
إن تمام مكارم الأخلاق من غايات الرسالة المحمدية، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم انه بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وفي هذا المقول الشريف إشارة إلى أن تمام هذه المكارم لا يقف عند حد ناجز، كما انه لم يبدأ من فراغ، بل هو في صيرورة دائمة لتبدل الحياة، وطرز عيشها ومعتاشها وحيث أنّ عقارب التاريخ لا تعود إلى الوراء أبداً، كما أن هذا المقول الشريف للنبي الكريم، يؤشر إلى أن العرب قبل الإسلام كانوا يتحلون بمكارم من الأخلاق في السياق التاريخي، رغم نظام الحياة الذي اصطلحنا على تسميته بالجاهلية كحكم أخلاقي معياري، ينطلق من التقسيم المجتمعي المستند إلى تمييز بين سادة، وعبيد، ونساء، وصعاليك وما إلى، مما هو مفصل في مظانه الكثيرة، التي درست المهاد التاريخي الذي تحضّر ونضج لانطلاقة الدعوة الإسلامية، والتي وضعت ومنذ أن بدأت تتجلى في مؤسسات الدولة الإسلامية في المدينة المنورة أول وثيقة لحياة نسميها اليوم مدنية، من منطلق مراعاتها لحقوق الإنسان وحقوق المواطنة: بركنيها من واجبات وحقوق.
في الخطاب الديني ثمة الكثير من الأدبيات التي تحث على التحلي بالفضائل في المعاملات بين بني البشر، وهم متساوون في الإنسانية، ويحملون ذات الرسالة في اعمار الأرض، وفي إحقاق حقوق آهليها بعدالة، تحميها الشرائع والقيم النبيلة الخالدة، وعلى الدوام كانت المعاملة، وكان التعامل في عديد تفاصيل حياتية معياراً أسمى للمفاضلة، والتقوى، وخيرية المجتمع ،وارثه في التكافل، والتراحم، والتسامح، والتآخي، وتقبل الآخر دون إقصاء أو تهميش أو تمييز، وقد لعب الخطاب الديني بأسانيده من القرآن الكريم والسنة النبوية على الدوام دوراً فاعلا في تكفل البنية الاجتماعية بالاستقرار، وأمان السرب المجتمعي والبناء والتقدم، وحماية الحياة، وحفظ من فيها، ومن عليها من شجر وحجر وحتى البهائم التي نصّ على إطعامها، وسقايتها، ورعايتها بتعايش كلي لمخلوقات الله على أرضه، وحيث اعتبر التعدي على مخلوقات الله من باب الثلمة في التدين ابتداءاً، فحتى الطرقات التي يصنعها المشي مصانة ومحمية كي لا تسبب الأذى لماش عليها.
من هنا فان الخطاب الديني المدعم بالأسانيد هام جدا في تسيار أمور الحياة اليومية بتفاصيلها العديدة في الحلّ والترحال، وهو هام جداً في نبذ سلوكات وممارسات العنف المجتمعي الذي يناجش، ويحاسد، ولا يتسع صدره للاختلاف المفترض أنه لا يفسد للود قضية خاصة وان منظومتنا القيمية الأخلاقية في ظل إيقاع التغيرات السريعة التي ترج التوازنات التقليدية في المجتمع قد باتت تسحب من الرصيد المجتمعي الذي اعتدنا عليه في السّراء و الضراء لصالح سلوكات تبيح ما كان محظوراً في المنظومة القيمية الدينية، وحتى في العرف المنتج لتوافقات المجتمع وتسامحاته، وفي هذا السياق تبرز حقوق وممتلكات الغير وتبرز قضايا التربح على حساب إيذاء الناس في صحتهم بأطعمة فاسدة أو انتهت صلاحيتها تبرز قضايا العبث في العقارات المستأجرة من منطلق أن هذا يملك عقارا ليؤجره وذاك بحاجة إلى عقار ليستأجره، وقد تبرز في بيع وشراء المستلزمات الحياتية الحديثة: كالسيارات والادوات الكهربائية وما إلى ذلك.
ما يعني أن الخطاب الديني الذي يقرن القول بالعمل قادر بالفعل على توجيه الممارسة المجتمعية للارتقاء بها، وترشيد معطياتها من منطلق ما يحل وما يحرم على المواطن إتيانه من باب انه يعلم أو قد لا يعلم، على الأقل من اجل أن لا يكون تاجر قد باع لحوما منتهية صلاحيتها أو حتى بضعة أكياس من الشيبس أو مواطن أخلى منزلا مستأجرا ًبعد أن عاث فيه خرابا يتخذ مجلسه في الصفوف الأولى من صلاة الجمعة.
منقول عن الرأي
بتاريخ:20/12/2010
ابحث
أضف تعليقاً