wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
خاطرة: التاريخ بين صانعيه وقارئيه!
الأربعاء, March 11, 2009 - 07:15

يقال ان محمد علي باشا أتيح له ان يحكم مصر قبل عام 1805 ، لكنه أرجأ ذلك كي يعود الى النيل منسوبه من الماء، لكن يقال ايضا ان هذا الرجل الذي أسس دولة وجيشا وادخل البلاد والعباد الى العصر الحديث كان يرفض القراءة زاعما ان هناك من يصنعون التاريخ ولا وقت لديهم لقراءته.. والعكس ايضا، وقد لا يعرف كثير من الناس ان الباشا الكبير بدأ بمهنة طباخ في الجيش لكنه حلم بما كان محّرما على من هم اكبر منه ان يحلموا به، واخيرا انتهى الأمر بالباشا الى ان تحالف عليه الغرب مثلما تحالف بعد ذلك ضد زعماء عرب حلموا بالوحدة ، وارادوا عصرنة بلدانهم وتحديثها لكن بوسائل اخرى غير المحاكاة، والشكليات.
ما اردته من حكاية الباشا ليس تجربته رغم تعقيدها واهميتها، فهو استطاع ان يتعلم من الغرب لكن رجاله وصل علمهم الى اليابان، انما ما يهمنا في هذا السياق هو تهربه من ان يرث دولة منكوبة بخلاف كثيرين وصلوا الى الحكم من خلال اطلال الكوارث، ولم تشذ عن هذه القاعدة حتى روسيا في ثورتها الكبرى التي استثمرت هزيمة الجيش، بهذا المقياس هناك من هم محظوظون بوراثة الحكم مقابل من هم سيئو الحظ لأنهم يرثون حمولة قد تنوء بها كواهلهم، والأغرب من هذين النموذجين نموذج ثالث ما ان يصل الى السفينة التي ثقب ركابها ارضها تحت مقاعدهم حتى يثقب ما تبقى ، قائلا ليكن بعدي الطوفان، وقد يظفر بغنيمة هنا او هناك ، لكن بعد خراب مالطا والبصرة وسائر الامبراطورية الهرمة، هناك من بددوا ميراثا سياسيا واقتصاديا يحسدهم عليه العالم، لأنهم اساؤوا استثمار التركة مقابل من وجدوا انفسهم على العتبة في درجة الصفر أو ما دونها، لكنهم كدحوا وفكروا واستعانوا بأهل العلم والخبرة حتى قطعوا المستنقع.
في تاريخنا رجل واحد قطع نهرا واسس دولة هو عبدالرحمن الداخل، لكن الدولة التي يؤسسها رجل واحد يضيعها رجل واحد ايضا وقد يكون حفيده ، لهذا أضاع الصغير غرناطة الى الأبد وادبرت خيوله من باب واطىء السقف وقد تبلل صهيلها بالدموع.
ان انشغال العرب المعاصرين بالتفاصيل حيث تقطن الشياطين كلها، وانهاكهم في اجرائيات السياسة وشجونها اليومية حال دون تنمية الوعي بالمفاهيم والأفكار لهذا لم تعد السياسة علم تغيير وتطوير المجتمع بقدر ما أصبحت فهلوة ومهارة في امتطاء القضايا والضحايا نحو غايات مرسومة سلفا، وهذه خسارة فادحة على صعيد ما يسمى في ايامنا التنمية السياسية ، فالوطن العربي الذي يثرثر على مدار الساعة عن التنمية على اختلاف حقولها يعاني من عدة أنيميات حادة في الوعي والمنهج والادوات ، لهذا ما ان تحل به ازمة حتى يفشل في ادارتها ويلوذ بالآخرين ممن تتوفر لهم فرصة جديدة للتمدد والتدخل والاستحقاق.
وهناك حكاية في موروثنا العربي الشعبي تستحق ان تروى، فقد طلب حاكم مستبد ذات يوم من بضعة اشخاص من المقربين منه ان يأتوه بأكياس خيش مليئة بالفئران.عاد الأول خائبا وقال انه اصطاد مئة فأر لكنها قضمت الخيش وتسربت منه وعاد الثاني خائبا بعد ان رمى الكيس الفارغ لأنه امتلأ بنفايات الفئران قبل ان تهرب، اما الثالث فكان كيسه ممتلئا، لأنه كما أخبر الحكام اسقط فأرا في الكيس ثم أسقط فأرا ثانيا عليه واشتبك الاثنان، عندئذ ألقى بقية الفئران الى الحرب الاهلية.وحين سمع الحاكم الرواية اعترف للرجل بأنه قادر على ادارة امبراطورية ، لكنه خطر عليه، لهذا اعطاه ما يريد وأقصاه عن البلاد.
لقد بدأنا من محمد علي الكبير وعزوفه عن القراءة لكن الرجل حكم بلدا بسعة قارة وخاض حروبا تحديثية وسعى الى التصنيع.. لكن الحلقة المفقودة وهي الثقافة وقراءة التاريخ اضافة الى صناعته أنهت تجربته رغم ان سلالته استمرت من بعده قرنا ونصف القرن،،..

 

منقول عن جريدة الدستور
التاريخ : 11-03-2009

 

 

 
 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.