
سعدت وبمعية عدد من علماء العالم الإسلامي هذا الأسبوع بزيارة الجزائر وشعبه المضياف للمشاركة في مؤتمر كان عنوانه (دور الوسطية في استقرار ونهضة الجزائر) واصدقكم القول أن هذه الزيارة قد تركت في نفسي آثاراً ستبقى حاضرة طوال حياتي، وذكرتني ببدايات حياتي يوم أنا كنا صغاراً في الإبتدائية وكانت في قمة اهتماماتنا يوم ان كنا نهتف في مدرسة الفتح الثانوية بالمحطة في الطابور الصباحي (وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر) ويومها كنا لا ننسى جرحنا القريب الراعف في فلسطين، ولكن القلوب والآمال عريضة متسعة تتسع طول وعرض هذا العالم وكأننا نقول وحيثما ذكر اسم الله في بلد عددت ارجاؤه من لب أوطاني ونردد بلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد ومن نجد الى يمن إلى مصر فتطوان... أما اليوم وبعد أن انكفأ كل قطر عن نفسه (أولاً) وانكفأت الأقطار الى أجندات ضيقة، حدث انكفاءٌ على الذات وارتدادٌ عن كبير الآمال والأحلام صغرت وضاقت الصدور (لعمرك ماضاقت بلاد بأهلها ولكن اخلاق الرجال تضيق).
أعود الى الزيارة فاستذكر حزام العاطفة الممتد من طنجه الى جاكرتا وأتأمل حرارة واستجابة ومروءة الشعب الجزائري كيف قاوم الإستدمار الفرنسي مئة وخمسين سنة إذ حاول أن يدمر كل مقومات المجتمع الإنسان والبنيان والعمران والدين والسلطة.. ثم كيف أن علمائه ومجاهديه ونسائه ورجاله لازالوا الى اليوم يستمدون فخرهم أن يقول احدهم كان ابي مجاهداً كبيراً ومن حسن طالعنا اليوم سنحضر عرس ابن مجاهد جزائري كبير حتى أن الأحزاب هنا تستمد مشروعيتها من هذه الثورة العملاقة (الجبهة الوطنية لتحرير الجزائر)، الجزائريون يعيشون في عمق الجرح في كل أركان هذا العالم الإسلامي المجروح، يتحرقون ويتحركون أسرع من أهل فلسطين أو الأردن أو السودان أو العراق قضيتهم قضية اخوانهم دائماً كرماء بلا منه أصحاب مروءات لم أجدها في الشعوب الأخرى على الإطلاق فحفظ الله الجزائر وأهل الجزائر وقيادة الجزائر وشعبه الكريم المعطاء.
التقينا بشباب حركة مجتمع السلم وشاباته... التقينا بقيادات.. انفتاح سعة ادراك نمط مستوعب متقدم، إن هدفهم يتلخص بإقامة مجتمع السلم وليس الإنقلاب أو الحرب على مجتمعهم أو تكفيره أو تدميره، لقد ساهمت هذه الحركة الراشدة في إخراج هذا البلد من عشرية حزينة دامية ادخلها بها ضيقوا الأفق واعداء الديموقراطية الموتورون الذين ظنوا أنهم عندما تجحوا في الانتخابات فإنهم امتلكوا الحق في الغاء الآخر وإقصائه.
قامت هذه الحركة بقيادة المرحوم الشيخ محفوظ النحناح رحمه الله ونشرت قيم التدين الصحيح في الجزائر من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه، وليعذرني الاخوان اذا قلت أن نموذج الحركة الإسلامية في الجزائر هو النموذج المتقدم على كل نماذج وتجارب العمل الإسلامي الأخواني، وهو نموذج يجب أن ينقل ويحتذي ويعمم... أنه يعمل من خلال الدولة وليس ضد الدولة وليس له خطاب سري وآخر علني.
لقد دفعت هذه الحركة دماء غزيرة في سبيل السلم الإجتماعي وما قبل قادتها أن يستبيحوا أو يبيحوا سفك دماء الجزائريين وقدم رئيس جمعية الإرشاد والإصلاح الشهيد بوسليماني روحه والسكين على رقبته إذ رفض أن يفتي بجواز قتل الجزائريين لخاطفيه ولا أريد أن استطرد فيغضب بعض الأحبة مني.
أعود بعد هذا الى الحديث عن جمال الأرض وتنوع المناخ وخصوبة الأرض وخيرات هذا البلد الذي سيكون بعد أيام للأسف اكبر بلد من حيث المساحة...!! في يوم واحد ترى الشمس الدافئة ثم ترى أمطاراً وشتاءً ينتشر يرسل الخير ويبعث الحياة وتبشر بالربيع، زرنا مدينة الورود أو مدينة البليده وما أجمل غاباتها وأرزها وصنوبرها وجبالها وشريعتها، المدينة هادئة وادعة دافئة وعلى أكتافها تحيط بها قمم جبال أطلس صعدنا عليها وأذا بنا في أجواء الجليد والثلج ولم يخرجنا من جو البرد القارس إلا جمال الطبيعة الأخاذ ودفء حرارة استقبال الأخوة من حركة مجتمع السلم وجمعية الإرشاد والإصلاح الذين كانوا في الإنتظار بكثير من المحبة والألفة والرفق والدفء والشوق.فحمى الله هذا الحِمى وستبقى أحلامنا أن نعقد العزم على أن تحيا الجزائر وأن تحيا الأمة كلها.
بتاريخ 1/1/2011
ابحث
أضف تعليقاً