wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
هل غابت فكرة الأمة عن المسلمين؟
الثلاثاء, September 27, 2011

مع تفكك البلاد العربية والإسلامية إلى دول قومية قطرية، أصبح البحث عن الوجود الفعلي للأمة مهما، فهل غابت الأمة؟ وهل غابت فكرتها؟ فإذا كانت الأمة قد غابت بالكامل، وغابت معها فكرتها، فإنها تصبح أمام احتمال أن تبنى من جديد، أو تبنى من عدم مرة أخرى، أو تختفي ولا تعود للظهور. وإذا كانت الأمة لم تغب، فهي إذن موجودة في حيز ما وبصورة ما، وتصبح عودتها للظهور مرة أخرى، متوقفة على حيوية الأمة وقدرتها على إحداث التغيير في حياتها.

مرجعية الحضارة

والأمة هي رابطة من الشعوب والقوميات، تقوم على أخوة الدين، وتستظل بمرجعية الحضارة الإسلامية، وهي تتكون أيضا من كل الجماعات غير المسلمة التي تشاركت مع الجماعة المسلمة في الحضارة الإسلامية وفي بنائها، وأصبحت المرجعية الإسلامية بالنسبة لها حضارة، كما أنها بالنسبة للمسلم دين وحضارة. الأمة إذن، جماعة من البشر تشترك في منظومة قيم، تجعل لها مرجعية عليا واحدة، ومصيراً واحداً، وغايات واحدة.
وعندما وجدت الأمة أولا في صدر الإسلام، تشكلت الجماعة المؤمنة الأولى، ثم أقامت دولتها الأولى. وبهذا فالأمة سابقة للدولة، لأن وعي الجماعة بوحدة مرجعيتها وإيمانها بتلك المرجعية، يسبق تأسيس الدولة التي تعبر عن تلك المرجعية وتلتزم بها. فالدولة القومية تتأسس على وجود قومية معينة يمكن تعريفها بصورة دقيقة وتمييزها عن غيرها وتحديد حدودها الجغرافية، فإذا لم توجد القومية بتلك الصورة الواضحة، تأسست الدولة أولا، ثم أقامت صورة قوميتها وحددت حدودها الجغرافية، وعرفت ملامح ولغة وسمات تلك القومية، وبذلك تكون الدولة قد بنت القومية، وبنت المجتمع. 
ولكن الدولة في المشروع الإسلامي لا تأتي بجديد من عندها، ولا تأسس وضعا ليس قائما، بل تأتي تعبيرا عن وضع قائم، وهو وجود أمة تؤمن بالمرجعية الإسلامية، وتشكل جماعة مترابطة، عابرة للقومية والأعراق.
ولما قامت الدولة الإسلامية عبر مراحلها التاريخية المتعددة، كانت تعبيرا عن وجود الأمة، وتحقيقا لما تؤمن به الأمة من مرجعية. فأصبحت الدولة حامية للأمة، ومنفذة لمرجعيتها، وخاضعة لما توافقت عليه الأمة، بل وخاضعة أيضا لاجتهادات الأمة وعلمائها. فأصبحت الدولة تحمل المرجعية التي تؤمن بها الأمة، ولم تكن الدولة هي التي أسست المرجعية، أو هي التي اختارتها. ولكن الدولة أصبحت تبني الحضارة مع الأمة، ولم تكن أيضا هي المسؤولة عن النهضة وحدها، بل كانت مسئولة عن تمهيد الطريق لقيام النهضة، وإقامة الدين. وظلت الدولة حارسة للأمة وحامية لها. وظلت الأمة فاعلة بجانب الدولة، وتقيم حضارتها وتحقق نهضتها.

من الذي غاب؟

لقد غابت الدولة الإسلامية، وتفككت أوطانها، وزرعت الدولة القومية القطرية مكانها، واستبدلت المرجعية العليا للدولة بالعلمانية بدلا من المرجعية الإسلامية. إذن الدولة هي أول من غاب عن أوطان الأمة، نقصد الدولة الإسلامية. ومع غياب الدولة الإسلامية، غابت أيضا الوحدة السياسية للأمة، وغابت الدولة التي تمثل المرجعية الإسلامية. ولم تستطع الأمة إعادة بناء الدولة أو الحفاظ عليها، مما يعني أن الأمة كانت في حالة ضعف، تمنعها من حماية الدولة، والوقوف أمام عملية تجزئة أوطان الأمة الإسلامية، والتصدي للدولة القومية القطرية، التي قامت كبديل عن الدولة الإسلامية.
 بالطبع كان غياب الدولة مؤثرا، فرغم أن فعل النهضة يظل مسؤولية الأمة، ولكن الأمة لا تنهض إلا من خلال وحدتها، ومن خلال مرجعيتها، وعندما قسمت الأمة غابت وحدتها، وعندما تم علمنة الدولة، غابت مرجعيتها عن النظام السياسي الدستوري. وبهذا فقد غابت الدولة والوحدة والمرجعية معا، ولم تعد الأمة تتحرك داخل إطار جامع لها، بل تم تمزيقها إلى قوميات، وكانت الأمة من الضعف بحيث إنها لم تستطع حماية نفسها مما حاق بها. 
ولأن الأمة لم تستطع حماية الدولة، ولم تقدر على استعادتها، لذا أصبحت الأمة في حالة ضعف وتفكك، ولم تعد الأمة القادرة على النهوض. وحالة الأمة المفككة، ليست كحالة الأمة وهي في طور التأسيس الأول، لأنها في مرحلة التأسيس تكون جماعة صغيرة تتكون منها الأمة بعد ذلك، وتقوم تلك الجماعة على الإيمان بالفكرة، ثم تنشر فكرتها بين الناس، حتى تؤسس الأمة، ومن ثم تؤسس الدولة. 
ولكن الأمة بعد أن لحق بها التفكك، لم تغب عنها فكرتها كليا، ولم تغب عنها مرجعيتها كليا، ولم تغب تلك المرجعية عن الحياة الخاصة والاجتماعية كليا، ولم تغب أيضا حقيقة الأمة عن الذاكرة الجمعية للأمة، كما لم يغب تاريخ الأمة نفسه. فقد أصبحت الأمة واقعا تاريخيا، وأصبحت الشعوب المنتمية للأمة تعرف تلك الحقيقة التاريخية، وتعرف ما حدث في تاريخها، وتعرف أيضا كيف تفككت، وكذلك تعرف أنها تفككت رغما عنها، وأن الاستعمار الغربي هو الذي فككها، وأن النخب التي حملت المشروع الغربي وحكمت البلاد العربية والإسلامية، هي التي حمت هذا التفكك وكرسته. 
كل تلك الحقائق تعرفها الأمة، أو على الأقل أغلبيتها، لذا فحالة التفكك ليست كحالة التأسيس الأولى. فهي حالة ضعف، تضعف فيها الأمة، ولكن لا تفقد كل تاريخها وهويتها ووعيها، ولكن تفقد القدرة على الفعل القادر على تغيير واقعها، وتكون في حالة استسلام لوضع ترفضه، ولكنها لم تقدر بعد على مواجهته.

فهل غابت الأمة

من حيث كون الأمة جماعة من البشر، تتكون من العديد من الأعراق والقوميات، وتؤمن بالمرجعية الدينية والحضارية للإسلام، فالأمة لم تغب. ومن حيث إنها جماعة من البشر لها تاريخ مشترك وتدرك أن مصيرها واحد، وأنها كانت أمة موحدة سياسية، فالأمة لم تغب. ومن حيث إن الأمة هي جماعة من البشر لها قيم مشتركة، وتريد الوصول لغايات مشتركة، فهي أيضا لم تغب.
فبعد غياب الدولة والوحدة والنهضة، غابت إرادة الأمة القادرة على تحقيق غاياتها والخروج من أزمتها، ولكن وعيها لم يغب، وهويتها لم تغب أيضا. فالأمة كانت وما زالت، ولكن قدرتها على تحقيق ذاتها الحضارية في الواقع التاريخي، لم تتبلور بعد بالقدر المناسب لتغيير مسار تاريخ الأمة، حتى تستعيد دولتها ووحدتها وتنهض من جديد. ولكن استمرار بقاء الأمة كوعي وهوية موجودة ومتحققة لدى جماعة من البشر، لا ينفي أن فئات من الأمة قد خرجت من تلك الهوية، أو خرجت عليها، وأن نخباً من الأمة هي التي تبني الدولة القومية العلمانية، وهي التي تساعد القوى الغربية على تفكيك الأمة. 
وهذا لا ينفي أيضا وجود فئات تشككت في هوية الأمة، أو عملت بالفعل على إخراج نفسها من الهوية الجامعة، وأصبحت تعمل من أجل هويتها القومية. ولكن بقاء الأمة تجسد أساسا أن فكرتها لم تغب، وأن هويتها لم تغب، وظلت فكرة وهوية ووعياً حاضراً لم يغب. فأصبح التحدي الذي يواجه الأمة، ليس إعادة اكتشافها أو تكوينها من جديد، بل تنشيط قدراتها حتى تصبح قادرة على الحركة التاريخية الفاعلة والقادرة على إعادة بناء الوحدة والدولة وتحرير كل أراضي الأمة من الاستعمار بكل أشكاله.

لم تغب طليعة الأمة

من أهم مظاهر استمرار الوجود التاريخي والحضاري للأمة، ما يتمثل في استمرار طليعة الأمة في الجهاد من أجل استعادة وحدتها وبناء الكيان السياسي الواحد المعبر عنها، وتحقيق النهوض الحضاري. فمع كل مرحلة من مراحل التراجع الحضاري، ومع كل مرحلة من مراحل تفكك الأمة، كانت تظهر طليعة الإصلاح الثقافي والحضاري، أو الطليعة الحركية الداعية للإصلاح، والتي تحمل هموم الأمة، وتحاول استعادة بناء وحدة الأمة من جديد. فقبل سقوط الدولة العثمانية كانت محاولات الإصلاحيين تتواصل، منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وبعد سقوط دولة الخلافة العثمانية، كانت جماعة الإخوان المسلمين تتأسس في مصر، لتحمل راية الأمة، بعد أن سقطت تلك الراية من الدولة. 
ومع تمدد العلمنة والهيمنة الخارجية، تخرج جماعات الغضب الإسلامي المسلحة، لتعلن حالة من العصيان الشامل على كل الأوضاع، فتصبح صرخة غضب تزلزل أركان النظام السياسي الحاكم والمتحالف مع الغرب ومع العدو الصهيوني.
ولأن لحظة الصمت الطويل لم تتحقق، لذا لم تغب الأمة. فقد كانت دائما ترى حلم الوحدة حولها، والرغبة في النهوض لا تفارق طليعتها. لذا بقيت الأمة حاضرة كوعي وهوية. وبقيت أيضا محاولات إنهاضها مستمرة لم تتوقف. ولكن فعل النهوض لم يبلغ بعد المستوى اللازم كي يقف أمام فعل التفكيك المضاد له. ولم تبلغ الأمة بعد درجة من اليقظة والهمة، التي تمكنها من مواجهة التحديات التي تتعرض لها. 

بقاء الوعي وغياب الفعل

تلك يمكن أن تكون حالة الأمة الإسلامية، فالوعي بالأمة وحقيقتها ما زال موجودا، رغم تراجعه أحيانا، إلا أنه لم يغب بالكامل، ولم يتراجع بالكلية، وظل حاضرا في وعي الأمة، بوصفه وعيا تاريخيا تحقق بالفعل، وما زالت الأمة تحلم باستعادته مرة أخرى. ولكن الذي غاب هو الفعل، ولكنه لم يغب بالكلية، ولكن غاب في أغلب الأحيان، وغاب عن أغلب أبناء الأمة. 
فظل الوعي حاضرا لدى الأغلبية، وبقي الفعل نشطا لدى الأقلية. فظلت الفكرة، ولم تتحقق بالفعل الجهادي القادر على تحويلها إلى حقيقة تاريخية. لهذا لم تصل الأمة لمرحلة الموت، ولم تبلغها، لأن وعيها لم يمت بالكامل، ولأن هويتها لم تمت بالكامل، ولأن رغبتها في استعادة حقيقتها التاريخية والحضارية، ظلت تراودها، ولأن نضال طليعتها لم يتوقف في أي مرحلة. لذا بقيت الأمة فكرة ووعياً وقيمة وحقيقة متجسدة في جمهور الأمة.
وكلما زاد فعل الأمة النشط نحو بناء هويتها الحضارية وتحقيق وحدتها، زاد اقترابها من مرحلة الفعل المؤثر. فمع تزايد الفعل المعبر عن وحدة الأمة، ورغبتها في استعادة وحدتها، تزيد احتمالات قرب الأمة من مرحلة النهوض. وكلما انخفض مستوى الفعل النشط داخل الأمة لاستعادة وحدتها، بات نهوض الأمة مؤجلا. فالقاعدة واضحة: إذا نشطت الأمة مرجعيتها وحققت وحدتها وحررت بلدانها، سوف تنهض في النهاية، وإذا تقاعست أو عجزت عن ذلك، استمر تفككها وتزايد تراجعها الحضاري. وكلما باتت الأمة في خطر، صحت جماهيرها على نداء الوحدة، واستشعرت بخطر ما تتعرض له. 
لذا نجد الأمة تحول وعيها إلى يقظة، ولكن مقدار ما يتحقق من يقظة ونشاط وفعل جهادي، يحدد قدرة الأمة على تحقيق الوحدة والنهضة، ويحدد أيضا الموعد الذي تحقق فيه الأمة مستقبلها المنشود.      
وما الثورات الشعبية التي تؤسس لمرحلة جديدة في المنطقة العربية والإسلامية، إلا بداية للفعل النشط لجماهير الأمة، وهو فعل نشط يتجه أولا نحو الاستبداد، باعتباره الأداة التي حرمت الأمة من دورها، وحجبت خياراتها الحرة. لذا يمكن اعتبار الثورات الشعبية حركة لتحرير الإرادة الشعبية، فالثورة المصرية حررت الإرادة الشعبية، وبعدها سوف تبدأ مرحلة تبلور توجه الإرادة الشعبية، حتى تتشكل ملامح المستقبل المنشود. وهنا يمكن لوعي الأمة أن يتحول إلى فعل نشط، بعد أن تتحرر الإرادة الشعبية لجماهير الأمة بالكامل.

إسلام اون لاين: 27/9/2011

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.