
أحمد بركات
تعاني صورة الإسلام في الذهنية الغربية من العديد من التشوهات، نتيجة الخطاب الأيديولوجي الصدامي الذي يضع الإسلام في مربع العدو الأول والحضارة الضاغطة ضد المنظومة القيمية الغربية، لا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وإذا كان التنافر بين الإسلام والحداثة أصيلا في الرؤية والتاريخ الغربي، خاصة بعد نجاح العقل الغربي في التخلص من الهيمنة الكنسية، وولوجه بوابات التنوير والحداثة، ونظرته للإسلام على أنه ديانة ماضوية تنتمي للعصور المظلمة، فإن النصف الثاني من القرن العشرين حتى اليوم، قد شهد تحول العداء العسكري إلى السياسي الذي جنّد المنظومات الفكرية والآلة الإعلامية الضخمة لخدمة أغراضه في تشويه الآخر الإسلامي، وأتت هذه الحملات المنظمة أُكُلها، بحيث تحول الخطاب العدائي من خطاب سياسي فوقي إلى مشاعر شعبوية عامة، مما نال من الأمن والتماسك الاجتماعي الغربي، وبات يؤرق المنظومة السياسية وطروحات المواطنة.
وبرغم بعض المحاولات التي تبذل لرأب الصدع الاجتماعي، والعودة إلى مفاهيم المواطنة الراسخة في المنظومة العلمانية، إلا أن ترسخ هذا الخطاب في العقل الجمعي، وتوظيف البعض له لتحقيق مكاسب سياسية أو مادية، جعل الحاجة مسيسة لخطاب إسلامي جديد، يقدم من خلاله الإسلام على حقيقته كدين يدعو للحوار ويقبل بالآخر، ويجسر الهوة بين المسلمين وغيرهم.
الغرب وجد ضالته
وجد الغرب ضالته في خطاب إسلامي جديد وحركة عملية مغايرة، هي حركة فتح الله غولن، التي انطلقت على يد قائدها من غربيّ الأناضول لتغزو العالم في كافة اتجاهاته وتوجهاته. تحول الشيخ فتح الله غولن من مجرد إمام "رسمي" بأحد مساجد تركيا، ليصبح أحد أهم رموزها، وأحد أبرز القامات في الفكر الإسلامي، فضلا عن كونه ناشطا في مجالات الخدمة العامة والدعوة إلى السلام والحوار الديني والثقافي. ونجح الشيخ في التأثير في جيل بأكمله على مستوى العالم ودفعهم للقيام بدور إيجابي للدفع قدما بعجلة الحوار من خلال منظومة تربوية وإعلامية عملاقة تتنتشر حول العالم.
كذلك يسعى الشيخ عبر كتاباته لتقديم أجندة عملية لتطبيق ما يدعو إليه من أفكار، فتتحول من مجرد طروحات نظرية إلى ميثاق عمل يلتزم به مريدوه ومحبوه داخل الحركة وخارجها، حتى صار، بحسب "دوجلاس فرانتز"، الكاتب بجريدة نيويورك تايمز، "سفيرا غير رسمي لتركيا بالولايات المتحدة الأمريكية لتقديم صورة معتدلة عن الإسلام، وللدعوة للتسامح من خلال لقاءاته مع البابا جون بول الثاني، وغيره من القادة الدينيين والسياسيين." ويؤكد "فرانتز" على أن ما تحظى به رسالة "غولن" من قبول في المجتمعات الغربية إنما مرده إلى اختلافها عن رسالات الحركات الإسلامية الأخرى التي "تتسم بالضبابية وعدم الوضوح".
كذلك يؤكد "منعمي حقي"، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة إندبندنت ببنجلاديش، أن ""غولن" شخصية بارزة ومقبولة لدى الجماهير، وإضافة إلى محاضراته وخطبه، فهو كاتب غزير الإنتاج، حيث تربو مؤلفاته على الستين كتابا جميعها عن الإسلام، وهو صاحب رؤية تأخذ بأتباعه إلى آفاق لا تطالها مخيلات غيره من الجماعات الإسلامية، وهو قادر على خلق نقطة التقاطع بين الإسلام والغرب؛ لأنه يسعى دائما لإبراز رسالة الإسلام العالمية لخدمة الإنسان بغض النظر عن دينه أو لونه أو قوميته".
بين يدي الحركة
وُلد الشيخ "محمد فتح الله غولن" في السابع والعشرين من شهر أبريل عام 1941، بقرية "كوروجك" التابعة لقضاء "حسن قلعة" بمحافظة "أرضروم" بتركيا. كانت نشأته نشأة متدينة تغلب عليها النزعة الصوفية، وبدأ حفظ القرآن الكريم ولما يتجاوز الرابعة على يد أمه، السيدة "رفيعة خاتم".
تأثر "غولن" في صباه برسائل النور للفقيه الكردي الصوفي الشيخ "بديع الزمان سعيد النورسي" الذي تأثر به "غولن" بشكل عميق ومباشر، وكان واسع الاطلاع وقطع أشواطا في قراءة الفلسفات الغربية والشرقية وعلوم السياسة والعلوم الطبيعية، إضافة إلى دراساته المستفيضة في العلوم الشرعية والفكر الصوفي.
بدأ غولن حياته العملية وهو في سن العشرين، حيث عُين إماما بمسجد "أوج شرفلي"، وكان يؤثر البيات بالمسجد على الخروج للشارع إلا للضرورة كشكل من أشكال النزوع إلى حياة التقشف والزهد وتطهير النفس، أما عمله الدعوي بمعناه الواسع فقد انطلق من "أزميل"، ليطوف بعدها كافة أنحاء غرب الأناضول يدعو الناس، لا سيما الشباب، إلى العودة إلى الله والزهد وطلب العلم والعودة إلى الدين، فالتف حوله الناس لأسلوبه العذب الرقراق ولقدرته على الولوج إلى القلوب والعقول على السواء (1).
ويعيش اليوم الشيخ فتح الله غولن (70 عاما) "بمنفاه الاختياري" بولاية بنسلفانيا الأمريكية بعد بلوغ دعوته طور العالمية ليبلغ بتأثيره في الناس آفاقاً أرحب، وليتخلص من القيود التي فرضتها عليه المؤسسة العلمانية بوطنه تركيا.
بين يدي الدعوة
أخذت المرحلة التكوينية للحركة في بداية سبعينيات القرن الماضي شكلا تقليديا، إذ لم تتعد آنذاك مجموعة من المعسكرات الصيفية للناشئة يقوم عليها مجموعة من المصلين الذين يؤمهم الشيخ بمسجده بمحافظة إزمير لتلقين الطلاب بعض المناهج الدينية، إلى جانب المناهج التي يدرسونها في المؤسسات التعليمية العلمانية التابعة للجمهورية التركية.
وفي نهاية الثمانينيات انتقلت الحركة إلى طور آخر، غير أنها بقيت في نفس الإطار التربوي التعليمي وذلك ببناء مدارس ونُزُل للطلاب في جميع أنحاء تركيا، تبلورت بعدها أفكار غولن في شكل حركة أصبحت تمثل ظاهرة تربوية عالمية تتجاوز ألف مدرسة بأكثر من 130 دولة تمتد من كينيا إلى كازاخستان مروراً بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، فضلا عن ست جامعات بتركيا وآسيا الوسطى.
أما مرحلة العالمية فتزامنت مع انفراط عقد الاتحاد السوفيتي عام 1994، حيث تمددت الحركة عبر مؤسساتها التربوية في دول الاتحاد السوفيتي السابق الناطقة بالتركية، لتنطلق منها إلى سائر دول البلقان وأوروبا. وفي نهاية التسعينيات، عرفت الحركة طريقها إلى الولايات المتحدة الأمريكية في نهاية تسعينيات القرن الماضي، حيث قرر الشيخ الإقامة بضيعة ريفية بولاية بنسلفانيا ليكون أكثر تأثيرا في المسرح العالمي.
برغم كل حملات التشكيك التي دشن لها العلمانيون الأتاتوركيون عن مصادر تمويل الحركة، والتي تعد واحدة من أغنى الحركات بالعالم، إلا أنها تمتلك شبكة أعمال متنوعة وعالمية. فبحسب دراسات حديثة، تحظى الحركة بتأييد نحو عشرة ملايين من الأعضاء والمتعاطفين مع الحركة، والذين ينتمون في أغلبهم إلى طبقة رجال الأعمال، يكرسون ما بين 5% إلى 10% من دخولهم لدعم الحركة.
وفضلا عن المدارس والجامعات الخاصة المنتشرة حول العالم، والتي تضم نخبة من الطلاب الذين ينتمون لعائلات ثرية (تنظم الحركة برامج خاصة في مدارسها وجامعاتها للطلاب الفقراء وغير القادرين عن طريق منح من رجال الأعمال الأعضاء والمؤيدين)، تمتلك الحركة عددا من المشروعات والمؤسسات التجارية التي تدر عليها أرباحا طائلة، "من أبرز هذه المشروعات "بنك آسيا" (الذي كان يُعرف قبل ذلك باسم "آسيا فاينانس")، والذي تمتلك مجموعة "كاليك" التابعة لشبكة الشيخ فتح الله غولن النصيب الأكبر من أسهمه. كذلك يمتلك المنتسبون للحركة شركة أكبولوت لصناعة الأنسجة، والتي تُعد ثاني أكبر شركة بتركيا في هذا المجال" (2).
ويؤكد "سيردارج يسيليورت"، من الاتحاد التركي لرجال الأعمال، أن الحركة قد لعبت دورا بارزا في النمو الاقتصادي لتركيا، حيث مهدت الطريق لرجال الأعمال لإقامة العديد من المشروعات والتمديد لأعمالهم في الأسواق الناشئة بإفريقيا وآسيا الوسطى". ويضيف "يسيليورت" أن "95% من أعضاء اتحاد العمال والصناعة بتركيا من المؤيدين لحركة غولن".
غولن والعلمانية الأتاتوركية
بدأت حركة غولن من رحم تركيا العلمانية، وبرغم عدم راديكالية الحركة، وعدم الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية في الفضاء العام، إلا أنها قد قوبلت بحرب ضروس من قبل المؤسسة العلمانية التركية المعروفة بتشددها وإقصائها الكامل للدين عن الحياة بكافة مناحيها. واعتبرت المؤسسة العلمانية الحركة تنظيما راديكاليا يسعى للوصول إلى مقاعد السلطة والهيمنة على مقاليد الحكم للعودة بتركيا إلى ما قبل 1923، عندما أعلن مصطفى كمال أتاتورك ورفاقه من العسكر قيام جمهورية تركيا على أسس علمانية، و"قاموا بالتغيير الكامل الشامل وفق النموذج الأوروبي وألغوا التشريعات الإسلامية، وأقروا مكانها القانون السويسري، كما ألغوا الحرف العربي لحساب الحرف اللاتيني، وأجبروا النساء على خلع الحجاب، وألغوا الأذان والشعائر التعبدية، وألزموا من تمسك بها على أدائها باللغة التركية ليتم لهم محو الثقافة العربية الإسلامية عن آخرها واستبدالها بالقومية الطورانية"(3).
وانتهى الأمر بتوجيه تهمة للشيخ عام 1999 بمحاولة تقويض الدولة العلمانية إثر تسجيل له يحث فيه أتباعه على أن يتحركوا في شرايين النظام من طرف خفي دون أن يشعر بهم أحد، وأن يتريثوا حتى يمسكوا بتلابيب السلطة، وأن يمتلكوا ناصية كل المؤسسات الدستورية بالدولة. إلا أن المحكمة قد حكمت غيابيا ببراءة الشيخ، بعد أن تأكد لها العبث الذي ألحق عن عمد بشريط الفيديو، ففضل غولن الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعيش اليوم بضيعة ريفية بولاية بنسلفانيا.
كذلك تتداول العديد من الدراسات والتقارير العلاقة الوطيدة بين الشيخ فتح الله غولن وبين الديمقراطيين الإصلاحيين المنتمين لحزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، وأنها تسيطر على قطاعات من الشرطة والقضاء، حتى إن أحد قيادات الشرطة قد أُودع السجن في العام الماضي إثر إعداده كتابا يتعلق بنفوذ الحركة وعلاقتها بالحزب الحاكم، وتكرر الأمر نفسه في هذا العام بالقبض على صحفيين لإجرائهما استقصاء عن الأمر ذاته.
غولن وأنسنة الرأسمالية
وبرغم كل هذه الأمور، فإن الحركة تحظى بقبول سياسي وشعبوي في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية لقبولها بمبادئ العلمانية بوجه عام، وإيمانها بالديمقراطية الليبرالية كآلية مثلى للارتقاء بدول العالم الثالث، وعدم رفضها كلية لمبادئ الرأسمالية التي تسعى الحركة لأنسنتها وتعديلها لتصبح أكثر قبولا وصلاحية.
وتؤمن الحركة إيمانا كاملا بمركزية المرأة، لا من خلال طروحات المساواة الجندرية الغربية، وإنما عبر دورها التكاملي مع الرجل في إحداث التغيرات الكبرى. كذلك تنفق الحركة جل أموالها على مشروعات عالمية تحظى بالدعم والقبول الغربي من شاكلة حوار الحضارات وحوار الثقافات، فضلا عن المشروعات الخدمية، لا سيما في مجال التعليم والتربية.
وتنظر المؤسسة السياسية والمراكز البحثية في الغرب إلى حركة "غولن على أنها البديل الأصلح للدين الراديكالي لأنها حركة تطورية حداثية، بل وتسعى إلى نمذجتها للحركات الأصولية الإسلامية والمسيحية على السواء، فهي، وإن كانت تشدد على مركزية القرآن في النظرية السياسية الإسلامية لكونه وحيا إلهيا لا يخضع للتعديل والتطوير ولا تجري عليه الأبعاد الزمانية والمكانية، وترى بأن الممارسة السياسية النبوية لا تتجاوز أن تكون عمليات تأويلية تطورت، ولا تزال، عبر ما يزيد على 14 قرنا من الزمان، وتخضع لأبعاد الزمان والمكان.
وهي بذلك، بحسب النظرية الغربية، تتمايز عن النظرية السلفية التي تستلهم الفكر السياسي من بطون التاريخ، ولا تجتهد في تطويره، كذلك فهي تقدم نموذجا ينبغي أن يحتذى من الحركات الراديكالية الدينية في العالم الغربي، ولثنائية الأصولية البروتستنانتية والحداثة العقلانية عند "ماكس فيبر"، ومن ثم، فقد قدم "غولن"، كمصلح اجتماعي متفرد، الأرضية المشتركة التي يقف عليها الدين والحداثة جميعا، والتي تربط العلوم المادية بالقيم الروحية لأنه يعتقد أن الغاية النهائية لجميع الأمم هي تجديد حضارة الفرد والمجتمع عبر الفعل الأخلاقي.
ولهذا فلا تجد الكاتبة الأمريكية Jill Carroll "جيل كارول" فروقا جوهرية بين الأسس الفكرية عند الشيخ "فتح الله غولن" وغيره من أصحاب التوجهات الفكرية، بل والعقدية المختلفة من شاكلة فيلسوف الإدراك الحسي "إيمانويل كانط" وفيلسوف الحرية "جون استيوارت مل" وفيلسوف الوجودية "جان بول سارتر"، بل والفلاسفة القدامى في الغرب والشرق على السواء مثل "أفلاطون" الإغريقي و"كونفوشيوس" الصيني (4).
إن الصحوة الدينية الحضارية، بحسب "غولن"، لا يمكن أن تتحقق إلا عبر مزاوجة ما وصلت إليه الحضارة الغربية من تقدم علمي وتقني مع المنظومة الروحية والقيمية الإسلامية، للوصول بالإنسان المعاصر إلى مدارج الرقي والكمال، وإن العالم صار كالقرية الصغيرة التي لا مكان فيها لمشاعر الكراهية والعداء، وإن الجماعات التي تقوم على أيديولوجيات الإقصاء واستراتيجيات التنافر إنما تكتب على نفسها العزلة والضمور.
اسلام اون لاين:11/6/2011
ابحث
أضف تعليقاً