
يحاول بعض الموتورين إطلاق التهم والشائعات حول الحضور الكبير للدعوة الإسلامية في البلاد المسلمة!! وهذا نابع من حقد وكره للإسلام أكثر من كونه خلافاً مع القائمين على الدعوة الإسلامية أو منتسبيها، وفي هذه الآونة لوحظ زيادة تكرار هذه الشبهات والمطاعن وتعدد المنابر التي تلوكها، وليس من تفسير لذلك سوى التفسير البسيط والبديهي الذي يتفق الجميع عليه وهو "الصراخ على قدر الألم"، فهؤلاء الحاقدون والموتورون ليس لهم من مبرر لهذا الهجوم الشرس على الدعوة الإسلامية وحملتها سوى ضخامة الألم الذي يقع عليهم بحضور حملة الدعوة الإسلامية الذين يرفعون قِيم الإيمان والعدل والحق والطهارة والصدق في الوقت الذي لا يقوم سوق المناوئين لهم إلا إذا سادت الوثنية القديمة والمتجددة وشاع الظلم والباطل وغابت الطهارة وعمت القذارة والنجاسة.
وبأدنى تأمل نجد أنه حين يتمدد سلطان هؤلاء الحاقدين على شؤون المجتمع تعود من جديد مظاهر الوثنية والشرك فتُستعاد رسوم الوثنية باسم الفولكلور والفنون الشعبية أو تحت غطاء التراث القديم فتنصب التماثيل وتعظم الآلهة الباطلة ويروج سوق الأصنام من جديد وتصبح زينة للبيوت حتى لو صنعت في الصين!!
كما أن هؤلاء - باسم الثقافة والفنون - يقيمون من الفعاليات ما ينتج لنا ضحايا المخدرات والإيدز وعبدة الشيطان، كما يعلم ذلك المختصون في الشرطة والقضاء والتربية.
وبسبب هذه الوثنية الظاهرة والمغلفة والانحطاط الخلقي لا يستغرب انتشار قصص الفساد الإدارى والمالى في القطاع العام والخاص والتي أصبحت اليوم تحال للهيئات الرسمية للتحقيق وننتظر أن نشهد مرحلة جديدة بمعاقبة الفاسدين حقيقة، ورغم تشدق هؤلاء وتباكيهم على القيم الديمقراطية وحرية الناس وضرورة المشاركة فإنهم هم من جسّد التسلط في أكبر صوره، والاحتكار في أبشع صوره، وهم الذين انقلبوا على الديمقراطية إذا لم تكن في صالحهم عدة مرات، ومن تأمل استقالة د. أحمد ماضي من رابطة الكتاب الأردنيين مؤخراً بسبب سياسة الإقصاء والتهميش التي تنتهجها الرابطة ووقوفها بجانب الديكتاتور بشار الأسد سيدرك حجم الفجوة بين الشعارات والممارسات.
فبأي عقل يريدون أن نصدّق أن الإسلام الذي وحّدنا ورفعنا وأعزنا لا نصيب له في المجال العام، أما التيارات الوافدة المنقطعة الصلة بتاريخنا وتراثنا ومجْدنا والتي لم تتسيد على بلادنا إلا بعون المستعمر الشيوعي أو المستعمر الرأسمالي لها هي فقط حق الوجود؟؟
إن الحضور الإسلامي في الفضاء العام لأمتنا هو حضور الحق الأصيل، ألسنا مسلمين ديانة وحضارة ؟ وهل عشنا هذه القرون سوى بإسلامنا ؟ وهل عزتنا ومجدنا الذى عشناه ونرجوه كان إلا بإسلامنا ؟ فكيف يُستنكر حضور الإسلام وقوته بين المسلمين ؟؟
ولما فشل هؤلاء في منع الحضور الإسلامي من الوجود ومن ثم فشلوا في منعه من الظهور والبروز والتفوق على ما عداه من تيارات وافدة ليس لها من هم سوى إزاحة الإسلام من القيادة والتوجيه، حاولوا دراسة الحضور الإسلامي في مئات بل آلاف الدراسات وارجعوا هذا الحضور لأسباب متنوعة اقتصادية وسياسية وسكانية واجتماعية وتاريخية على اضطراب فيما بينهم، لكنهم فشلوا في فهم طبيعة هذا الحضور لأنهم يجهلون طبيعة الإسلام التي تغاير ما عداه من الأديان السماوية والوضعية، فالإسلام لكونه الدين الحق الذي لم يتعرض للتحريف وليس من ابتكار البشر يمتاز بخاصية التجدد الذاتي، كما في الحديث الصحيح "إِن اللَّهَ يَبْعَثُ لهذه الأُمَّة على رأس كل مائة سنة من يُجَدِّدُ لها دِينَها "، وهذا لأن الإسلام دين دعوة وليس ديناً مقفلاً كاليهودية مثلاً.
كما أن الإسلام يجعل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً فردياً يشمل الجميع، وبناء على هذا قدم د. فريد الأنصاري تعريفاً للحركة /الصحوة/ الدعوة الإسلامية في كتابه (البيان الدعوى): "رغبة طبيعية في التدين أولاً كما جاءت به أصول الإسلام لكن مع من الإحساس –ثانيا- بالحرمان مما جعلها تصطبغ في بعض مظاهرها وتجلياتها بطابع رد الفعل".
وهذا الحرمان الذي أشار له د. فريد الأنصاري واضح في تاريخنا المعاصر بما لاقته الأجيال المسلمة من عذابات وإهانات على يد المحتلين الكفار بداية ومن ثم على يد أعوانهم الوطنيين كما حدث في تركيا ومصر وتونس وليبيا وكثير من البلاد، فعاشت هذه الأجيال غربة شديدة وعاشت معها الأمة مرحلة تيه عظيمة.
ولذلك قال بعض أهل التفسير إن الله عز وجل حين عاقب بني إسرائيل بأن يتيهوا 40 سنة كانت الغاية خروج جيل جديد في بني إسرائيل بخلاف هذا الجيل المعاند، وهذا يكاد ينطبق على واقعنا المعاصر، فالصحوة الإسلامية يكاد يتفق الباحثون على أنها بدأت عقب هزيمة العرب أمام اليهود سنة 1967. ونحن اليوم وبعد أكثر من 40 سنة نشهد حضوراً مميزاً للصحوة والدعوة الإسلامية ونشهد تغييراً كبيراً في واقع الأمة يقف الإسلاميون في مقدمة صفوفه.
وأيضاً لو عدنا من هزيمة 67 إلى الوراء 40 سنة تقريباً فسنجد أنفسنا أمام إعلان إلغاء الخلافة العثمانية رسميا على يد كمال أتاتورك سنة 1924، فقد احتاجت الأمة 40 سنة لتجاوز محنة إلغاء الخلافة، واحتاجت 40 سنة أخرى لتظهر بوادر نتائج الجيل الجديد في الأمة.
إن ما تشهده الأمة اليوم لهو بداية الطريق إلى استعادة هويتها وعلاقتها بربها أولاً والتي سترشدها للمنهج القويم في علاقتها بما حولها، وهذه المسيرة التي مرت بها الدعوة الإسلامية لم تخلُ من أخطاء وعثرات ونكبات، ولم تكن طريقاً مفروشة بالورود ولن تكون.
وفي هذه المرحلة فإن على حمَلة الدعوة الإسلامية مواصلة المسير في هذا الطريق الذي بانت معالمه واتضحت نتائجه، مع الأخذ بعين الاعتبار دراسة ما جرى لتجنب العثرات وتنمية الثمرات، والانتباه للمكائد والفخاخ المنصوبة في الطريق مع التخطيط للمستقبل.
لعل من أهم التحديات التي تواجه الدعوة الإسلامية اليوم تحدي المشاركة الإيجابية وهذا يحتاج إلى اعتماد الكفاءة والأمانة "القوي الأمين"، والانفتاح على الطاقات المميزة ولو كانت من خارج الهيئات الدعوية، ويحتاج إلى أن ينتقل الخطاب الإسلامي من مربع وصف المشاكل إلى مربع تقديم الحلول، فقد أمضينا وقتاً طويلاً ونحن نصف ما لا نريد وجاء الآن أوان أن ننشغل بوصف ما نريد، ولا بد من مراعاة التدرج في الإصلاح، التدرج القائم على تقوى الله وليس أهواء الداخل والخارج، ولنا عبرة وعظة في قصة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز حين عاتب أباه الخليفة على عدم إقامة الحق كاملاً، والتجاوز عن بعض الأخطاء وقال بأنه مستعد بأن يتحمل التبعات مع أبيه حتى "لو تغلي بنا القدور فى سبيل الحق"، فردَّ عليه أبوه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز قائلاً: "يا بني إن الله ذم الخمر مرتين فى القرآن قبل أن يحرمها، وإني أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة واحدة فيتركوه جملة واحدة"، وفي القصة دلالة على أن في تراثنا المستمد من شرعنا واجتهادات علماؤنا وقادتنا مؤنة تكفينا البحث عن نظرية سياسية وافدة ندير بها واقعنا.
وهذا التحدي لا ينفك عن أن نواصل منهج الدعوة للإسلام وتربية الناس على أحكامه وآدابه ونشر العلم الشرعي بينهم وإقامة المؤسسات الدعوية والخيرية لهذه الغاية، مع مراعاة تحسين الخطاب الدعوي ورفع مستوى كفاءة المؤسسات الإسلامية لتكون النموذج في الإنتاجية والشفافية والمؤسسية التي نسعى إلى أن تقوم عليها دولنا في هذه المرحلة الجديدة.
المصريون: 30/9/2011
اسامة شحادة
ابحث
أضف تعليقاً