
د. رفيق حبيب
الناظر إلى مرحلة تحول الدولة الإسلامية إلى دولة قومية قطرية، ونهاية الخلافة الإسلامية، يمكنه ملاحظة أن بداية نهاية نموذج الدولة الإسلامية بدأ قبل النهاية الرسمية لدولة الخلافة الإسلامية. فقد حدثت عدة تغييرات من داخل الدولة الإسلامية، عرفت وقتها بأنها إصلاحات، ولكنها في الواقع كانت تفكك بنية الدولة الإسلامية، وتضعف قوتها وتحد من دورها، يظهر هذا في الشروط التي فرضت على الدولة الإسلامية من قبل الدول الغربية لحماية الأجانب وحماية الأقليات، فقد كانت تلك التطورات بداية لنهاية النموذج الخاص للدولة الإسلامية.
تفكيك من الداخل
والناظر إلى تجربة محمد علي في مصر، يجد أنه حاول إصلاح الدولة الإسلامية من داخلها عن طريق تحديث العلوم والمعارف، فأسس لنموذج تعليمي موازٍ للتعليم الديني، من أجل تطوير المهارات العلمية والفنية. ورغم أن هذه المحاولة لم تكن من أجل نشر العلمانية، إلا أنها ساهمت في تأسيس وضع سمح ببداية نشر العلمانية بعد ذلك.
ويمكن أن نضيف لذلك العديد من محاولات الإصلاح التي كانت تتم من داخل المنظومة الإسلامية، ولكنها لم تستطع تجديد المنظومة من داخلها، بقدر ما عمدت إلى اقتباس العديد من المعارف والعلوم والأدوات الغربية الحديثة، ولم تستطع إدماجها في منظومة إسلامية متكاملة، لذا أصبحت تلك المقتبسات، بداية لبناء مغاير قام على حساب النموذج الإسلامي.
لذا يمكن القول: إن النموذج الإسلامي تم تفكيكه من داخله، من خلال زرع أفكار غريبة عنه دون تحويلها إلى جزء من منظومة متكاملة، حتى أصبحت الأجسام الغريبة تتراكم مع الوقت، وتبني نموذجا مغايرا، خاصة في المجال السياسي، ومنه تنتشر تلك الأجسام الغريبة في بنية النظام التعليمي، وهكذا تتمدد العلمنة تدريجيا داخل البنية الرسمية للدول العربية والإسلامية، وتهدم النموذج الإسلامي، وتحل محله.
التحولات الكبرى
وربما تكون تلك الصورة هي صورة مراحل التحول الكبرى، فالتحولات الكبرى لا تحدث في لحظة واحدة، ولكنها تحصل تدريجيا، حتى تتراكم التحولات والتغيرات الحادثة، لتصنع مرحلة جديدة، وعندئذ تأتي لحظة التحول الرسمية أو لحظة إعلان التحول. وهي مثل لحظة إعلان نهاية الخلافة الإسلامية، والتي كانت لحظة إعلان عن واقع تحقق بالفعل على أرض الواقع، ولم يبق إلا الإعلان عنه، أي إعلان وفاة الدولة الإسلامية، رغم أنها كانت في حالة موت سريري منذ فترة.
هذا المشهد، ضمن مشاهد أخرى في التاريخ الغربي يمكن أن تشرح ملامح مراحل التحول الكبرى. فالتقدم العلمي في الغرب حدث من داخل مؤسسة الكنيسة أولا، ولكنه بعد ذلك أصبح له مسار مختلف خارج مؤسسة الكنيسة، ثم تم تحييد مؤسسة الكنيسة ونشر العلمانية، وبعد ذلك أعيدت قراءة التاريخ بصورة جعلت من الكنيسة هي العقبة أمام العلم، مما يبرر الهجوم المتواصل على الدور العام للكنيسة، صحيح أن دور الكنيسة في الغرب لم يكن إيجابيا، ولكن موقف الكنيسة من العلم، والذي أذيع ونشر بعد بداية مرحلة العلمنة لم يكن دقيقا.
وهذا النموذج يشرح لنا كيف يكتب تاريخ المراحل الانتقالية، عند حدوث تحولات كبرى، ومنه يمكن أن نعرف كيف كتب تاريخ الدولة الإسلامية، خاصة في بعض مراحلها، ومنها المرحلة العثمانية، حيث كتب بصورة تمتدح بعض ما حدث من إصلاحات أو تغيرات، رغم أن تلك التغيرات هي التي قضت على الدولة الإسلامية، وأنهت الخلافة الإسلامية.
مما يستلزم معه إعادة قراءة التاريخ الإسلامي مرة أخرى، والنظر في ما حدث من تطور، وما حدث من مشكلات بصورة أخرى غير تلك الصورة الناتجة من الرؤية التي روجت لمشروع العلمنة. وعندئذ سوف يتضح مثلا أن الدولة العثمانية مثلت مرحلة مهمة من مراحل التاريخ الإسلامي، وأنها حققت الكثير من التقدم والإنجاز، وأنها مثلت بالنسبة للغرب الخطر الذي أرقه، لما كان لها من قوة ونفوذ عالمي. ولكن من خلال ضعف الدولة العثمانية الداخلي، ومن خلال التدخل الغربي، بدأ تفكيك تلك الدولة تدريجيا، حتى انتهى تاريخ الدولة الإسلامية.
تشابه المراحل
لهذا نتصور أن التحول من الدولة العلمانية القطرية التي زرعها الاستعمار إلى الدولة الإسلامية، سوف يمر بمراحل مشابهة لتلك المراحل التي حدثت مع نهاية الدولة الإسلامية وبداية الدولة العلمانية. فالتغييرات سوف تحدث أولا من داخل بنية الدولة العلمانية، مما يشكل تحولات تدريجية بداخلها. ثم سوف يكون لتبني القوى الإسلامية لآليات الدولة العلمانية دورا مهما في إحداث تحولات تدريجية مهمة، فهذا التبني هو نوع من التفكيك الداخلي التدريجي لآليات الدولة العلمانية، مما يجعلها تنتج قيما ونتائج غير تلك النتائج التي صممت من أجلها.
ومن خلال التفكيك المتتالي والمنظم لآليات الدولة العلمانية، يحدث تحول تراكمي داخلها، يخرجها عن مسارها، وعن غاياتها وأهدافها. وعندما تتجمع بعض التحولات المهمة، والتي تغير ملامح الدولة العلمانية وتفقدها مسارها الذي صممت من أجله، تبدأ مرحلة إعلان نهاية الدولة العلمانية، وبداية الدولة الإسلامية.
وهنا يصبح تبني بعض آليات الدولة العلمانية له أثر مزدوج، فهو في بدايته يعتبر نوعا من الالتزام بآليات لم تصنع داخل المنظومة الإسلامية، وهي بهذا آليات وافدة، ولكن بعد تبني تلك الآليات بصورة تسمح بإنتاج القيم الإسلامية من خلالها، يصبح تبنيها تفكيكا لبعض الجوانب المهمة من المشروع العلماني، وعزلا لبعض الآليات الرئيسة عن الغايات التي صممت من أجلها.
وعندما تنجح بعض تجارب إنتاج القيم الإسلامية من خلال آليات الديمقراطية، يصبح الطريق ممهدا لتطوير الديمقراطية نفسها، وتحويلها إلى آلية أخرى، وبهذا يبدأ العد التنازلي لنهاية الدولة العلمانية القطرية في البلاد العربية والإسلامية، وعندما تنجح تلك التجربة في بلد، يصبح انتشارها من بلد لآخر، ليس فقط أمرا ممكنا، بل أمرا محتملا.
اللحظات البينية
هذا لا يعني ضرورة تبني آليات العمل السياسي الغربي أولا، ولكن هذا المشهد يشرح اللحظات البينية في التحولات الكبرى، حيث إنها تكون لحظات مختلطة ورمادية أحيانا، وتتشكل من مناطق غامضة أو متداخلة، يصعب رؤيتها عندما تحدث، ولكن عندما ينظر لها بعين المؤرخ بعد مرورها بعدة سنوات أو قرون، تتضح ملامحها بصورة أفضل.
نعني بهذا أن التحولات التدريجية الحادثة الآن، والتي تمثل في الواقع بداية نهاية الدولة العلمانية، وبداية الدولة الإسلامية، لا يمكن ملاحظتها بصورة واضحة، لدرجة أن تلك التحولات يظن البعض أنها لا توجد، ولكن عندما تدور عجلة التحولات وتبدأ الملامح العامة للواقع في التغير، يمكن أن يرى المؤرخ ما حدث من تحولات تدريجية مهمة، لم يكن المعاصرون لها يدركون أهميتها.
لذا يمكن القول: إن الدولة الإسلامية كنموذج سوف تبنى من جديد من داخل الدول القائمة، ومن خلال تحوير أسس الوضع القائم وتغيير توجهاته ومساراته، حتى تتوقف عملية العلمنة أولا، ثم تصبح العلمنة غير فاعلة في الواقع، ثم يحدث تحولات للدول القائمة، تجعلها تنتج قيما غير علمانية مع مرور الوقت.
ولكن هذه الصورة التدريجية للتحولات، لن تكون هي الصورة الوحيدة، بل هي واحدة من الصور، فهناك تحولات تحدث في بعض البلاد العربية والإسلامية، تتسم بالثورية أو التغير الجذري، وهناك بعض المشاريع التي تطرح إحلال الدولة الإسلامية مرة واحدة مكان الدولة العلمانية.
ومرحلة تفكيك أي نموذج قائم، ويملك السلطة، ليست مرحلة هينة، لذا يرى البعض أهمية المرونة الشديدة في التعامل مع الواقع الراهن، حتى لا تثار عداوته، والبعض يرى أهمية المواجهة الجذرية لأن الوضع القائم يمثل قوى الاستبداد والعدوان المسلح. والبعض يرفض التعامل مع آليات النموذج الغربي ويرفضه بالكامل، والبعض يستخدم تلك الآليات حتى يخترق الوضع القائم. فلحظات التحول، تمثل تحديا لكل الأطراف، للطرف الذي يملك السلطة ومهدد بفقدها، والطرف الذي يحمل مشروعا للتغيير.
اسلام اون لاين:9/6/2011
ابحث
أضف تعليقاً