
نخطئ كثيرا لو تصورنا بأن المسيحيين في بلداننا العربية هم المستهدفون فقط بالطرد او الاعتداء ، ونخطئ لو تصورنا بأن من يقف وراء هذا "العنف" المجنون الذي يضرب الكنائس ودور العبادة هم "المسلمون" ، نخطئ في الحالتين لأن من يقف وراء هذه الغايات والافعال المشينة يريد أن"يجرنا" فعلا الى مثل هذه الاستنتاجات او ان يدخلنا في معمعات "الفتنة" وصراعات المذاهب والطوائف والاديان هذه التي أجهزت على امتنا وأضعفت مجتمعاتنا وسمحت "للآخرين" بالاستقواء علينا والتعامل معنا بمنطق الغرور والاستهانة.
وموجبات الحذر لا تقتصر فقط على مخاوف الانجرار "لمقاصد" الفاعلين او الوقوع في شرك "اهدافهم" وانما لأن التصورات التي ذكرناها ليست صحيحة ايضا ، فالذين استهدفوا كنيسة "النجاة" في بغداد او كنيسة "القديسين" في الاسكندرية ، كان هدفهم الأول ضرب العراق وضرب مصر ، الاوطان ولسيت الطوائف ، الناس والمجتمع وليس اتباع الديانة ، ومثلما ضربت "الكنائس" بالمتفجرات ضربت ايضا المساجد وضربت ايضا المرافق العامة والمراكز الأمنية بل والناس المارين في الشوارع ، حدث هذا في بلادنا ويحدث يوميا في معظم بلداننا العربية.. اما الذين يقفون وراء هذا "الارهاب" الاعمى فلا علاقة لهم بالاسلام ولا بالاديان ولا بالانسانية اصلا ، قد ينتمون الى "الاسلام" لكنهم مجرد "ادوات" وكان يمكن ان ينتموا الى اي دين اخر ، لكن لا يجوز ان نحسبهم عليه او ان نستخدمهم كذريعة لزراعة "مقولات" الاساءة اليه.
ان اسوأ ما يمكن ان نتصوره هو ان ثمة صراعا بين المسلمين واخوانهم المسيحيين العرب ، او حتى بين المسلمين السنة واخوانهم الشيعة ، او ان هذه "الحوادث" المرفوضة اصلا تعبر عن حالة الصراع هذا او تكشفه ، هذا غير صحيح اطلاقا وان كان ثمة من يروج له في داخل بلداننا وخارجها ومن يريد ان يقنعنا بأن معركتنا "داخلية" او دينية او جهوية.. الخ ، لان الصراع الحقيقي هو بين امتنا بكل ما فيها من طوائف واديان واعراق وبين اعدائها والمتربصين بها والوالغين في دمها والعابثين بوحدتها واستقرارها وبالتالي فان "صمود المسيحي" العربي فيها ودفاعه عنها هو واجب وطني كما هو صمود المسلم العربي تماما ، ولا يجوز بحال ان يتصور المسيحي انه ضحية او مهدد بالطرد او مستهدف او ان له حقوقا منقوصة يجب مقايضتها بذريعة هذا الاستهداف لان مثل هذا المنطق في التعامل وخلط الاوراق والمبالغة في استغلال الحدث سيضعنا جميعا -مسلمين ومسيحيين - في "المصيدة" وفي مرمى الهدف المغشوش وسيحولنا بالتالي من دائرة "مواجهة" الاستهداف وابطال مفاعيله الى دائرة "ابتلاع" الطعم وما تنتهي اليه في العادة صراعات "الضحايا" من تضحيات مؤسفة واوهام غير مبررة.
مطلوب من اخواننا المسيحيين العرب الذين سكنوا هذه البلاد وعمّروها قبلنا ان يذهبوا معنا الى "العنوان" الصحيح الذي انطلقت منه "قنابل" الموت والغدر وان يتجاوزوا "محنة" الدم وامتحان الحزن بنجاح لكي يقفوا مع اخوانهم المسلمين الذين تستهدفهم هذه المجازر.... صفا واحدا في وجه من يريد ان يطردنا جميعا -مسلمين ومسيحيين - من هذه البلاد المباركة ومطلوب من دولنا ومجتمعاتنا ان تنتبه الى "ثغورها" وتحصنها والى "ابوابها" لتسدها امام ما قد يأتي من رياح.
منقول عن الدستور
5/1/2011
ابحث
أضف تعليقاً