wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة الدكتور محمد جمعة الوحش

"الاشراف التربوي في الأردن"

مقدمة: بعد مرور نحو اثنتي عشرة سنة على تطبيق مفهوم الإشراف التربوي في وزارة التربية والتعليم ، أي منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي ، تداعى التربويون الأردنيون ، وكثير من المسؤولين من أصحاب العلاقة ، إلى عقد مؤتمر التطوير التربوي الأول برعاية ملكية سامية في عام 1987.

وكان الإشراف على العملية التربوية قد انتقل من مرحلة التفتيش التي سادت حتى منتصف الستينيات من القرن الماضي ، وكان طابعها بصورة عامة (بوليسياً) ، إلى مرحلة التوجيه التربوي في خطوة اعتبرت في حينها متقدمة كثيراً على مستوى المنطقة العربية. واستمر الحال كذلك إلى عام 1975 حين تقرر تغيير مصطلح التوجيه التربوي الذي جعل الموجه قائداً للعملية التربوية إلى مصطلح الإشراف التربوي الذي اعتبر العملية الإشرافية عملية مؤسسية تشاركية ديموقراطية بين جميع عناصر العملية التربوية وأركانها ، ولا سيما ما يتعلق بالعلاقة بين المشرف التربوي والمعلم ومدير المدرسة.

 

الإشراف التربوي في الأردن حتى عام 1987م :

أنشئ في وزارة التربية والتعليم في هذه المرحلة معهد التأهيل التربوي ليقوم بتأهيل حملة الثانوية العامة من المعلمين إلى درجة (دبلوم) في التربية والتعليم في جميع التخصصات التعليمية. وقد أسهم هذا المعهد إسهاماً كبيراً في تحقيق الغاية التي أنشئ لأجلها، وتمّ تأهيل آلاف من المعلمين والمعلمات مهنياً وأكاديمياً.

 

وكان دور المشرفين التربويين في ذلك هوالدور الأهم ، حيث كانوا يقومون بإلقاء المحاضرات المتخصصة ، وعقد الورشات التدريبية للمعلمين ، ومتابعة آدائهم في الغرف الصفية ، وتعزيز التواصل معهم بروح ديموقراطية .

وقد استدعى ذلك كله تطوير أسس اختيار المشرفين التربويين الذين يتابعون المعلم ميدانياً ، والمرشدين التربويين العاملين في المعهد ، وفي الميدان التربوي كذلك . كما عقدت دورات تدريبية للمشرفين والمرشدين في الأردن قادها وأشرف عليها أساتذة متخصصون في المجال التربوي من الجامعات الأردنية وغيرها وأتيحت الفرص لعدد منهم للالتحاق ببرامج تدريبية تربوية في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية ، وبريطانيا وكندا.

كان دور المشرف التربوي في هذه المرحلة بارزاً ومؤثراً ، فقد كان يشرف ، ويتابع ، ويقوّم ، ويضع العلامات التي يستحقها طالب التأهيل إلى درجة تشبه عندها العلاقة بين الطالب الجامعي وأستاذه.

وإذا نظرنا إلى دور المشرف التربوي في هذه المرحلة بالنسبة للإشراف على المعلمين المؤهلين من خلال حصولهم على دبلوم معهد المعلمين ، أو المعلمين المؤهلين جامعياً إلى درجة البكالوريوس ، فقد كانت العملية الإشرافية عملية مؤسسية تشاركية ديموقراطية إلى حدّ لا بأس به ، وإن لم تصل الغاية المرجّوة آنذاك لوجود عقبات كثيرة كانت تعترض طريق المشرف التربوي في أداء عمله. ومع ذلك ؛ تم تشكيل العديد من اللجان التي ضمت المشرفين والمعلمين والخبراء ، وعقدت الدورات التدريبية لتطوير الأداء في المواقف التعليمية المختلفة ، وتطوير أساليب التدريس والقياس والتقويم ، ودراسة المناهج والكتب المدرسية وتطويرها ، والاستعانة بالتكنولوجيا المتطورة في مجال التعليم ، وغير ذلك من جوانب العملية التربوية . غير أن صعاباً عديدة واجهها المشرف التربوى آنذاك من أهمها:

  • إهتمام الإدارة التربوية العليا في الوزارة وفي مديريات التربية والتعليم بتقارير مديري المدارس عن المعلمين ، أكثر من اهتمامها بتقارير المشرفين التربويين.
  • كثرة عدد المعلمين الذين يقوم المشرف بمتابعتهم ، مما يشتت جهده ، ويضعف تركيزه.
  • تعدد المسؤوليات الملقاة على عاتق المشرف التربوي ، وكثير منها لا علاقة له بالعملية الإشرافية.
  • تركيز المشرف التربوي على عمله في معهد التأهيل وخاصة إلقاء المحاضرات، لما يترتب عليها من مكافآت مالية لا تتوافر لكثير من أعمال المشرف الأخرى.
  • تباعد المدارس وصعوبة توفير وسائل النقل المناسبة للمشرفين ليقوموا بواجباتهم على الوجه الآمثل.
  • ازدهر في تلك المرحلة مصطلح: مدير المدرسة / مشرف مقيم ، مما أضعف من تعاونه مع المشرف التربوي.
  • تعيين بعض المشرفين التربويين بناء على شهاداتهم العلمية والتربوية ، دون النظر إلى السمات الأخرى الواجب توافرها لديهم وخاصة ما يتعلق بالأبعاد الإنسانية ، واحترام الآخر من حيث هو إنسان مكافئ ، ومن حيث حرية الرأي والحوار.
  • قلّة الموارد ، وضعف الموازنة المخصصة لتدريب المشرفين التربويين بالمستوى المطلوب.
  • قلّة اكتراث المشرف التربوي بالتكنولوجيا المتطورة في مجال التعليم ، وضعف تمكنه من الاستفادة منها.
  • بالرغم من تكرار الحديث عن ديموقراطية التعليم والإشراف التربوي ، وأن العملية الإشرافية عملية مؤسسية تكاملية تشاركية ، إلا أن تعض المشرفين التربويين لم يواكبوا هذا التطور في سلوكهم الإشرافي الذي بقي مشوباً ببعض ملامح مرحلة التفتيش بصورة خاصة.
  • البيئة المدرسية ، والتسهيلات المتاحة للمشرف التربوي لم تكن بالمستوى المطلوب ليؤدي عمله بالصورة المطلوبة.
  • كان الاهتمام مركزاً في مجال التأهيل والإشراف التربوي على المعلمين في المدارس الرسمية ، أكثر منه في مدارس القطاع الخاص ، ومع ذلك أتيحت لأعداد من معلمي هذا القطاع الالتحاق بمعهد التأهيل ، والحصول على شهادته، ولكن ليس بالمستوى المنشود.

 

مؤتمر التطوير التربوي الأول والإشراف التربوي :

عقد مؤتمر التطوير التربوي الأول في عام 1987، وقد انبثق عنه العديد من الدراسات التربوية والتوصيات، والأفكار الخلّاقة، وكان الإشراف التربوي واحداً من تلك الجوانب الهامة التي حظيت بتركيز شديد، سواء من حيث الدراسات أم التوصيات، وكان من أهم ثمار هذا المؤتمر في هذا المجال إنشاء كلية تأهيل المعلمين العالية التابعة لوزارة التعليم العالي، ومشاركة وزارة التربية والتعليم، وذلك لتأهيل المعلمين من حملة دبلوم كليات المجتمع والتأهيل التربوي للحصول على درجة البكالوريس في التعليم ليتفق ذلك مع قانون التربية والتعليم الجديد الذي يشترط فيمن يمارس مهنة التعليم ، ويحصل على إجازة التعليم أن يكون مؤهلاً بالحدّ الأدنى وهو درجة البكالورس.

كما انبثق عن ذلك المؤتمر مركز التدريب والتأهيل والإشراف التربوي في وزارة التربية والتعليم ليقوم بدور هام جداً في إيفاد المعلمين إلى كلية التأهيل العالية، ويشرف على تدريب المعلمين ويضع الأسس والإجراءات التي يتم بموجبها اختيار المشرفين التربويين، وعقد الدورات التدريبية لهم وللمعلمين، بل ولكل العاملين المهنيين في وزارة التربية والتعليم، سواء أكانوا يعملون في المدارس الرسمية أم في مديريات التربية والتعليم، أم في مدارس القطاع الخاص.

وقد تعاونت الجامعات الأردنية من خلال إداراتها وأساتذتها مع وزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم، وكانت صورة مشرقة تلك المرحلة التي تمثل فيها هذا التعاون والتكامل حيث تخرج في كلية التأهيل آلاف من المعلمين والمعلمات في المدارس الرسمية والخاصة، ثم ما لبث هذا البرنامج أن انتقل إلى الجامعات الرسمية وكلياتها التربوية. وبقي دور وزارة التربية والتعليم ترشيح المعلمين الذين تنطبق عليهم أسس التأهيل والإيفاد إلى الجامعات، والتكفل بتسديد رسوم الدراسات عنهم. وما زال هذا البرنامج قائماً مع برنامج آخر، هو برنامج الدراسات العليا في التخصصات التربوية، وإن أخذ هذا البرنامج يقتصر على درجة الدبلوم العالي والماجستير فقط في السنوات الأخيرة.

أما ما يتعلق بالإشراف التربوي ؛ فقد أخذ طابعه المؤسسي بصورة واضحة، حيث كان مركز التدريب وما زال يضع الأسس والشروط الواجب توافرها في المشرف التربوي، ويتم ذلك بالتعاون مع كل ذوي الاختصاص في الوزارة، وفي الجامعات، والقطاع الخاص والخبراء، ومن ثم عرضها على لجنة التخطيط في الوزارة لإقرارها، ثم إرسالها إلى مديريات التربية والتعليم لإعلانها، ودعوة الراغبين في هذه الوظيفة إلى التقدم لها وفق الشروط والأسس المعتمدة.ثم تشكل لجنة على مستوى كل مديرية لترشيح عدد ممن تنطبق عليهم هذه الأسس، وتزويد المركز بها ليقوم بتشكيل لجنة عليا متخصصة لدراسة كل من رشحتهم لجان المديريات، ومن ثم إجراء المقابلات الشخصية ووضع العلامات المستحقة لكل مرشح لهذه الوظيفة لتعرض على لجنة عليا مصغرة لاختيار العدد المطلوب منهم، وبعد ذلك يقوم المركز بتصميم البرامج التدريبية لهؤلاء المشرفين وتنفيذها على أيدي مؤهلين أكفاء، كما يقوم بإيفاد بعضهم إلى دول متقدمة للإفادة من تجارب تلك الدول في هذا الميدان، وفي بعض الأحيان يتم الاستعانة بخبراء من تلك الدول ليقوموا بتدريب المشرفين التربويين الجدد والقدامى على أحدث أساليب الإشراف التربوي، وهذا ما حصل في عقد التسعينيات من القرن الماضي، وما زال قائماً حتى الآن ليس في مجال الإشراف وحده بل في جميع جوانب العملية التربوية، وخاصة القياس والتقويم والامتحانات والمناهج وتكنولوجيا التعليم.

ولا يفوتني هنا أن أذكر أنه تمّ قبل عدة سنوات إلغاء مسمى مركز التدريب، وجعله إحدى إدارات الوزارة الأخرى، إلى أن تمت مراجعة ذلك وعاد إلى المركز اسمه ومهامه المختلفة.

وعلى ضوء ما تقدم يتبادر إلى الذهن أن كل ما يحتاجه المشرف التربوي من تأهيل وتدريب قد حصل عليه، أو سيحصل عليه في أثناء عمله، وأن صورة الإشراف التربوي عندنا في أزهى إشراقاتها وأجملها. ولكن الواقع للأسف الشديد لا ينطق بذلك، إذ إن كثيراً من العقبات والصعاب ما زالت تواجه المشرف التربوي وتحول دون قيامه بعمله على الوجه الأمثل، ومن ذلك الأعداد الكبيرة من المعلمين الملقى على عاتق المشرف التربوي متابعتهم وتدريبهم وتقويم أعمالهم، مما يضعف من تركيزه في عمله ويشتت جهوده، ومنها أيضاً تمييز مدير المدرسة بالترفيع إلى الدرجة الخاصة بسنوات خدمة أقل من سنوات خدمة المشرف التربوي، ومنها الحوافز المادية الضعيفة التي يحصل عليها المشرف التربوي مقابل جهده وتميزه ، وشعوره بأن نظرة المسؤولين إلى عمله وتقييمه هي أدنى من نظرتهم إلى عمل مدير المدرسة وتقييمه. ومنها أن مواكبة بعض المشرفين التربويين للتطور التكنولوجي في مجال التعليم ما زالت دون المستوى المطلوب. ومنها أخيراً وليس آخراً بعض الموروثات السلبية في العملية الإشرافية من المراحل السابقة، وخاصة ما يتعلق منها بالإيمان بالعمل المؤسسي واحترام الرأي الآخر، وغير ذلك من الممارسات التي قد لا يفيد معها الوعظ والتنظير.

بقيت مسألة أخرى تتعلق بالإشراف التربوي في المدارس الخاصة، فهذه المدارس - كما أرى – ثلاثة أصناف: الصنف الأول يؤمن المسؤولون فيه بالإشراف التربوي إيماناً عميقاً، ولهذا نجدهم يعينون في المدارس مشرفين تربويين مقيمين ممن لديهم الخبرات الواسعة في هذا المجال من المتقاعدين من وزارة التربية والتعليم، أو من الذين أسهمت هذه المدارس بتأهيلهم تأهيلاً متميزاً سواء في داخل الأردن أم في خارجه، والأمثلة على هذا الصنف من المدارس واضحة ونتائج طلبتها متميزة في المراحل الدراسية كافة.

أما الصنف الثاني من المدارس الخاصة، ويمثل العدد الأكبر من مدارس هذا القطاع، فهو الذي يستعين فيه المسؤولون بالخبرات التربوية والإشرافية في مديريات التربية والتعليم حسب الإمكانات المتاحة، وعلى قدر تعاون المسؤولين في هذه المديريات معهم، كما أنهم قد يستعينون ببعض الخبرات لدى معلمين أو مشرفين تربويين من الذين تقاعدوا من العمل في وزارة التربية، وقليلاً ما يبذل هذا الصنف من المدارس جهوداً إدارية أو مالية متميزة في مجال الإشراف التربوي والتدريب.

وأما الصنف الثالث من هذه المدارس فإنه – للإسف الشديد ــ لا يهتم بأكثر من تحصيل الرسوم وجني الأرباح وإقامة الحفلات لأولياء الأمور وفي المناسبات المختلفة ، والاكتفاء من العملية التربوية بمظاهرها التي قد تنطلي على كثيرين، ولكن حقيقتها تظهر عند إجراء الدراسات المختلفة، والتعرف إلى المستويات الحقيقية للطلبة، والنتيجة هي ضعف في المهارات التعليمية التعلمية، وتخريج أعداد كبيرة من الطلبة لم يحققوا من التعليم أو التعلم إلا النزر اليسير.   

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.