
الإسلام في كل مكان وزمان يؤمن بالقول والعمل على أساس من الثوابت والمنطلقات التي شملتها مصادره وهي تشكل الضوابط والمعايير الربانية في التعامل مع المتغيرات والمستجدات في حياة الناس ،مع تبدل الأحوال والزمان والمكان ،مما يجعل الإسلام عقيدة وشريعة لا يتعارض بحال مع متطلبات وحاجات فطرة الإنسان السليمة في حياته الفردية أو حياته المجتمعية ،وما يلزمها من قيم ومبادئ وتشريعات .
فدعوة الإسلام عالمية التوجه ،لا تخص جهة بشرية بعينها أو جنساً أو عرقاً أو قوماً ،نجد هذا في قوله عز وجل :" قل يا أيها الناس إني رسول الله اليكم جميعاً " ،وهو دين بشّر به الأنبياء والرسل الكرام كما هو مؤكد في صريح القرآن الكريم :" قولوا آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل إلى ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " ،وصحة الإيمان بالإسلام لا تكتمل إلا بالإيمان بجميع رسل الله وكتبه السماوية من غير تمييز بينهم ،وهذا ما وضحه عز وجل :" آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " ،وعالمية الإسلام تأبى أن يفرض عقيدته على الآخرين بالقوة التزاماً بقوله عز وجل :" لا اكراه في الدين " ،وتذكيراً يقوله تعالى :" لكم دينكم ولي دين " ،ويؤسس الإسلام علاقة البر والإحسان مع غير المسلمين ،في حالة السلم والعهد وعدم الاعتداء قال تعالى :" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين " ،وتؤكد نزعته الإنسانية حرية الإنسان وكرامته وحرمته وعدم قتله بغير حق ،بل يُعد الإسلام هو النظام الفريد الذي يُعطي قيمة الفرد الإنساني قيمة الكل تعظيماً لحرمته وكرامته ،وهذا بيّن في قوله عز وجل :" أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ،ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً " .
رترسخ عالمية الإسلام مبدأ المحبة والتراحم والتعاون ويربط ذلك بالإيمان ربطاً موثقاً كما جاء في الحديث الشريف :" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " ،وقد صان الإسلام حقوق الإنسان ،وحافظ على مكوناته الروحية والعقلية والجسدية والنفسية ،ودعا منهج القرآن الكريم البشرية إلى التعارف والتعايش وفق القيم والمعايير الآلهية ،على اختلاف الأجناس والأديان والأعراق والألوان ،وأن التزام الحق ومجانبة الباطل هو أساس التمايز والتنافس بينهم ،وهو أساس معيار القرب والبعد من تقوى الله ومرضاته ،وهذا في قوله تعالى :" يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " ،وترسي إنسانية الإسلام قاعدة العدل والرحمة بين الأفراد والجماعات والأمم ،وتؤكد على التزام منظومة العدل مع وجود الخصومة والمنازعات لأنه الأقرب للتقوى ،قال تعالى :" ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى " ،ومن أخلاقيات ومبادئ الإسلام عدم الإساءة لمعتقدات الآخرين وسبها أو السخرية منها من اتباعها ،وهذا مغزز في قوله تعالى :" ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم " .
ومن كمال الدين الخاتم أنه يقرر قاعدة التدافع والتنافس بين الناس ،ويؤكد أن التدافع بين الناس يحقق الحياة الأفضل لهم ويصرف الفساد عن الأرض ،وهذا واضح في قوله تعالى :" ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ،ولكن الله ذو فضل على العالمين " ،كما أنه يكفل حماية وحرية الناس في المعتقد وأنماط الحياة ويصون أماكن العبادة على اختلاف الملل ،قال تعالى :" ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً " ،وقد قرر الإسلام بأنّ عمارة الأرض والانتفاع بمكنوناتها وتسخيرها لا تتحقق نتائجها الإيجابية ولا تدوم إلا بالتزام القيم الربانية وتقبلها وعدم الخروج على توازن العلاقة بين عالم القيم وعالم الماديات ،وتحقيقاً للشفافية والمصداقية حرص الإسلام على مبدأ الحوار بين الأمم لإنهاء أسباب المنازعات العقدية والفكرية بغية لتأكيد وحدة الأسرة البشرية والحرص عليها ،والإرتقاء بأسباب تعاونها وتعارفها وتضامنها ،قال تعالى :" قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألاّ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله " ،لكل ما سبق فإن سر خلود الإسلام يتمثل في شموله لجوانب حياة الانسان المتنوعة ومرونته ومحافظته على الثوابت ،وتوازنه المحكم بين الواقع والمثال بين الدنيا والآخرة وبين المادة والروح ،وصدق الله العظيم :" ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير " .
27/12/2011
ابحث
أضف تعليقاً