wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
عوائق أمام تطور الفقه الإسلامي ..
الجمعة, August 12, 2011 - 01:00

التَعَامُل مَع الفقه الإسلامي صعب جداً في ظل عدم القُدْرَة عَلَى وضع سياسات عملية وحاسمة للتعامل مَعهُ، وَمَع خلط كَبِير بَيْنَ النصوص، والافهام، أدى إلى وقوع النَّاس في حيرة كَبِيرَة، وَفِي بَعْض الأحيان وصولهم إلى آراء فقهية متناقضة تجعلهم يعيشون في صراع، هَلْ هم يعيشون في الحلال أوْ الحرام، وكل ذلِكَ نتيجة عدم قُدْرَة كثير من الفقهاء عَلَى الاجتهاد، وَالوُصُوْل إلى الأحكام بِطَرِيقَة صحيحة. 
وبِشَكْل عام فإن هُنَاكَ عدة عوائق تَحَدٍ من فعالية، وَقُدْرَة الفقه الإسلامي عَلَى الاستجابة لاحتياجات النَّاس، أو تلبيته لمتطلبات العصر الحديث، وَمنها عَلَى سبيل المثال: 
أولاً: ما يقرب من ألف وأربعمائة سنة من العمل الفقهي الإسلامي، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِ خلالها عشرات الآلاف من الفقهاء، وَالعُلَمَاء، والأشْخَاص الَّذِينَ عملوا فِيهِ، وَقَدْ أدَّى هَذَا إلى وجود إرث عظيم منه، وهَذَا شَيء جيد وإيجابي من الناحية النظرية، وَلَكِن العقلية المسلمة الَّتِي تَتَعامَل مَع كل الأشياء بقداسة جعلت التَعَامُل مَع هَذَا الفقه عملية صعبة، وغَيْر مجدية في مُعْظَم الأحيان، وبدلاً من ان يَكُون مصدر قوة، وعاملا إيجابيا فِيهِ، أصْبَحَ عكس ذلِكَ. 
ثَانِياً: مَع هَذَا الإرث العظيم، أصْبَحَ الفقيه المسلم المعاصر في مُعْظَم الأحيان مكبل العقل أمامه، لأنه يتعامل مَعهُ بقداسة، وَلَمْ يعد يفرق بينه وَبَيْنَ النصوص المقدسة، ولعلك تقدر حجم الخطورة الفكرية، والدينية حِينما يتم التَعَامُل مَع الدين، وفهم الدين ضمن المستوى نفسه، وهَذَا يؤدي إلى اضطراب كَبِير، وَدُخُول المجتمع في صراعات عقيمة، وَيَكْفِي القول ان الاختلاف في بَعْض المسائل الفقهية قَدْ جَعَل الْحَياة الاجتماعية أصعب، وضيع وَقْت المجتمع في جدالات عقيمة حول هَلْ يجوز ذلِكَ أوْ لا يجوز، مَع ان الأمر سهل، وبسيط، وَيُمْكِنُ حسمه بِسُهولَة، وَلَكِن مَع كل هَذِهِ الآراء القَديمَة المتناقضة يُصبح الأمر مستحيلا، ويبدو ان كَثِيراً من كليات الشريعة لا تُعْطِي طلبتها ملكة التفريق بَيْنَ النص وفهمه، ليصبح الأمر بعدها أسهل في التَعَامُل مَع الأدلة الشرعية. 
ثالثاً: خِلال العُصور المُخْتَلِفَة، وبدلاً من إعمال العقل، ورفعه إلى المستوى المَطْلُوب، فَهْوَ أداة فهم النصوص، وَبِهِ يُمْكِنُ إجراء الْعَمَلِيَّة التفاعلية مَعْهَا لتطبيقها في الوَاقِع، لَكِن ظهور مَدْرَسَة النقل في الإسلام، وسيادتها، وانتصارها في مُعْظَم العُصور، بَلْ وظهور المَدْرَسَة السلفية الَّتِي تجعل من استعمال العقل تهمة، ومنقصة، أدَّى هَذَا كله إلى تقليص أبواب الاجتهاد، بَلْ واقفالها، وَفِي حَالَة حُصُول بَعْض المحاولات فِيهِ، فإن نتائجها كارثية، فَمَنْ يَقُوُم بِهَا عَادَة يُحَاول فهم الإسلام بعقلية القُدماء، وبادواتهم، ومِن خِلال حياتهم، وَليْسَ حَيَاتنَا المعاصرة. 
رابعاً: نتيجة الهزائم المتتالية الَّتِي تعرضت لَهَا أمتنا، أصْبَحَت عَقْليَّة بناء الجدران، هِيَ السائدة في الفقه الإسلامي، وبدلاً من ان يَقُوُم الفقهاء عَادَة بالاجتهاد لِلوصولِ إلى الأحكام الفقهية من أدلتها التفصيلية بِطَرِيقَة سلسة، وسهلة، وبعقلية مرتاحة، أصْبَحَ الأمر مرهونا بالتوتر، والخوف من الآخر، وسيادة (العقلية الأمنية الفقهية) الَّتِي أدَّت إلى تحريم أشياء كَثِيرة نتيجة الخوف من الآخر، أوْ من شَيء ما، وَكَذلِكَ توسع فقه (سد الذرائع) الذي يُمْكِنُ بِهِ، وبِسُهولَة تحريم أي شَيء لمجرد خوف صغير من أي شَيء مجهول، وهَذَا جَعَل من الفقه (فقه تحريم) بامتياز، بدلاً من ان يَكُون (فقه حلال وحرام). 
خامساً: نتيجة وجود بَعْض الفقهاء المسكونين بِالخَوفِ من كل شَيء، وعدم قدرتهم عَلَى توصيف الوَاقِع بدقة، وبعدهم عن المنتجات الحضارية الجَديدَة، وعدم تفاعلهم مَع التغيرات المستمرة في الْحَياة، انتقلت عدوى كراهة أي جَدِيد للعامة، بَلْ وَأصْبَحَ من المُعْتَاد ان يستمتع البعض بالتحريم، ويعجبوا بالفقيه القادر عَلَى تحريم كل شَيء، وَمَرَّة سمعت أحد العامَة ينتقد شَيْخَاً مُعَيَّناً، وَالسَّبَب انه يحلل بَعْض الأشياء، وكأن (المشيخة) أصبحت تَعْني التحريم، ولا يُمْكِنُ ان يثق النَّاس الا بمن يحرم كل شَيء، وهَذَا يُمْكِنُ تفسيره اجْتِمَاعِيَّاً بأنه نتيجة الهزيمة في جَمِيع ميادين الْحَياة. 
وَبعْد، يَحْتاجُ الفقه الإسلامي إلى غربلة للتفريق بَيْنَ النصوص والاجتهادات، ثمَّ إعادة تأهيل الفقهاء لِيُصْبِحُوا أكثر تفاعلاً مَع النَّاس، وَالوَاقِع، والحاضر، بَعِيداً عن التقليد الأعمى للقدماء، واعتبار كل قديم صَحِيح، وكل جَدِيد غَيْر صَحِيح، وإعادة الاعتبار للفقه من خِلال جَعَلَهُ أداة لرفع المجتمع، وَمُساعدَة النَّاس عَلَى التقدم، وإخراجه من دائرة الخوف، والرعب، والأحكام العرفية الفقهية، ليعود المسلمون إلى سابق عهدهم، قادرين عَلَى التفاعل مَع الْحَياة، والإنتاج الحضاري، فهم يستحقون الأفضل مثلهم مثل غيرهم من الأمَم.

الغد:12/8/2011

محمود أبو فروة الرجبي

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.