضايا الغلو الديني، وأسبابه ومجالاته ومحاضنه، داعيا إلى ضرورة إعمال العقل في إضاءة النص الديني وتثويره.
وعلى الرغم من صعوبة تقديم قراءة دقيقة لمضمون هذا الكتاب، إلا أننا سنحاول عرض قراءة لأهم ملامحه الكبرى وخلاصاته الأساسية. فالكتاب -الذي بين أيدينا -يفك الارتهان مع ضغط اللحظة السياسية، ويتجاوز تقديم معرفة انتقائية منغلقة على الأحداث ومتمركزة على منظور تجزيئي واختزالي لظاهرة الغلو، ويتطلع لبناء رؤية كلية اجتهادية واستكشاف التحولات العميقة.
يعتبر المؤلف أن ظاهرة الغلو ليست مقتصرةً على العالم الإسلامي فقط، وإنما هي ظاهرة يعاني منها العالم كله وفي مجالات متعددة، فالحضارة الغربية الرائدة اليوم، تعاني هي الأخرى من ظاهرة الغلو المتمثل في الغلو الدنيوي والهيمني والمركزي لهذه الحضارة تجاه نفسها وتجاه العالم. لكنه اختار الاقتصار على مقاربة الغلو الديني لأسباب تتعلق بممارسة فضيلة النقد الذاتي، واحترام التخصص، ونظرا لخطورة الغلو حين يلبس لبوسًا دينيًا، والقيام بواجب ترشيد مستقبل الصحوة الإسلامية.
(1)ظاهرة الغلو الديني: من التفكيك النسقي إلى التركيب النماذجي التحليلي:
استعرض الكتاب مفهوم الغلو في اللغة، وتوقف عند طبيعة ورود الغلو في القرآن الكريم، وما يرادفه في النص القرآني وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) من رهبنة وتنطع وتشدد، ليخلص إلى أن المقصود بالغلو هو: ((كل تصرف يجاوز ما يفرضه الوحي)) وأن نقيضه هو: ((الاعتدال على منهج الوسطية الإسلامي))، الذي لا يعني الضعف والترخص والاستهانة بالمهام، بل هو بالعكس عين الجدية والمسؤولية.
أشار الكاتب إلى أن الغلو قد يشمل الدين كله، وقد يقتصر على جانب دون الآخر، وقد يكون الغلو في اتجاه الرفض أو القبول، أو في اتجاه التضييق أو التوسع، أو الرخصة أو العزيمة، أو التحريم أو التحليل، لكنه يرى أن الغالب فيه هو شمولية هذه الظاهرة التي تنزع نحو التشدد. ليقدم بعد ذلك كيف واجه النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) الإرهاصات الأولى لبروز هذه الظاهرة ومنها، تشديده النكير على أسامة بن زيد (وكان الحب بن الحب) في قتله لمحارب أعلن الشهادتين، صارخًا: ((أشققت عن قلبه؟))، وفزعه إلى المنبر يحذر الناس من الغلو في العبادة والتحريم، حين بلغه خبر الثلاثة الذين سألوا عن عبادته، ليخلص الكاتب إلى أن الغلو استعداد نفسي وعقلي قد يظهر حتى في الأجيال المخصوصة.
وقد تطرق المؤلف أيضا، إلى نموذج غلو الخوارج في التاريخ الإسلامي الذي انطلق على خلفية صراع سياسي وتحول فيما بعد إلى عنف حاد، مبرزًا مظاهر الغلو عندهم في النقاط التالية:
- القراءة الحرفية والسطحية والتجزيئية للنص القرآني.
- التطهرية الثورية المثالية المبالغة.
- الجرأة على التكفير وإهدار الدماء.
- ممارسة العنف الشديد والاغتيال السياسي.
- إلغاء الدور البشري في تجربة الحكم بإبداعها وأخطائها وتنوعها بزعمهم:( لا حكم إلا لله)، كلمةَ حق يراد بها باطل.
وتوقف الكاتب عند الآثار السلبية لهذه الظاهرة، والتي تمثلت في تعطيل جهد على رضي الله عنه، في مواجهة الفئة الباغية، والمساهمة في إنهاء الخلافة الإسلامية الراشدة، وإعاقة الفتوحات الإسلامية، وكثرة التشرذم والتفرق، وتفشي الحروب وويلاتها بين المسلمين. حيث لم ينفع الخوارج صدق نياتهم ولا إخلاصهم ولا صفاتهم الإيمانية والتعبدية التي تحلوا بها.
كما قام الأستاذ أبوزيد بتشريح دقيق لخصائص الغلاة ومظاهر التنطع التي تساهم في شل حركة الأمة نحو النهوض واستعادة موقع الفعل الراشد، حيث يرى أن الغلو يشمل المجالات الحيوية الثلاث للإسلام: العقيدة(تكفيرًا) والعبادات(تبديعًا) والمعاملات(تحريمًا)، مؤكدا أن أحد أبرز مظاهر الغلو هو الجهل بالطابع المركب الذي خلق الله به الأشياء، ورتب به القوانين، وعلى أن الغلاة ينحون نحو التبسيطية المخلة، فالأمر إما حق أو باطل، والموقف إما هدى أو ضلال، والألوان إما أبيض أو أسود، وذلك بسبب العجز عن التمييز بين النص الإلهي والفهُومِ البشرية النسبية المختلفة والمشروعة المؤسِّسة لفقه هذا النص، وإلغاء كل الاعتبارات المنهجية والأصولية والمقاصدية والاستيعابية لهذا النص، وعجزٍ أفظع عن الجمع بين العقل والنقل، النص والفهم، الوحي والتراث، الماضي والحاضر، الشورى والطاعة، الشرع والواقع. فتكون النتيجة أحكاما شوهاء، واستنتاجات غريبة، ومواقف متشنجة سرعان ما قد تجد طريقها إلى العنف الدموي وتصبح فريسة التوظيف الإعلامي والعلماني المحلي والأجنبي والمخابراتي بل والصهيوني الأمريكي.
ويستدل المؤلف على طبيعة تعاطي الغلاة مع الأخلاق وعجزهم عن إدراك طبيعتها المركبة التي تتضمن بعدين: البعد الفكري والبعد الفطري، مميزًا بين الانحراف الخلقي الفكري والانحراف الخلقي السلوكي من خلال تقديم معادلات الأخلاق المركبة، ومستشهدًا بمجموعتين متقابلتين من الأحاديث النبوية تؤكد هذا السياق مستندًا على تحليلات الشيخ عبد الحليم أبو شقة.
(2)في تفكيك مجالات الغلو ورصد جذوره:
يستمر المؤلف أبو زيد المقرئ في تفكيك مجالات الغلو الديني التي تشمل معظم النشاط الإسلامي والإنساني، مستعرضا إياها في:
- مجال الدعوة إلى الله: تنفيرًا وتعسيرًا.
- مجال الفتيا: تشددًا وتحريمًا وشدة اختلاف وتنازع.
- مجال الأحكام الفقهية: بانفتاح شهية الغلاة للتحريم، وكراهيتهم التحليل رغم أنه الأصل.وطبيعة إدراكهم للخلاف، حيث يضيقون به، ويرفضونه.
- قضية المرأة: سواء حجاب المرأة، أو أهليتها للمناصب، أو حرية حركتها وفكرها، أو ((دونيتها)) عن الرجل، أو فضيحة ((قتل الشرف)).
- مجال العقيدة: حيث شيوع التكفير، وسهولة إخراج الغلاة للمخالفين لهم من دائرة الإسلام.
وقد سعى بعد ذلك المؤلف إلى تحليل أسباب هذا الغلو وكشف الاختلالات المنهجية والتصورية والنفسية التي تشكل أساسه، أما بالنسبة للغلو الديني، فيمكن القول: إن السبب الرئيس يتصل بتصور طبيعة العلاقة القائمة بين العناصر المكونة للوجود، ذلك أنها علاقة تقوم على أقدار محددة لا زيادة فيها ولا نقصان. كما رصد صاحب الكتاب الأسباب الفرعية للغلو في :
(التعصب) بما هو غلو في مقدار ((الانتماء).
وسواس((الفرقة الناجية)) بما هو غلو في ((وهم التميز))
النصية الحرفية بما هي تغييب ((للمقاصد))
غياب ((فقه مراتب الأعمال)) بما هو جهل ((بمنطق الأولويات))
الخلط بين الحق والصواب: وذلك بسبب الجهل بحقيقة أن الحق واحد لكن الصواب متعدد، وقد يكون للحق الواحد أوجه عدة من الصواب.
الجهل بأحكام الشرع وأصوله وقواعده ومقاصده.
الأيدي الخفية: تلك التي تستثمر وتدفع وتوجه، لتمزيق شمل الأمة وقتل بعضها على يد بعض. وما يقع بالعراق وأفغانستان وباكستان، والعمليات الإرهابية في كثير من بلاد المسلمين دليل ذلك.
غياب الرؤية الشمولية للنصوص والمعالجة المنهجية للأحكام: وذلك جمعا للنصوص ودرءًا للتعارض، واستحضارا لنسقية القرآن ورؤيته ومنهجه.
الميل النفسي - الفكري المختل: الذي تغذيه سيكولوجية الإنسان المقهور.
غياب فقه الموازنات:حيث تضخم الصغير وتقازم الكبير.
كما أشار ذ. أبو زيد إلى أسباب الغلو في بيئة الخليج - كمثال ضمن بيئات أخرى-حاصرًا إياها في ثمانية أسباب:
- غلبة مفهوم التعصب على مفهوم المواطنة.
- تشويه مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحسبة.
- تشويه مفهوم الجهاد.
- التصور الطوباوي لنموذج الدولة الإسلامية.
- التصور التآمري للآخر.
- التصور المشوه للحضارة الغربية.
- التصور الماضوي الزاهر والمجيد.
- النظرة الدونية للمرأة.
(3)نحو نموذج جديد أكثر تركيبية وتفسيرية في دراسة الغلو الديني.
تمكن الأستاذ أبوزيد على ضوء الجهد التفكيكي الصارم لظاهرة الغلو وإدراكا منه لطبيعتها النسقية، من تطوير منهجي دال من خلال بناء نموذج تفسيري كلي أولي ذي أبعاد شاملة ومتعددة، مستحضرا السياقات المركبة المتداخلة، والامتدادات التاريخية، والتركيبات النفسية والرمزية المتعددة الأوجه في إطار جدلي يدمج خصوصية الظاهرة وتركيبية الواقع ونسقية التحليل، طارحا سؤاله المقلق على شكل استشكالي:لماذا العقل الديني المغالي أحادي وتبسيطي وحدِّي ومتطرف في نظرته للمجتمع والواقع وللقضايا رغم دعوة الإسلام إلى الوسطية والاعتدال فكرا ومنهجا وسلوكا؟
ويجيب عن سبب تبني بعض المسلمين -نقيض التوجه الوسطي المعتدل - للغلو والتطرف متقصدين القوة ومفتخرين بالعنف، تحيزا للمقاربة الثقافية-الفكرية كأساس في التحليل المنهجي لهذه المعضلة التي تنمو في الفكر والقناعات وتنتعش في التصورات ابتداء، لكنه لم يلغ المستويات الأخرى المعقدة والموازية للمستوى الثقافي، محللا ذلك من خلال المستويات التفسيرية المركبة التالية:
أ- المستوى الثقافي، والذي يشمل الأبعاد التالية:
- سوء فهم مناطات استعمال القوة في القرآن الكريم.
- نزع النصوص من سياقها.
- خلط مرحلة الدعوة بمرحلة الدولة.
- الخلط بين الوعيد الإلهي والمعاملة البشرية
- خلط الحق بالصواب.
ب- المستوى النفسي: ويمكن صياغته وفق قانون ((سيكولوجية المقهور)). فالإنسان الذي يعيش رد فعل عنيف على خصمه، يقوم بتبني منهجه.
جـ- المستوى الذهنـي: المتولد عن ((الحالة الإعلامية)) التي يقودها الغرب.
د- المستوى المنهجي: والمقصود به ((العقلية العسكرتارية))، الناتجة عن قراءة مجحفة ذات طابع عسكرتاري فقط للسيرة النبوية وتاريخ السلف الصالح وإغفال الأبعاد الأخرى الحضارية والإنسانية والعمرانية والهندسية والطبية والتشريعية والسلوكية والبيئية، في الفعل العسكري الخالص.
هـ- المستوى السياسي: المرتبط بالحالة السياسية للمسلمين اليوم، الذين يعانون حالة من التخلف السياسي كما يفصح عنه واقع الاستبداد والديكتاتورية؛ فنشأ كرد فعل لا شعوري عند المسلمين إيمانٌ بأن القوة هي الحل، وأن الذي لا يملك القوة لا يمكنه أن يصل إلى شيء، وتحولت الوسيلة إلى غاية، في حين أن الإسلام جاء أساسًا من أجل أن يعبد الله، عوض أن تعبد القوة.
وفي الفصل الخامس تطرق إلى المحاضن التي ترعى بيئة الغلو وتساهم في نشره بوعي أو بغير وعي محددا إياها في ثلاث محاور:
الأول: المحاضن الرسمية: من رعاية الأنظمة للغلو من خلال دعم الغلو اللاديني ودعم الغرب للأنظمة العلمانية المتطرفة وتهميش القوى الإسلامية المعتدلة أو دعم الأنظمة الغربية للغلو من خلال تمويل التوجهات المتطرفة بالسر واختراقها.
الثاني: المؤسسات التربوية: يرتكز الكاتب هنا-كمثال-على انحسار (مفهوم العمل الصالح) بسبب الغلو في النزعة الدينية أو النزعة الدنيوية لدى المؤسسات التعليمية الذي عالجه الدكتور ماجد عرسان الكيلاني، ومستعرضا النتائج السلبية لذلك في:
- إخراج إنسان فاقد للمهارات اللازمة للحياة الحديثة وعاجز عن المشاركة،
- حصر المثل العليا في السلوك الفردي دون الجماعي
- العناية بـ ((الغايات)) وإهمال ((الوسائل))
- تشويه معاني المصطلحات المتعلقة بمظاهر ((العمل الصالح)) وإخراجها من ميادين الحياة الاجتماعية وعن مدلولاتها الأصلية. (مثال الصبر الذي تحول إلى صبر على الفقر والجهل والهزيمة والتخلف وانقلب معنى الزهد إلى انسحاب من حركة الفعلوانقلب معنى ((التسليم للمشيئة الإلهية)) فصار تبريرا للتراخي وعدم الإنجاز)
- حصر مفهوم ((العمل الصالح)) في الميادين الدينية مما أدى لإهمال المؤسسات التربوية للقدرات التسخيرية والخبرات المربية بشكل أفرز أفرادا يفتقرون إلى القدرات والمهارات المواكبة للعصر.
الثالث: التيارات الغوغائية: وهي نتاج لتفاعل عوامل داخلية وخارجية، لتصبح بدورها منتجا تاريخيا للغلو ومساهما في صناعته.
(4)النموذج التطبيقي لظاهرة الغلو: دراسة حالة الغلو المسلح عند الجماعة الإسلامية المقاتلة بمصر:
سعى الكاتب إلى اختبار النموذج التفسيري المقترح من خلال واقع تجربة حية، بسط فيها لظاهرة الغلو المسلح في الواقع المعاصر في تجربة الجماعة الإسلامية المقاتلة بمصر، التي قامت بالتنظير للغلو، ورفعت سلاح التخوين والتكفير والاغتيال في وجه النظام المصري ومؤسساته، حيث رصد المؤلف طبيعة الكتابات الأولى التي ساهمت في التأصيل الشرعي والتبرير الثقافي والنفسي لهذا الغلو المسلح، مشيرا إلى كل من كتاب: ((كشف الزور والبهتان في حلف الكهنة والسلطان)) (تأليف جماعي)، وكتاب: ((أصناف الحكام وأحكامهم)) للشيخ عمر عبد الرحمان، وكتاب: ((القول القاطع فيمن امتنع عن الشرائع)) للشيخين عصام وعاصم عبد الماجد، حيث فكك السمات والخصائص العامة لبنية التفكير العنفي من خلال كتاباتهم ومقولاتهم المرجعية اعتمادا على تحليل السمات الأسلوبية وطريقة الكتابة، ليستخلص من هذه الكتابات أنها نابعة من فكر مأزوم مرتهن لردود الأفعال ومرتكزة على حمية الصعيد، دون الانتباه إلى تجارب الحركات الإسلامية السابقة، وعلى رأسها تجربة الإخوان المسلمين، وعدم الالتفات إلى كسب الدعاة والعلماء من الجيل الحركي الأول، مع سيادة المنطق البدوي في التفكير. بالمقابل الحضور القوي للأمانة العلمية ودقة النقل. ومشيرا إلى الأعطاب الفكرية عندهم في شقها النظري والعملي الناتجة عن الانحراف الفكري والتي تشترك مع تجربة الخوارج.
أما السمات المنهجية فقد حددها المؤلف في:
- القراءة السطحية للنصوص.ط
- حضور النقل وغياب الاستدلال.
- الغياب الكامل لعلمي أصول الفقه ومقاصد الشريعة.
- الغياب الكلي لفقه الواقع.
وقد درس الكاتب كيف تمت عملية المراجعة وتتبع طبيعة مضمونها التي تميزت بالنزاهة والإحساس بالمسؤولية، وارتكزت على المبدئية، وليس على المساومة، وأنها كانت ذات بعد منهجي ثوري في التعاطي النقدي مع الكتابات الأولى، وهذا ما بينته كتابات ((سلسلة تصحيح المفاهيم)) من حيث تحديد الوظيفة الأصلية للعمل الإسلامي، ومعرجا على سياق إعلان مبادرة وقف العنف وحيثياتها.
كما توقف الكتاب عند أهم التحولات الجذرية التي عرفها فكر الجماعة من خلال الكتب الأربعة الصادرة تحت عنوان: ((سلسلة تصحيح المفاهيم)) يمكن تلخيصها في:
- القطع مع العقلية الفقهية الاختزالية التي كانت تؤطر الأدبيات المرجعية الأولى وحضور المنهجية المقاصدية في التحليل وبناء الأحكام.
- تحكيم فقه الواقع والنظر إلى المآلات، الذي نتج عنه تحول في إدراك خريطة الأعداء وطرح سؤال الإمكان وفقه التنزيل والتمييز بين تقرير المبدأ ووعي الممارسة، وبين الاعتبار النظري التاريخي والإمكان الواقعي.
- التحول الفكري بوصفه ثمرة للنقلة المنهجية الأصولية التي تبلور معها عقل جديد يعيد طرح السؤال من زوايا نظر متعددة حول القضايا الراهنة. تبع ذلك تغير النظرة إلى مكونات الحركة الإسلامية والموقف من الآخر مع سيادة النفس المستقبلي الاستشرافي الكامن في كتاباتهم
(5)دور العامل الفكري في إنتاج ظاهرة الغلو:
((إن العامل الداخلي والبعد الذاتي في ظاهرة الغلو حاضر وموجود ولا بد من تقويمه، كما أن تأخير مناقشته وتحليله وتفكيكه، بناء على وجود عنف موضوعي خارجي ضحيته الذات الإسلامية والذات المعارضة الاحتجاجية بهدف تسويغ تأخير هذا النقد، والاستنكاف عن ذلك بالاستمرار في التنديد بالإرهاب الخارجي يسهم في قلب المعادلة، بحيث يكون تسويغًا ضمنيًا لاستعمال المقهور للعنف المضاد، وهو غلو وتطرف مهزوم سلفًا، لأنه عنف تتغياه الجهات الإستبدادية الكبرى من أجل تبرير مزيد من الهمينة والتدخل الاستعماري، من خلال الانجرار إلى ساحة الآخر، عبرتنا في ذلك قول الله عز وجل في: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}[الإسراء/ 13 - 14] هذا على المستوى النظري.
أما على المستوى التطبيقي، فلم يكن الغلو المسلح والعنف الموضوعي الخارجي في عهد الدعوة الإسلامية الأول بنوع من النسبية بأقل من العنف الذي يمارس اليوم ضد الذات الإسلامية المعارضة، ومع ذلك، فإن كلام رسول الله كله كان متجهًا إلى ضبط الذات وإلى تعليمها وتربيتها وعدم الانجرار إلى رد الفعل، وهذا واضح في الفترة المكية، وحتى في البعد التربوي والقراءة السننية للتاريخ والأحداث. ولقد استمر القرآن الكريم في ذلك أثناء فترة الدولة، ولم يشر القرآن في هزيمة أحد أبدًا إلى الأسباب الخارجية من جيش عدواني متسلط حاقد متشفي جاء لكي ينتقم لبدر ويثأر لقتلاه فيها، وإنما تكلم عن الداخل ونزلت الآيات تقول {ما أصابك من سيئة فمن نفسك} [النساء: 79].
وإذا كان من الواجب الاستمرار في التنديد بهذا الإرهاب الموضوعي الخارجي محليًا ودوليًا، فإنه لابد من الاستماع أيضا للذات من الداخل ورصد اختلالاتها وعللها، حتى نمنعها من أن تدخل في منطق الآخر، وأن تسوغ له بموجب ذلك أن يمارس عليها التخصص الذي يفقهه أكثر منها ويجرها إلى ساحته التي يمكن أن يهزمها فيها، عوض الصمود في ساحة الصبر والمكابدة وكف اليد إلى أن يكون التدافع الحضاري السلمي ممكنا لدعوة الحق ولأصحاب المظلومية العليا.
((ولا بد أن نعترف بأن هناك عاملًا حقيقيًا ذاتيًا بنيويًا موجودًا داخل الحركات الإسلامية، وهو عامل إيديولوجي منحرف يتغذى جينيكولوجيًا على الأصول الخارجية ويتغذى بنيويًا على النصوص التي تقرأ قراءة غير سليمة))([2]).
وهكذا يؤكد أبو زيد على ضرورة الاعتراف بوجود عامل فكري داخل الحركة الإسلامية يسهم في إنتاج العنف، لكن هذا العامل لا يتعلق بالنصوص الشرعية ولا بالأطر المرجعية كما يحاول الخطاب العلماني أن يصور ذلك، ولكنه مرتبط بنوع القراءة التي تعطى لهذه النصوص. وتكمن أهمية الاعتراف بوجود هذا العامل، في كونه يعطي فرصة لمناقشته وتحليله وتفكيكه، وهي الخطوة الضرورية في عملية الترشيد والتقويم الذي تمارسه الحركة الإسلامية في مراجعاتها الفكرية.
إذ إن الحركة الإسلامية معنية قبل غيرها بطرح هذا المعامل الفكري للنقاش والتقويم حتى لا تستمر في التورط في لعبة أريد لها أن تكون طرفًا مهزومًا فيها؛ على اعتبار أن ساحة العنف لا ينتصر فيها إلا من كان متفوقًا في ممارسته، وهو في هذه الحالة لن يكون إلا الغرب والأنظمة الموالية له، بالإضافة إلى بعض الجهات النافذة التي تحتكر السلطة والثروة. بخلاف المدافعة السلمية، فإنها تتيح لأصحاب القضايا العادلة والدعوات الصادقة وأصحاب المظلوميات، أن ينتصروا في ساحتها إن هم أتقنوا شروط التدافع وفقهوا سنن الواقع.
رغم اعتراف -مؤلف الكتاب -بأن العامل الفكري الإيديولوجي مهم، إلا أنه -في رأيه -ليس هو العامل الوحيد المؤدي للعنف. والاقتناع بخلاف ذلك، هو سقوط في فخاخ الخطاب العلماني الاستئصالي، إن العامل الفكري - رغم أهميته - ليس إلا عاملًا ضمن عوامل كثيرة تسهم في إنتاج هذا العنف، بعضها موضوعي، يعود إلى عنف العولمة، وعنف دول الهيمنة والاستكبار الغربي، وعنف التوظيف السياسي والإيديولوجي للإرهاب، وعنف الاستفراد الأمريكي بالعالم، وعنف غياب وتغييب الديمقراطية في العالم العربي وتضييق مساحة الحريات، وإقصاء التيارات المعارضة، وفي مقدمتها الحركات الإسلامية، وعنف تحالف الدول الاستكبارية مع الأنظمة السياسية لمنع أي تحول ديمقراطي في العالم العربي تحصينًا للمصالح الغربية، وعنف تحالف الأقلية العلمانية والفرنكفونية والشيوعية لمحاصرة منظومة القيم، وتهميش اللغة العربية. وعنف احتكار الثروة والسلطة، وعنف الاستفزاز العلماني الاستئصالي للحريات والقيم. وعنف القنوات الفضائية المتغربة المرصودة للتحكم في ميولات الشعب وتوجهاته، وتزييف الحقائق، وتنميط المواقف والاختيارات. إلى غير ذلك من العوامل الموضوعية التي تسهم بقدرها في إنتاج الظاهرة العنفية؛ ليس فقط داخل الحركة الإسلامية، وإنما في المجتمع ككل.
(6)آفاق تصور النموذج البديل: نحو معالجة ثقافية لمشكلة الغلو:
ركز الكتاب على الزاوية الثقافية بوصفها مدخلا مهما في معالجة مشكلة الغلو، وذلك من خلال مستويين: المستوى التصوري (المقدار) والمستوى المنهجي (الوسطية).
ففي المستوى التصوري، طرح المؤلف فلسفة المقدار في الوجود المتعلقة بطبيعة النسق الكوني، الذي ركب الله عز وجل عليه الوجود، ووضع عليه التشريع، حيث خلق الله سبحانه هذا الكون بقدر، وكل شيء فيه بقدر دقيق. فمن زاد أو نقص فقد غالى، وتسبب في اختلال نمط التركيب الصالح المعتدل. كما أن الأمر التشريعي اعتقادًا وعبادةً ومعاملاتٍ يراعي هذا المقدار بلا زيادة أو نقصان، ليتنقل للحديث عن طبيعة الحضور الكمي لهذا اللفظ في القرآن الكريم، والذي يعتبره الأستاذ أبو زيد المؤطر لمصطلح الحدود في القرآن الكريم، إذ إن ما لا يستوعبه الغلاة -والغلو نقيض المقدار، إذ هو زيادة فيه أو نقص منه حسب الكاتب- هو أَنْ لا شيء من الفضائل مطلوب لذاته، ولو كان صلاة أو جهادًا أو دعوة أو غيرها، بل المقصود وجه الله تعالى. وذلك لا يتحقق إلا باحترام (القدْر) الذي جعله الله (قدَرًا) للصلاح بهذا التكليف أو ذاك، فمن جاوزه خرج به إلى الفساد.
أما على المستوى المنهجي، فيمثل مفهوم الوسطية الشق المنهجي الذي يحدد الخطوات العملية لتجنيب الحراك الإسلامي السقوط في الغلو والتطرف اعتقادًا وسلوكًا، لافتًا إلى أنها ليست جديدة على الدين الإسلامي بل جديدة على الفكر الإسلامي المعاصر، على اعتبار أنها إحدى أسس منهج الدعوة الإسلامية، وهي اختيار فكري فلسفي منبثق من الطبيعة السمحة للإسلام، التي هي وسطية الإسلام نفسه،{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، وترتكز الوسطية على الاعتدال بوصفه رافعة أساسية، فالاعتدال روح يحتاج الإنسان إليها من أجل الوصول إلى الوسط، معتبرا أن المشكل في تنزيل الوسطية وتفعيلها في الممارسة.
في طبيعة النموذج الإدراكي الكامن للكتاب:
لقد جاء في مقدمة ((إشكالية التحيز)) أن: ((النموذج هو صورة عقلية مجردة ونمط تصوري وتمثيل رمزي للحقيقة، وهو نتيجة عملية تجريد (تفكيك وتركيب) إذ يقوم العقل بجمع بعض السمات من الواقع فيستبعد بعضها ويبقى البعض الآخر، ثم يقوم بترتيبها حسب أهميتها ويركبها، بل أحيانا يضخمها بطريقة تجعل العلاقات بينها تشاكل كل ما يتصوره العلاقات الجوهرية في الواقع([3]).
إن القارئ الفاحص في النموذج الكامن الذي يخترق نسيج كتاب معضلة العنف: رؤية إسلامية وكتاب الغلو في الدين، يصل إلى أنه يعالج قضية العقل الديني في فهمه وتعاطيه مع القضايا المعقدة والواقع المركب،ويلمح تلك الدعوة الملحة والحارقة إلى إعمال العقل واستعادة دوره ومكانته واستثمار وظائفه في التحليل والتفسير والتركيب، بوصفه عقلًا توليدًيا مقاصديًا تجديديًا، له دور فعال في إدراك جدلية الواقع والنص عبر تفكيك الظاهرة إلى مفاهيمها الأساسية، ثم تركيب المفاهيم وكشف متغيرات الظاهرة وتفاعلاتها عبر الزمن. وتكون بذلك خلاصة هذا الجهد اكتشاف النموذج الأكثر قدرة على التفسير. بدل النظر إلى العقل كآلة فوتوغرافية صماء دورها الأساسي تسجيل الصورة ونقلها كما هي بدعوى الموضوعية، بدون أدنى عمليات التنسيق والربط والتركيب([4]).
إن الحاجة إلى استئناف دورة حضارية جديدة، تستلزم قلقًا في طرح وجع السؤال وفي الدفاع عن الحق في مشروعية التفكير الممزوج بالوعي الحاد بالتحديات الراهنة، في محاولة جادة لتجاوز مأزق القبضة المعلوماتية الحديدية على الفكر والغرق في اللحظة المنغلقة على الصراع السياسي أو التنازع المذهبي أو التناحر الطائفي أو التفاضل العرقي.
د. سلمان بونعان
----------------------
[1] أبو زيد المقرئ الإدريسي، ((الغلو في الدين: المظاهر والأسباب)) 2010، في سلسلة شرفات المغربية العدد (29)، من منشورات الزمن؛ وقد صدر أيضا عن دار الكلمة في طبعة جديدة سنة 2014.
[2] أبوزيد المقرئ الإدريسي، مقتطف من محاضرة: ((نماذج من مراجعات الفكر المتطرف))، بتصرف.
[3] انظر عبد الوهاب المسيري، مقدمة ((إشكالية التحيز))،منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ونقابة المهندسين، الطبعة الأولى،1995، (ص/ 17).
[4] راجع عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الجزء الأول، دار الشروق، 1999. وأيضا: مقال المسيري، الخريطة الإدراكية، موقع الجزيرة نت.
ابحث
أضف تعليقاً