
اعتبر الإسلام أن الفقر والغنى حقيقتان ثابتتان، وقرر أنهما من طبيعة ذلك الوجود الإنساني، أكد القران العظيم هذه الحقيقة بقوله:» نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا»، فليست العدالة الاجتماعية موجبة لإلغاء الفقر في هذا الوجود، بل هي توجب تخفيف ويلاته النفسية والمادية، فلا يكون الحقد فيكون الخراب، ولا يحرم الفقير من القوت والكساء والإيواء فتضيع قوى عاملة كان يمكن أن تعمل، وتدر على الجماعة بعملها خيراً، وتدفع عنها وعن نفسها ضراً.
لا يقبل الفقر في ذاته المحو من الوجود، ولا يزال الناس مختلفين فقراً وغنىً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يمكن أن يزول الفقر من الوجود إلا إذا اتحدت القوى الخيرة، واتحدت وتنوعت أسباب الرزق، واتحدت الأجواء المادية والفكرية التي تظلل الفقراء والأغنياء، لذلك لم يجعل الإسلام الطبقات بسبب الغنى، فليس في الإسلام نظام الطبقات، وقد عمل على ألا يستعلى غني على فقير لغناه، فقد قرر أن الفضل عند الله بالتقوى، وأن الرفق بالعمل الصالح ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم:» إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم «، ولقد كانت أفعال الرسول الكريم وأقواله تتجه إلى ألاّ يكون الناس طبقات لكل طبقة معاملة ونظام، فلقد كان يمنع التعالي بالنسب وهو القائل:» ليس منّا من دعا إلى عصبية «، وكل ذلك لتكون الأمة كلها متآلفة مع بعضها ومتآخية مع بني البشر.
اعترف الإسلام بالحقيقة الواقعة، وهي أن الناس منهم الغني ومنهم الفقير، وقد عالج الفقر، ومنعه من أن يذل صاحبه، فتكون الطبقات التي تقطع وحدة الجماعة والأمة، وتلقي بالحقد في نفس الفقير، ووراء الحقد التمرد على النظام العام بالسرقات والاختلاس والرشوة وقطع الطريق، وقد يمتد الأمر إلى قلب النظام الاجتماعي كله رأساً على عقب، ولكي يجفف الإسلام جيوب الفقر ولو جزئياً فقد عمل على وسائل للمعالجة تميزت بالتدرج والحكمة مع المحافظة على كرامة الإنسان الفقير منها تمكين كل قادر من أن يعمل والأخذ بأسبابه، وقد شجع الرسول الكريم على العمل اليدوي، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام:» ما أكل ابن آدم طعاماً خيراً من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده» ،وذكر نبي الله داود عليه السلام بالذات، لأنه كان قائداً عظيماً، ولأنه كان ملكا ذا سلطان، وتحت يده خزائن الدولة، لو أخذ منها ما يكفيه وأهله بالمعروف ما كانت عليه غضاضة فيما يأخذ، ولكنه آثر أن يأكل من عمل يده، لينال ذلك الكسب الطيب الذي هو خير كسب.
ومن وسائل علاج الفقر في الإسلام تهيئة الفرص بأن يمكن كل ذي موهبة وإبداع من الانتفاع بموهبته وإبداعه في المجال الذي يصلح له، وقد قرر بعض فقهاء الأمة الإسلامية أن السبيل لتهيئة الفرص للجميع هو أن يكون التعليم مراحل، فالتعليم في المرحلة الأولى يكون للأمة كلها، ومن وقفت به مواهبه عند هذه المرحلة فعليه أن ينصرف إلى البناء والعمران والتجارة والصناعات اليدوية ومن الناس من تكون عنده القدرة والكفاية أن يجتاز المرحلة الثانية من التعليم ويتجه إلى عالم التخصص في علم من العلوم عندها يكون لزاماً على أصحاب القرار في الأمة أن يكرموا أمثال هؤلاء وأن يكونوا في المكان المناسب الذي تنتفع به الأمة على الدوام، لأنهم يشكلون رافعة ناجحة في الحياة العامة، وبهذا نستطيع أن نحاصر الفقر من أوسع الأبواب التي استوعبت أصحاب الصناعات والكفايات العلمية.
ومن وسائل علاج الفقر تسهيل أسباب الحياة للعاجزين عن الكسب، لأن هناك أناساً أقعدهم ثقل السنين من أن يعملوا، ونساء أضعفتهن الأنوثة عن أن يخرجن إلى الحياة عاملات كادحات، ويتامى فقدوا العائل، فكان حقاً على الإسلام أن يرتب لهؤلاء أسباب الحياة، وقد فعل ولم يقصر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاًّ فإليّ وعليّ»، وإذا قامت الدولة بحق رعاية من سبق ذكرهم إما من خزينة الدولة ومؤسساتها التي تعنى بهؤلاء بعدالة وإنصاف، وإما عن طريق الزكاة التي تسهم بنجاح في علاج أزمات الفقر، وإما عن طريق نظام نفقات الأقارب لأن نفقة الفقير واجبه على الغني حتى تتكامل الجهود مع بعضها من أجل إيقاف نزيف الفقر وعلاجه بحلول قريبة أو بعيدة المدى، حتى تعلو أخوة الدين والمواطنة الصالحة، وصدق الله العظيم» إنما المؤمنون أخوة» في السراء والضراء.
الرأي:11/3/2011
ابحث
أضف تعليقاً