
الحرية بالمعنى المتداول هي فعل الإنسان ما يريد فعله دون مدافع بمقدار إمكانه- والحرية بهذا المعنى حق للبشر لأن الله لما خلق للإنسان العقل والإرادة وأودع فيه القدرة على العمل فقد أودع فيه حقيقة الحرية وخوّله استخدامها بحكم ما جبلت عليه الخلقة،ولما كان أفراد البشر سواء في هذا كل على حسب استطاعته، فكل عمل يفعله الإنسان ولم يضايق فيه غيره، بقيت حرية الجميع خالصة سالمة عن العيوب، عندها يسعى الإنسان إلى تلبية حاجاته يحدوه الإنصاف والتوازن.
إنّ قصور التفكير والغرور والجهالة بعواقب الأعمال تدعو بعض الناس إلى التجاوز في طلب رفع سقف الحرية دون مراعاة الزمان والمكان والظروف، وإذا ركب الإنسان رأسه ولم يحكّم عقله في أفعاله، فإن المطالبة بالحق تصبح باطلاً منظراً إذا لم تكن المعالجة حكيمة لأن الرغبات تتصادم،و لا بد من الاتفاق على معايير محددة تصوّب الأوضاع وتدعو إلى توسيع قاعدة الحرية المنضبطة المسؤولة على مستوى الفرد والجماعة.
من أجل دفع تنازع البشر حتى لا تتحكم الأهواء المفرطة قيّض الله للبشر الأنبياء والرسل الكرام ودعاة الإصلاح ليكتبوا من غلواء الناس في تهافتهم على ابتغاء ما يصبون إليه تجنباً لما ينطوي عليه من المخاطر والأضرار فسنّوا لهم الشرائع والقوانين والنظم وحملوهم على إتباعها ليهنأ عيشهم ويزول عبثهم، عندها تحققت الحريّات بحسب الجمع بين مصالح الفرد والجماعة، بحيث لا يلحق المتصرف بتصرفه ضرراً بغيره،و ألاّ يعود تصرفه عليه بوخامة العقبى.
فالحرية حليةُ الإنسان وزينة الجماعة في رحابها تُنمى القوى وتنطلق المواهب، وبأرضها تنبت فضائل الصدق والشجاعة والنصيحة وتتجذّر فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبحدودها تتلاقح الأفكار وتورّق أغصان العلم والمعرفة، وليس من النظام العام للأمة أن تقصى الحرية عن الناس بحجج واهية، لأن ابتكار الحيل للضغط على الحريات وتضييقها أو خنقها يؤدي إلى انفجار الأزمات الحادة بين الشعوب وحكامها، وعلينا أن نعلم أن حرية القول لها تعلق مباشرة بمعاشرة الناس ومحاوراتهم والملاطفة بينهم، وهي حق فطري لأن النطق عما في الضمير غريزة في الإنسان يعسر أو يتعذر إمساكه عنها، فكان الأصل أن لكل واحد أن يقول ما شاء أن يقوله ولا يمسكه عن ذلك إلا وازعُ الدين بأن لا يقول كفراً أو وازع الخلق بأن لا يقول شتماً أو قدحاً أو ذماً، أو وازع التبعة على أذى يلحق غيره بسبب مقاله،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وهل يُكبُّ الناسُ في النار على وجوههم إلاّ حصائد ألسنتهم)).
والأصل في حرية القول هو الصدق في الأخبار، فإنّ الكذب ممنوع وقبيح، وقد ذم القرآن الكريم الكذب في آياتٍ كثيرةٍ وأحوالٍ مختلفةٍ،قال الله تعالى (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين))، وقال الرسول الكريم:((إنّ الصدق يهدي إلى البرّ وإنّ البرَّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار)) وأكبر مظاهر حرية القول في الإسلام حرية القول في تغيير المنكرات، وحرية القول في النصح للمسلمين، قال الرسول الكريم: (( الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).
لهذا جاءت رسالات الرسل الكرام تكريماً للإنسان الذي خُلق حرّاً، وتحريراً له من العبودية الطاغية، والاستذلال المهين، وطلب الحرية مطلبٌ مشروعٌ في الدين والعقل والمنطلق السليم، لكن بطريقة لا تتعارض مع قواعد الإسلام العادلة، ولا تؤدي إلى إقصاء الآخرين واحتكار الحقيقة، وفرض إرادة التحشيد على الترشيد،لأن قيم الدين والأمّة لا مجال فيها للمزايدة الرخيصة التي يأباها العقلاء والحكماء وقادة الرأي،ليكن المطلب واقعياً مع احترام عقول الآخرين ومنعاً للفتنة العمياء، وعلينا فتح قنوات الحوار المسؤول النافع لنحقق لأنفسنا كرامة الاستخلاف التي وعدنا بها من الله عز وجل.
الرأي:25/3/2011
ابحث
أضف تعليقاً