
والبحث في كون الإسلام بديلا حضاريا يجب أن يتجاوز فكرة الصراع بين الحضارات التي سادت بعد هنتنغتون، ويتجاوز الحتمية التاريخية التي ترى في الإسلام عدوا قادما، بعدما دق فوكوياما ناقوس الخطر، إننا نبحث عن الإسلام الذي سيكون دين العالم أجمع "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا"، فالبديل الحضاري ليس دينا منغلقا على ذاته، يخص طائفة من الناس دون غيرهم، ولهم الأفضلية على الآخرين، ولذا يتعين على المسلمين -كما يقول فهمي جدعان- أن يدركوا أن عالم الحداثة الجديدة لا يأذن لهم أبداً بأن يقسموا الكون إلى عالمين أو (فسطاطين) متقابلين على سبيل الصدام والمواجهة والمقاتلة: (عالم الإيمان) و(عالم الكفر)، وأن الإسلام نفسه لا يدعوهم أبداً إلى ذلك، وأن (التجربة التاريخية) الإسلامية نفسها لم تقبل أبداً هذه النظرية.
ويتعلق بذلك أن تقديم (دين الإسلام) في صورة (البديل الحتمي) الكوني لكل العقائد والديانات والحضارات، وإطلاق أحكام قيمية (مرذولة) على ثقافات (الأغيار) وحضاراتهم ومعتقداتهم، مما يشي في أعين هؤلاء الأغيار بموقف (عدواني صريح)، لا يمكن أن يترتب عليهما إلا أحوال (التقابل) و(المواجهة) والصدام، ومعركة (البدائل) التي لا ترحم، وبالطبع، سيقول كل الأغيار، والغرب في مقدمتهم، (لا، نحن البديل ونحن قادة العالم). والتجربة أعظم شاهد على ذلك.
إن تقديم الإسلام على أنه بديل حضاري يتطلب منه أن يجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى، كما أن عليه أن يجيب عن الأسئلة الحياتية التي تشكل الهم الأكبر للإنسان على هذه الأرض، أي البحث عن التوازن بين الآخرة والدنيا من أجل خلق نوع من التوازن بين القيمة والمادة "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا"، كما أنه معني بحل المشكلات الإنسانية الأخرى مثل الحريات بكافة أنواعها، حرية الاعتقاد وحرية الفكر وحرية الرأي.. الخ. "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، ومشكلات المرأة والطفل والأسرة والبيئة والنظم الاجتماعية وحقوق الإنسان، وحل النزاعات والفقر والمجاعات ونقص الغذاء والأمراض، وكل ما يتعلق بحياة الإنسان من قريب أو من بعيد، حتى يصل الأمر إلى صيانة العقل البشري من التعطيل والمصادرة "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق".
وإن الحاجة إلى البديل الحضاري تنبع من إفلاس كثير من الحضارات في الغرب والشرق، فهي لم تستطع لليوم تلبية طموحات الإنسان، ولم تف بوعودها التي قطعتها لخدمته، يقول الدكتور أحمد دواد أوغلوا في كتابه (العالم الإسلامي في مهب التحولات الحضارية): إن أزمة الحضارة الغربية تتمثل في عجزها عن تحقيق الحرية والأمن الوجودي، المطلق، وهما هدف الإنسان الرئيسي عبر التاريخ. فمع بزوغ نجم الحداثة الغربية كأمل جديد للإنسان الغربي يحقق له الحرية الوجودية المطلقة في مواجهة المؤسسات الرثة والإقطاع، عن طريق الصيغة السحرية "العقل- العلم-التقدم"، وتصاعد الأمل بإمكان وجود جنة دنيوية على الأرض، إلا أن الصراعات داخل هذه الحضارة التي تمثلت في الحروب والكساد الاقتصادي قادت لتضاؤل التفاؤل بالإحساس بالأمن، كما قادت التطورات التكنولوجية إلى شعور الإنسان بالاغتراب وفقدان الحرية.
وتقديم الإسلام بديلا حضاريا هو من أجل إعادة الارتباط بين المشروع الإنساني الذي يسعى للتطور مع الزمن، والدين بوصفه ضابطا لهذا التطور وليس معيقا له، ذلك أن الحضارة الغربية الحديثة تطورت وبنت كل تراكماتها المعرفية بعيدا عن الضابط الأخلاقي المتمثل بالدين، وأول قطاعين تم تحريرهما من قيد الدين والأخلاق، كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري، هما القطاع السياسي والاقتصادي. وبعدهما استقلت الفلسفة حيث ظهرت العقلانية التي أقصت كل عقيدة أو إيمان بالغيب أو مركزية خاصة للإنسان في بحثها عن الحقيقة. وتلت ذلك علمنة الأخلاق، حيث سادت الروح العملية «البرجماتية»، والإيمان بأن البقاء للأصلح وأن الدافع الوحيد للسلوك هو حب الذات، وتمت علمنة الأدب والجنس والأسرة وغيرها من مميزات وممارسات الإنسان لتستقل عن القيم الأخلاقية وعن أي إحساس بالذنب أو الخطيئة، لكي لا تخضع في النهاية إلا لمقاييس اللذة والمنفعة، ويتحول كل شيء في النهاية إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها تجارياً. ومن خلال هذا التشكيل الثقافي للإنسان الغربي تتحدد علاقته مع غيره، فرداً كان أم جماعة.
ومن هنا فإن الحديث عن الإسلام وربطه بالبديل الحضاري الذي يمكن أن يحقق للإنسانية استقرارا على كافة الصعد يتطلب مشروعا فكريا، يقوم على دراسة التاريخ بوصفه تجربة مرتبطة بالزمن، ودراسة الحاضر بوصفه يعاني مشاكل لا حصر لها، ودراسة المستقبل بوصفه الأمل المنشود، ودراسة النص القرآني بوصفه قيما وسلوكيات وتعليمات تنظم اتجاهات الفكر الإنساني وأعماله دون أن تكون حاجزا بينه وبين التقدم.
* أكاديمي أردني
منقول عن جريدة الغد الاردنية
1/5/2009
ابحث
أضف تعليقاً