wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
د.حبيب: تغيير الأمة يبدأ من الدولة
الأربعاء, March 16, 2011

الدولة.. معركة التحول للإسلامية (1)

د. رفيق حبيب

تمثل الدولة الجهاز الإداري التنفيذي في النظام السياسي، فهي بهذا تمثل عصب النظام السياسي، الذي ينفذ السياسات، ويحول النظام السياسي إلى واقع متحقق. والدولة أيضا هي الجهاز الذي يملك أدوات تنفيذ القانون، وهي أيضا الجهاز الذي يملك السلاح الشرعي، لذا فهي تمثل الجهاز الذي يملك كل أدوات القوة. وكل نظام سياسي يفرض نفسه من خلال جهاز الدولة، والذي يخضع للنظام السياسي وتوجهاته، وكل قوة سياسية تصل للحكم تفرض سياساتها العامة على الدولة، وكل نظام مستبد لا يستطيع البقاء بدون السيطرة الكاملة على الدولة.
أسس الدولة
يفترض أن الدولة تبنى على أساس القواعد الأساسية للنظام السياسي، بحيث تصبح الجهاز الإداري الذي يتبنى قواعد النظام السياسي ويتصرف بموجبها ويحققها في كل تصرفاته وقراراته. ومن هذا تتشكل داخل الدولة قواعد للعمل، تعكس النظام السياسي الذي بنيت الدولة بمقتضاه، وأسست على قواعده. مما يجعل للدولة قواعد ذاتية داخلية تحركها حسب ما تأسس لها من قواعد ومبادئ وتوجهات وغايات. وتتشكل من تلك القواعد طبيعة الدولة، والتي تحدد تصرفها في المواقف المختلفة.
ولا تبنى أي دولة بصورة تسمح بتغييرها، أي تغيير القواعد والأسس والغايات والمبادئ التي بنيت عليها. فكل نظام سياسي، بما فيه النظام الديمقراطي، قد يسمح بتغير النخبة الحاكمة، ولكنه لا يسمح بتغيير النظام السياسي نفسه، وبالتالي لا يسمح بتغيير القواعد التي بنيت عليها الدولة. مما يعني أن التداول السلمي للسلطة، هو تداول لنخب تحكم النظام السياسي والدولة، ولكنه ليس تبديلا للدولة ولا لقواعدها، كما أنه ليس تبديلا للنظام السياسي ولا قواعده.
واستقرار الأوضاع السياسية يعتمد على استقرار قواعد النظام السياسي، وبالتالي استقرار قواعد الدولة، مما يحقق الاستمرارية للنظام السياسي والدولة، رغم تغير النخب الحاكمة. ودرجة استقرار الدولة أكبر من درجة استقرار النظام السياسي عامة، بمعنى أن الجانب السياسي والذي تمثله النخب الحاكمة يحدث فيه قدر من التغير مع تداول السلطة بين أكثر من نخبة أو أكثر من حزب، ولكن الدولة تمثل الجانب الإداري، والذي يفترض أن يشهد قدرا أكبر من الاستقرار والاستمرار، حيث يمثل الجانب الإداري القواعد الثابتة التي أسست عليها الدولة والنظام السياسي، والذي لا يسمح لأي نخبة تصل للسلطة بتغييرها.
 
فيصبح التداول السلمي للسلطة، هو تغيير في توجهات السياسة العامة، داخل إطار قواعد النظام السياسي المتفق عليها والمستقرة، ولكنه ليس تغييرا في القواعد الإدارية التي تعمل الدولة بمقتضاها، ولا في الأسس التي شيدت الدولة على أساسها. فالدولة تقوم على تعريف محدد للهوية، وتعريف محدد أيضا للحدود، وكذلك تعريف محدد للمصلحة القومية أو الوطنية، وتعريف محدد لعلاقة الدولة بالمجتمع، وكل هذه التعريفات تمثل أسسا مستقرة، مما يجعل العمل الإداري للدولة أكثر استقراراً واستمرارا من العمل السياسي للنخبة الحاكمة والذي يتغير بتغير تلك النخبة، أو حتى يتغير بتغير توجهات النخبة الحاكمة نفسها.
وكل الأنظمة السياسية القائمة على الحرية، أو تلك القائمة على الاستبداد، لم تصمم حتى تسمح بتغير النظام السياسي بطرق سلمية متدرجة. فأي نظام سياسي له أسسه، وتمارس الحرية السياسية داخل هذه الأسس، ولكن لا يسمح بتغيير كل أسس النظام السياسي من خلال الممارسة السياسية الحرة، أو من خلال الديمقراطية. لأن الديمقراطية تعطي الحق في التداول السلمي للنخب الحاكمة، ولكنها لا تسمح بتبديل النظام السياسي أو تبديل الدستور. 

الدولة والحزب الإسلامي

لهذا نجد أن أحد القضايا المثارة حول مسار الديمقراطية المعطلة في البلاد العربية والإسلامية، تتعلق بمدى سماح النظام الديمقراطي بوصول حزب إسلامي للسلطة، مما يمكن الحزب من تحويل النظام العلماني للدولة إلى نظام إسلامي. لذا نجد هجوما شديدا على الحركات الإسلامية بزعم أنها لا تؤمن بالديمقراطية، والمقصود أنها لا تؤمن بالدولة العلمانية، أو كما تسمى أحيانا الدولة المدنية، لتجنب ذكر وصف العلمانية السيئة السمعة في معظم البلاد العربية والإسلامية. 
لذا تتصرف الكثير من النخب العلمانية طبقا لقاعدة تحاول ربط الديمقراطية بالعلمانية، حتى يصبح الالتزام بالديمقراطية التزاما بالعلمانية. وهو ما يجعل البعض يبحث عن القيود التي تسمح بفرض العلمانية، حتى ولو فاز حزب إسلامي بالحكم، وهي تشمل أيضا محاولة فرض قيود على تشكيل الأحزاب نفسها. وكل تلك المواقف، والتي تجد دعما غربيا، تمثل محاولة لتطبيق الديمقراطية بصورة لا تؤثر على طبيعة الدولة العلمانية القومية القطرية، خاصة مع نص العديد من الدساتير في البلاد العربية والإسلامية على المرجعية الإسلامية، مما يسمح لأي حزب إسلامي للاستناد لتلك المرجعية الدستورية وتطبيقها عمليا، وتحويل الدولة العلمانية إلى دولة إسلامية.
نقصد من هذا، أنه طبقا للوضع السياسي القائم على الحرية السياسية، فإن أي حزب إسلامي يفوز في الانتخابات، لا يحق له تحويل النظام العلماني إلى نظام إسلامي، لأنه ملزم بالنظام السياسي الذي انتخب من خلاله. وعندما يتم تحويل النظام السياسي من خلال العملية الانتخابية، فإن هذا يمثل عملية تغيير سياسي، وليس مجرد تداول سلمي للسلطة. ومن الطبيعي أن يسمح كل نظام سياسي مستقر، بقدر مناسب من الحرية ولكن من داخله، فلا يمكن تصميم نظام سياسي مستقر يسمح بتغيير النظام السياسي مع تغيير النخبة الحاكمة، فيصبح التداول السلمي للسلطة، هو تداولاً لأنظمة سياسية، أي تداول لدول.
تلك هي جوهر المشكلة في حالة معظم الدول العربية والإسلامية، حيث نجد أنظمة علمانية حاكمة، رغم أن معظم دساتيرها تنص على المرجعية الإسلامية، ولكن دون أن تفعل تلك المرجعية، وحركات إسلامية تريد بناء الدولة الإسلامية. والنظم العلمانية القائمة، ليست ديمقراطية، فهي لا تسمح أساسا بالتداول السلمي للسلطة، ويغلب عليها طابع الاستبداد بدرجات متفاوتة، وتعمل على منع التعددية الحزبية المفضية لتغير النخبة الحاكمة، كما تعمل على منع أي تحول في الحكم تجاه النموذج الإسلامي. 

الشرعية من المجتمع

والحركات الإسلامية الإصلاحية تعمل من خلال الوضع القائم، وبأدوات العمل السلمي الإصلاحي التدريجي، وتحاول بناء الدولة الإسلامية من خلال التأييد الشعبي، وتعتبر أن الشرعية تأتي من المجتمع، فإذا توافق المجتمع على بناء الدولة الإسلامية، يحق للحركة الإسلامية أن تبني هذه الدولة، من داخل الدولة العلمانية المستبدة القائمة. والمواجهة الحادثة، تشير إلى عدة جوانب، حول مدى إمكانية تغيير النظام السياسي والدولة بطريق الإصلاح السلمي المتدرج، وحول مدى إمكانية تغير النظام السياسي من خلال الانتخابات، وهي وسيلة لتغيير النخبة الحاكمة، وليست وسيلة لتغيير النظام السياسي. 
ولكن المواجهة والجدل الواقعي بين الوضع القائم والحركة الإسلامية، لا يقف عند هذا الحد، بل يمتد لقضية جوهرية أخرى، حول العلاقة أو المقارنة بين نموذج الدولة العلمانية ونموذج الدولة الإسلامية، وهل يمكن بناء نموذج الدولة الإسلامية من داخل نموذج الدولة العلمانية، أم أن بناء الدولة الإسلامية يكاد يكون هدما للدولة العلمانية وبناء لدولة جديدة؟ 
وترتبط هذه المسألة بمصير الأمة الإسلامية، والتي تحكم بأنظمة حكم لم تخترها، وتحاول الانتفاض في وجه تلك النظم السياسية الحاكمة والمتحالفة مع الغرب، والمنفذة للسياسات الغربية. فكل محاولة لتحرير الأمة الإسلامية لتبني نهضتها ومستقبلها الذي تختاره، تعني تحريرا للدولة من النخب الحاكمة ومن القوى الغربية التي تحمي نموذج الدول القومية القطرية العلمانية، ومعنى ذلك أن أي تحرر للأمة هو تغيير في الدولة، وفي النظام السياسي، وأنه لا يمكن تحرير الأمة دون تحرير الدولة، ولا يمكن تغيير حال الأمة بدون تغيير حال الدولة.

اسلام اون لاين:16/3/2011

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.