
[ص-23] لا شك أن الإسلام نظام اجتماعي متكامل ، ينظم علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بالكون وعلاقة الإنسان بالآخر ، تقوم في أساس بنائه العقيدة ، وتتولى الشريعة التنظيم على مختلف المستويات ، ويطبع كل ذلك مبدأ الوسطية بتوازن داخلي وسلوكي ناتج عن توازن السنن ، قال تعالى : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا )(سورة البقرة الآية 143 ) .
إن الوسطية الإسلامية عدل وتوازن ، يقابل من جهة بتطرف المغالاة ، ومن جهة ثانية بتطرف الانحلال ، وكلا التطرفين مدان في الإسلام . ومن معاني الوسطية التي وصفت بها الأمة في الآية الكريمة معنى العدل ، وتفسير الوسط في الآية بالعدل مروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر الوسط هنا بالعدل والعدل والتوسط والتوازن عبارات متقاربة المعنى ، فالعدل يدل على التوسط بين الطرفين المتنازعين دون ميل أو تحيز إلى أحدهما ، وهو بالتالي ضد التطرف والمغالاة .
والوسطية تعني أيضا الاستقامة أي استقامة المنهج والبعد عن الميل والانحراف والتطرف ، لأن ما كان مستقيما ( الصراط المستقيم) لم يكن مائلا أو منحرفا ، ولذلك جاء وصف الصراط المستقيم في سورة الفاتحة : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)(سورة الفاتحة الآية 6) كموقف وسط بين تطرفين ، تطرف المغضوب عليهم الذين هم اليهود ، وتطرف الضالين الذين هم النصارى . واليهود حادوا عن الصراط المستقيم بقتلهم الأنبياء والغلو في التحريم ، والنصارى حادوا عن الصراط المستقيم بتأليه الأنبياء والتطرف في التحليل .
من جهة أخرى نجد أن وسطية الإسلام تتلاءم مع الفطرة الإنسانية التي تنبذ الغلو والمبالغة والتطرف في كل شيء ، إنها وسطية ترتكز على ما يلائم الطبع الإنساني عقلا ووجدانا وجسدا ، فليس الإسلام دينا يضغط على النفس ويكلفها ما لا تطيق ، وهو لا يقاوم التطرف في الماديات بالتطرف في الروحانيات وإنما جاء ليضع التوازن بين الفطرة والتكاليف الشرعية ، وهذا هو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : استقيموا ولن تحصوا وأتوا من الأعمال ما تطيقون وفي حديث آخر : خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا .
[ص-24] إن الوسطية الإسلامية تنبض بروح الاعتدال والانتصاف والتوازن وتنفر من كل تطرف أو غلو في أي مجال من مجالات الحياة الدينية والدنيوية سواء كان اعتقادا أو عبادة أو طاعة أو سلوكا ، فهي تحقق الملاءمة بين الفطرة والتكاليف على نحو يحفظ للنفس نشاطها وإقبالها على الطاعة ، ويرعى لها حقوقها من غير إفراط أو تفريط .
لكن هذا المفهوم للوسطية الإسلامية المنافية للتطرف والمجافية للغلو في الدين لا يمكن تحقيقها في واقع الحياة بالنسبة للمجتمع الإسلامي إلا إذا صدرت عن التزام أخلاقي لدى الإنسان المسلم يصبح معه السلوك الوسطي فعلا تلقائيا في ذاته وعقله وضميره وجوارحه ، ومعنى هذا أن يكتسب المؤمن من عقيدته الصحيحة الانفعال السليم بحقائقها ودوافعها وقيمها التي تنهاه عن الانحراف عن خط الوسط والميل إلى التطرف والغلو .
إن التزام النفس المؤمنة بوسطية الإسلام هو وقوفها مع العدل وإيثارها للإحسان في غير تخاذل أو مهانة أو مداهنة ، وهذا ما تفرضه طبيعة التعايش الإنساني فتجعل من أو كد شروطه إقامة الحوار مقام التنابذ بالعداء ، والدعوة إلى الحق بالحكمة والموعظة الحسنة بدل العنف والقمع .
أ د . حسن بن إدريس عزوزي
منقول عن موقع حملة السكينة للحوار
12/7/2009
ابحث
أضف تعليقاً