
كنت أتمنى حين كتبت عن اتفاقية سيداو ، بعد ان رفعت الحكومة تحفظاتها على مادتين فيها تتعلقان بمساواة المرأة في اختيار محل السكن والاقامة والتنقل ، ان اسمع رأي علماء الدين حول الموضوع.
الرأي الشرعي مهم في الموضوع ، وقد بادر منتدى الوسطية الى التوقيع على عريضة ضمت اكثر من خمسين استاذا من كليات الشريعة في جامعاتنا للاعتراض على «تحرير» الاتفاقية ورفع التحفظات عن اثنتين من اخطر موادها «للتذكير بقيت المادة 16 والملحق للاتفاقية وفيهما من الشرور ما لا يحصى» ، ثم انضم مجلس المنظمات والجمعيات الاسلامية الى قائمة المعترضين ، وسبقتها جمعية العفاف الخيرية التي بدأت حملتها منذ شهر تقريبا ، وهذا يعني ان ثمة جبهة واسعة ، من مختلف التوجهات الفكرية والاجتماعية ، تقف ضد هذه الاتفاقية ، مقابل اصوات تخرج من مهاد «الناشطات» في العمل النسوي للترويج لها ، لكنها تبدو مقطوعة عن سياقاتنا الشعبية والاجتماعية ، ناهيك عن الدينية.
ومع ذلك استأذن القارئ الكريم بأن اقول بصراحة انني لم اقرأ حتى الآن «ردّا» شرعيا مؤصلا ومقنعا ومفصلا حول المسألة ، صحيح ان بعض من تصدّوا للتعليق على ما ورد في الاتفاقية من بنود استشهدوا بأحاديث نبوية او بأدلة فقهية ، لكنها - للاسف - لم تكن - مقنعة ، وانا لا ازعم بأن ما ورد في هذه المواد لا يخالف الشريعة «ومن انا حتى افتي؟،» ، او لا يتصادم مع خصوصياتنا وتقاليدنا ومصلحتنا ، لكن ما قصدته ان الاعتراضات التي اشهرت من قبل علمائنا تحتاج الى «تأصيل» فقهي ، وأدلة شرعية مقنعة وقاطعة ، وهذا يستدعي اقامة «ندوة» متخصصة يشارك فيها العلماء المعتبرون ، ويناقشون فيها المسألة من كافة زواياها ، لكي ينتهوا الى «احكام» اجتهادية تحسم الجدل الذي يدور ويتصاعد وتطمئن متخذ القرار على مدى انسجام ما تم مع رأي الشرع والدين ، وهو مهم هنا في تحرير القضية مما يثار حولها من مختلف الكلام.
لا اريد ان ادخل في التفاصيل الفقهية ، فهذه متروكة لفقهائنا في القانون والشريعة ، ولكنني أتصور ان ما جرى سيلحق اضرارا كبيرة باستقرارنا الاجتماعي والاسري ، ولتوضيح المسألة وتقريبها للقارئ اضرب مثلا على ما ورد في المادة «15» التي رفع التحفظ عليها ، اذ لا يمكن ان أتصور ان فتاة ، من بناتنا اتمت الثامنة عشرة سيصبح من حقها ان تخرج من بيت أبيها ، وتذهب للاقامة في شقة خاصة ، او ان تسافر دون علمه ، بدعوى ان «القانون» يمنحها هذا الحق ، ولو حدث ذلك - وهو ممكن لان التشريعات المحلية ستعدّل تبعا للاتفاقية باعتبارها ملزمة،
فلنا حينئذ ان نتنبأ برد فعل الاب والاسرة ، وبمآلات «النازلة» على المجتمع ، لا سيما ونحن الآن نعاني مما يسمى «بجرائم الشرف» او «العنف الاسري» ، ناهيك عن شتى صور الانحراف التي اصابت بعض شبابنا ، وهي كلها جرائم خطيرة دخلت علينا من هذه «الاجندات» التي تصدرها المنظمات الدولية المعنية بالمرأة والطفل ، وهي - للاسف - اجندات مشبوهة لا هدف لها سوى الترويج لثقافات ونماذج غريبة على مجتمعاتنا ، وبضائع لا تجد من يشتريها رغم ما يدفع «لتزيينها» والترويج لها من تمويلات واموال.
منقول عن جريدة الدستور الاردنية
21/04/2009
ابحث
أضف تعليقاً