
يتذكر المسلمون هذه الأيام المباركة معجزة الإسراء والمعراج، التي كانت نقلة نوعية لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدأ الرسول الكريم دعوته في مكة المكرمة تحت ظلال السيوف والحراب، لأنً المشركين فهموا أن محمداً عليه السلام أراد تحديهم في ثورته السلمية على دين الآباء والأجداد وتقبيح ما يعبدون، وتسفيه ما يعتقدون من عقائد تقدس الحجر والشجر، وقد لقي النبي الخاتم عليه السلام من قومه العنت والرفض والاستهجان بل والتطاول والإيذاء المادي والمعنوي، لأن تغيير العقول والنفوس يحتاج إلى جهد وقدرة على الحوار والمناورة، وإحسان تقديم البدائل المقنعة للطرف المقابل، هذا في حالة أن يكون عنده استعداد للتنازل عن الباطل إن ثبت ضره وأذاه، وانتهاكه ومصادرته لحرية الإنسان في التعبير والاعتقاد.
تلقى دعوات الأنبياء والرسل والمصلحين والمعيقات والحفر والمثبطات، لأنً خروج الناس عن المألوف وتركهم للعادات والأعراف أمر عسير يشق على الآحاد والجماعات، إن ردم الهوة بين العقل والمنطق والضمير الواعي وبين تسلط الجاهلية الفكرية والنفسية والعقائدية يحتاج إلى أولي العزم من الرجال الحكماء المنصفين الذين استجابوا لنداء الفطرة النظيفة، لتطهير ما استبد وامتزج بالنفس الأمارة بالسوء لتجريدها من الأنا القاتلة من أجل إنقاذها والمحافظة على خصوصيتها الإنسانية الرفيعة، التي فطرت على النورانية والشفافية والمصداقية فلا تقبل العيش في الظلام أو الهامش المنسي.
إن رسم صورة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وتذكر خطواته الدعوية المباركة في مكة ثم الطائف، والرد السيء الذي قوبل به في الطائف، وتحمسه اللامحدود لتبليغ دعوة الله، واستشرافه للمستقبل بعد أن دعا قائلاً: « إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي « يدل على العزيمة التي لا تلين ولا تستجيب لدعوات الأعداء والمغرضين واغراءاتهم المادية من أجل التنازل عن الحق واخماد جذوته، وهكذا همم وعزائم أهل دعوة الحق، يضحون بجهدهم ومالهم وأنفسهم من أجل أن تبلغ الدعوة مبلغها، دون كلل أو ملل حتى يتم الله نوره، عبر عن هذا الرسول الأمين عندما ساومه المشركون بالمال والجاه والسيادة على العرب مقابل ترك الدين الجديد، وبلغ إصراره عليه السلام أن قال: والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الدين ما تركته « هذا الثبات على المبدأ يعطي الدرس البليغ لأصحاب دعوة الإسلام المباركة أن يتأسوا برسول الله الكريم في حلمه وصفحه عن المسيئين، وتواضعه ومثابرته وعدم اليأس من رحمة الله.
ما أجدرنا أن نتذكر المعاني العظيمة في معجزة الإسراء والمعراج، ونحفز أصحاب القرار في عالمنا العربي والإسلامي للرجوع إلى منهل الإسلام العذب لتطبيق شريعة الله والتي فيها الإنصاف والعدالة، والحل الأمثل لكل مشكلات الأمة، بعد أن ترامت في أحضان أعداء الله ورموا الإسلام عن قوس واحدة للنيل من عظمة ورسالة الإسلام العالمية الإنسانية، وها نحن نرى الأمة مع تفاؤلنا بانكشاف الغمة السوداء تمعن في الفساد بكافة صوره وأشكاله مع الاعتداء على المال العام، وهدم المكتسبات التي بناها الشرفاء المخلصون من أبناء الأمة، إنها مناسبة عظيمة لمراجعة الذات وضم الجهود المخلصة إلى بعضها حتى نرسي قواعد العدل والمحاسبة من أجل إعلاء سمعة الدين والوطن والأمة وصدق الله العظيم « والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».
الرأي:1/7/2011
ابحث
أضف تعليقاً