wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التغيير والإصلاح.. المواجهة على أعتاب الدولة
الأحد, June 19, 2011

 
د. رفيق حبيب

 
يمكن القول: إن الدولة تقع في صلب عملية التحول والتغيير والإصلاح، الناتجة من المقابلة بين دولة علمانية قائمة، ودولة إسلامية بديلة. فالكثير من التغييرات التي تتحقق في المجال العام، تجد طريقها للدولة، بوصفها الممثل المركزي للمجال العام. لذا يصبح عمل الحركات الإسلامية في جانب مهم منه هو تغيير الدولة القائمة بأخرى بديلة لها. والقضية لا ترتبط بكم هذا التغيير، بل بالكيف، كما أن تغيير الدولة لا يعني هدم دولة وبناء دولة أخرى، ولكن يعني تغيير الأسس التي تستمد منها الدولة شرعيتها، وبالتالي تغيير غاياتها ومبادئها ووظائفها ومسؤولياتها. وفي المجمل يمكن القول: إن التغيير يرتبط أساسا بتغيير وظيفة الدولة، وعلاقتها بالمجتمع، وأسس تلك العلاقة.

تغيير الدولة

وعملية تغيير الدولة تواجه العديد من التحديات. فهي تواجه تحدي بقاء الدولة القومية بكل أسسها ووظائفها، حتى بعد تحولها إلى المرجعية الإسلامية، مما يؤدي إلى بناء نموذج مختلط بين القومية والإسلامية. وهذا النموذج قد يبنى مرحليا، أو يكون ممثلا لمرحلة انتقالية، ولكنه قد يتحول إلى نموذج مستقر لفترة زمنية طويلة، مما يؤدي إلى بناء نموذج مشوه، فيه قدر من نموذج الدولة القومية، وقدر آخر من نموذج الدولة الإسلامية. وهناك بعض الحالات التي تمثل تجارب إسلامية، ولكنها في الواقع تجارب لدولة قومية غيرت مرجعيتها العلمانية إلى الإسلامية، دون أن تغير طبيعتها وتكوينها ووظيفتها، فظلت دولة قومية.
والتحدي الأهم في مواجهة عملية تغيير الدولة، أو تغيير مرجعية الدولة، يتعلق بالمواجهة مع الوضع القائم. وتلك المواجهة لا ترتبط فقط بما تقوم به الحركة الإسلامية وما تتخذه من مواقف، ولكن ترتبط أيضا بوضع الدولة القومية العلمانية، والتي تتوفر لها حماية غربية واضحة. فنموذج الدولة القومية العلمانية، يحقق مصالح الدول الغربية، والحفاظ على هذا النموذج ضمن السياسة الغربية في المنطقة العربية والإسلامية. وربما يمكن افتراض أن الدول الغربية يمكن أن تقبل دولة قومية قطرية لها مرجعية إسلامية، أكثر من قبولها لدولة إسلامية بالكامل. لأن النموذج القومي القائم على الحدود القطرية، يبنى على مصالح القومية، وبالتالي يمكن التعامل معه من خلال المصالح المادية المباشرة، ولكن النموذج الإسلامي للدولة، يقوم على مصالح الأمة والالتزام بمبادئها وقيمها، مما يجعل له أسسا معنوية مختلفة عن الأسس المادية للدولة القومية القائمة على العرق والجنس. مما يجعل الدولة القومية القائمة، هي الحامية للمصالح الغربية، وهو ما يفسر تركيز الدول الغربية في خطابها السياسي على نموذج الدولة القومية.
يضاف لهذا، أن الدول القائمة تمثل مصلحة للنخب الحاكمة المتحالفة مع الغرب، مما يجعل القوى المساندة للدولة القائمة، تمثل تحالفا واسعا يمتد من النخب الحاكمة حتى النخب العلمانية حتى الدول والحكومات الغربية. ولا يمكن أن نغفل دور دولة الاحتلال الإسرائيلي، فبقاء نموذج الدولة القومية يمثل مصلحة مباشرة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، لأنه يساعدها على البقاء، ويؤمن قدرتها على حماية نفسها. فدولة الاحتلال الإسرائيلي، ليست فقط دولة قومية، بل هي دولة قومية عنصرية، وهي دولة تبنى على أسس علمانية ودينية مختلطة. وبقاء الدول العربية المحيطة بها كدول قومية، يؤمن بقاء الاحتلال الإسرائيلي.

الدولة والمشروع الحضاري

لذا فكل محاولة لتغيير أو إصلاح الدولة القائمة، حتى وإن كانت تدريجية ومن الداخل، تمثل محاولة لتغيير الوضع الدولي القائم، وتغيير المرحلة التاريخية التي تعيشها البشرية، وبداية مرحلة تاريخية جديدة. وهذا ما يجعل المشروع الإسلامي، ليس مجرد مشروع للإصلاح السياسي، ولكنه مشروع حضاري، يؤثر على المرحلة التاريخية التي تعيشها البشرية، والمتمثلة في عصر هيمنة الحضارة الغربية، ويبدأ مرحلة جديدة تنهي الهيمنة الحضارية الغربية.
لذا يجب النظر إلى منهج إصلاح وتغيير الدولة القائمة من زاوية مختلفة، فالقضية لا تتعلق فقط بتجنب الثورة والعنف، بل تتعلق بما يناسب عملية التحول الحضاري للدولة القائمة. فكل فعل لإصلاح الدولة سوف يعتبر خروجا على الوضع القائم، وتحديا للنظام الدولي الغربي، لذا لا يعد المنهج الإصلاحي المتدرج وسيلة لتقليل المواجهات الحادثة والمحتملة، بقدر ما يعد منهجا لبناء دولة، يتجنب هدم الدولة القائمة، دون بناء الدولة البديلة.
فالمشكلة لا ترتبط بأعداء المشروع الإسلامي، لأن موقفهم محدد سلفا، ولكن المشكلة ترتبط بإمكانية بناء مشروع وتغيير الوضع القائم، دون هدم الدولة القائمة فجأة والدخول في مرحلة الفوضى، ودون تعريض المجتمعات الإسلامية لحالة من الفوضى، تهدم البقية الباقية من بنية تلك المجتمعات. ولكن الاختيار الأخير في عملية التحول والإصلاح، ليس في يد الحركة الإسلامية وحدها، بل هو نتاج التفاعل الحادث بينها وبين القوى المهيمنة على الوضع القائم. كما أن هدم الدولة القائمة، قد ينتج من تصرفات النخب الحاكمة والدول الغربية المساندة لها، لأن الدول القائمة تتجه نحو نموذج الدولة الفاشلة، وهو ما قد يؤدي إلى سقوطها.

الإسلاميون وبناء الدولة

ومن داخل هذا المشهد التفاعلي، يصبح موقف الحركات الإسلامية عاملا مهما، ولكنه ليس العامل الوحيد. وكلما اتجهت الحركات الإسلامية إلى منهج تغيير الدولة القومية العلمانية من داخلها، استطاعت تجنب مرحلة الثورة والفوضى، وأصبحت أقرب إلى منهج يركز على بناء الدولة الإسلامية، بأكثر من تركيزه على هدم الدولة العلمانية، على أساس أن بناء الدولة الإسلامية يعني ضمنا نهاية الدولة العلمانية.
ولكن هذا لا يعني تجنب المواجهة، أو حتى تجنب حالات الثورة والعنف والفوضى، ولكن هناك فرق يبن مناهج عمل تؤسس لمراحل الفوضى، ومناهج عمل تبني عملية الإصلاح السلمي المتدرج من الداخل، ولكنها تواجه بظروف تفرض عليها التعامل مع مرحلة الفوضى أو العنف أو الثورة. كما إن هناك فرقاً بين محاولة بناء الدولة الإسلامية من داخل الدولة العلمانية، حتى إذا حدث وسقطت الدولة العلمانية القائمة فجأة، وبين محاولة هدم الدولة العلمانية القائمة، قبل بداية تأسيس الدولة الإسلامية.
والفروق تتعلق أساسا بالنتائج التي تتراكم عبر الزمن، وهي فروق ترتبط أساسا بما تدفعه المجتمعات من ثمن في مرحلة التغيير، كما ترتبط أيضا بقدرة المجتمعات على التعامل مع الأوضاع المختلفة.
فبعض المجتمعات تستطيع التعامل مع حالة غياب الدولة أفضل من مجتمعات أخرى. ففي مصر مثلا، يمكن أن يكون غياب الدولة كارثة كبرى على المجتمع، في حين أن غياب الدولة في اليمن مثلا، ليس له نفس الأثر. يضاف لهذا، أن الدول الغربية عندما تجد أنها أمام نظام لا يخدم مصالحها، تتجه مباشرة لهدم الدولة القائمة، حتى تهدم النظام المعادي لها، كما فعلت في العراق، وكما تحاول أن تفعل في إيران، لأنها تفضل التحول إلى مرحلة الفوضى، حتى تتمكن من بناء الدولة التابعة لها، وإن كانت قدرة الإدارة الأمريكية والدول الغربية على الخروج من مرحلة الفوضى، وبناء الدولة التابعة لهم، ثبت أنها محدودة، لأن هدم الدولة القائمة أيسر من بناء دولة أخرى بديلة لها.
لذا يمكن تصور مسار حركة التحول والتغيير التاريخي الحادثة، فهي في مجملها عملية تحول حضاري كبرى، والدولة تمثل نقطة مركزية في هذه العملية، لذا فالمواجهة على أعتاب الدولة لا مفر منها. ولكن مسار هذه المواجهة سوف يتحدد من خلال التفاعل الحادث بين أطرافها، والمواجهة لا يمكن تجنبها، ولكن الكثير من مخاطر مراحل التغيير يمكن تجنبه أو محاولة تجنبه.

إسلام اون لاين:19/6/2011

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.