
باكستان الى أين؟ سألت مرافقنا الذي انطلق بنا في حافلة سريعة من اسلام آباد الى جبال البنجاب العالية ، فأجاب الرجل - وهو بروفسور في الجامعة - : أخشى ان اقول لك بانها تتجه الى المجهول ، هنا على الحدود الباكستانية الافغانية (طولها 2400كم) ما تزال الحرب مشتعلة ، ثمة مجموعات قبلية متعددة اطلقت على نفسها "حركة طالبان الباكستان" اختارت "السلاح" لمواجهة الحكومة والقوات الاجنبية وهذه - وان اختلفت تسمياتها وانتماءاتها وطموحاتها فان غالبية العمليات تنسب اليها ، منها مثلا مجموعة بيت الله محسود في وزيرستان الجنوبية ، ومجموعة ملا نذير ، وملا فقير في باجور ، وملا فضل الله في سوات ، ومجموعة صوفي محمد ، ومجموعات اخرى ذات توجه طائفي او مذهبي ، او ذات خلفيات اجرامية تعمل بالاجر ، وكل هذه الفصائل مسلحة وتعلن رفضها للاحتلال ومعظم الفاعلين فيها يشهرون نوازعهم الوطنية ، لكن المشكلة تجاوزت حدود هذه الخرائط "المسلحة" في مناطق ولاية الحدود ، الى اتساع هذه الخرائط ودخولها جهات مجهولة الهوية الى مسار التطرف والعمليات الارهابية التي لا تجد من يتبناها ، ثم دخول بلوشستان الى "مزاد" العنف عبر دعم هندي لا يخفي التحريض على الانفصال.
سألت الرجل: من المستفيد من دوامة هذا العنف؟ قال: اعداء باكستان ، وهم بالطبع كثيرون ، ربما يكون في مقدمتهم جارتنا "الهند" وربما تكون امريكا ، وغيرهما ايضاً ، اما الخاسرون فهم نحن الباكستانيين الذين سقط منا حتى الآن الآف القتلى وشرد الملايين في بلادنا ، واعتقد - اضاف الرجل - ان مشروعنا النووي هو "الرأس" المطلوب وهو الهدف ، لا لأنه يشكل تهديداً لاحد ، وانما لانه يشير الى قدرتنا - كشعب - على امتلاك العلم وتسخيره ، وعلى الاعتزاز برابطتنا الاسلامية الموحدة ، وعلى تمثيل "رمز" ما لاخواننا المسلمين الذين يبحثون عن نموذج لوحدتهم ونهضتهم ايضاً.
سألت مرة اخرى: لماذا باكستان؟ فأعادني الصديق الباكستاني الى "تاريخ" طويل من الصراع بين الاسلام والآخر الغربي ، قال: لا يوجد هنالك تجربة اسلامية حملت املاً بالوحدة والنهضة الا وتم ضربها واجهاضها ، وباكستان الآن تدفع نصيبها من هذه المواجهة التي لن تنتهي ، انهم لا يريدون لباكستان ان تظل موحدة ، او ان تتقدم علمياً ، او ان تمارس دورها الحضاري والسياسي في محيطها.. لقد قدمنا "للآخر" كل شيء ، النوايا الحسنة والافعال التي لم تكن حسنة ولا مقبولة من الشعب ، لكن النتيجة كما ترى ، باكستان - اليوم - اذا لم ننتبه ونتدارك امورنا تسير الى الهاوية ، انها مع بعض الدول الاسلامية الاخرى في مرمى مدافع "الغرب" وسياساته "العمياء" التي لن تتوقف حتى تنهار - لا سمح الله - او ننهض من جديد - كما دعانا قبل عقود - ملهمنا (اقبال) لمواجهة "اعدائنا" بالوحدة والعلم والانتاج "بقتل" بعضنا بعضاً.
سألت الرجل: هل وصلتكم اغاثات من اخوانكم المسلمين؟ ضحك الرجل بمرارة ، وقال: اما الاغاثات السياسية فنحن نعرف ان احوال اخواننا وانشغالاتهم في قضاياهم لا تسمح لهم بتقديم أي شيء ، وان كنا نتمنى ذلك ، واما الاغاثات الانسانية - خاصة بعد الفيضانات - فقد وصلتنا مساعدات من بلدكم الاردن وصلتنا طائرتان (ذكر لي الباشا احمد العميان امين عام الهيئة الهاشمية للاغاثة بان هنالك طائرة مساعدات ثالثة ستتوجه قريباً الى هناك) ومن بلدان الخليج ايضاً ، لكن تخيل ان المساعدات التي قدمت لنا من الحكومة الامريكية تزيد بأضعاف كثيرة عنها.
آثرت ان اصمت - بالطبع - خجلاً مما قاله مضيفنا ، لكن سؤال "الاغاثة" ما زال يتردد داخلي. فأين "البلايين" الاسلامية من مأساة الباكستانيين ، وأين اثرياؤنا وزكواتنا من هذه "المحنة" التي اصابت اخواننا هناك؟
غداً نكمل ان شاء الله.
منقول عن الدستور الأردنية
13/10/2010
ابحث
أضف تعليقاً