
أشعر بالخوف كلما جرى التركيز على العنف الذي يمارسه المعلمون بحق الطلاب ، لا سيما أن الظاهرة ما تزال محدودة إذا تذكرنا أننا في بلد يجلس على مقاعد الدراسة فيه أكثر من مليون ونصف المليون طالب.
أشعر بالخوف لأن المشهد يغدو أقرب إلى ثنائية معلم عنيف وظالم مقابل طالب مسكين ومظلوم ، وهي ثنائية تنطوي على الكثير من الظلم للمعلم ، لأن الرد الطبيعي عليها يتمثل في التركيز تغليظ الرقابة ، ومن ثم العقوبة بحق معلمين متهمين بممارسة العنف ضد الطلاب ، وأحيانا على نحو مبالغ فيه كما هو الحال في مدارس وكالة الغوث ، بحيث يعيش المعلم في حالة رعب دائم خشية أن يشتكي عليه طالب بدعوى ضربه فتكون النتيجة هي الفصل والحرمان من الحقوق.
من المؤكد أن ظاهرة الضرب من أجل التعليم قد غدت نادرة في المدارس ، لكن المعلم بشر في نهاية المطاف ، وهو يشعر بالقهر عندما توجه له الإهانة المقصودة من قبل طالب معين بقصد تسخيفه أمام الطلبة الآخرين (تصنف هذه بوصفها رجولة و"تشبيح" عند بعض الطلبة).
لا تسأل بعد ذلك عندما يتجاوز طالب حدود الإهانة اللفظية إلى الاعتداء الجسدي لذات الهدف المشار إليه ، أعني إظهار البطولة والرجولة أمام زملائه. هل يكون على المدرس عندها أن يقف مكتوف الأيدي ، أم يدافع عن نفسه فيحدث الشجار الذي ستكون له نتائجه على الطرفين؟،.
إنها ليست معركة ، لكن واقع المدارس يقول بذلك ، إذ يحدث أن يأتي طالب أزعر لا يريد أن يتعلم ويرفض الخروج من الصف ، ولا يريد في الآن نفسه أن يكف عن الشغب ليمضي الدرس على ما يرام ، فكيف سيتصرف المدرس عندها ، لاسيما إذا بالغ ذلك الطالب في قلة الأدب والتطاول على المعلم؟،.
إنها أسئلة لا يجيب عنها الذين يركزون على ظاهرة الضرب في المدارس ، لكأن هذا المدرس ليس إنسانا من لحم ودم يغضب ويثور مثل سائر البشر عندما يدوس أحدهم على كرامته بشكل مقصود.
ثم من قال إن جميع المعلمين ذوو شخصيات قوية تمكنهم من ضبط الصف دون عناء؟، إنهم بشر فيهم من هذا الصنف وذاك ، وفيهم بين ذلك ، كما أن الطلبة ليسو سواء ، إذ فيهم الأزعر المتمرس وفيهم المؤدب وفيهم بين ذلك.
إن ظاهرة ضرب المعلمين أو الاعتداء عليهم بالإهانة اللفظية والتلميحات والسخرية لهي أسوأ بكثير من ظاهرة ضرب الطلاب التي لا يتورط فيها غير نفر قليل من المدرسين ، أعني الضرب من دون سبب أو بقصد التعليم فقط ، وليس الضرب ردا على الإهانة.
ليس من العيب الاعتراف بأننا نعاني من وجود فئة بين الطلاب (من الذكور والإناث) لا يريدون التعلم ويأتون إلى المدرسة رغما عنهم ، وهم يميلون إلى ممارسة الزعرنة ، وكثيرا ما يستعرضون على المعلمين ويوجهون لهم الإهانات ، من دون أن يعني ذلك عدم وجود فئة من المعلمين قد يمارسون الضرب من دون سبب ، لكن الحل لا يكون بظلم طرف وإنصاف طرف.
الأسوأ من ذلك كله هو ظاهرة العنف بين الطلبة التي تغيب في الإحصاءات ، والتي تعجز أكثر إدارات المدارس عن التعامل معها ، بما في ذلك المدارس الخاصة ، وتلك قضية تستحق معالجات أخرى.
مصيبة المعلمين أنهم بلا ظهر ، فلا نقابة تدافع عنهم ولا قانون يحميهم من البهدلة قبل التحقيق وثبوت الواقعة ، إذ يمكن أن يغدو أحدهم سجينا بمجرد أن رفعت عليه شكوى ، مع أن الأصل أن تكون للمعلم حرمته ، فلا يسجن حتى تحرر الواقعة ويعرف الظالم من المظلوم.
ليس هذا انحيازا للمعلمين ضد الطلاب ، ولكنه انحياز إلى الحقيقة وإلى أبنائنا جميعا قبل كل شيء ، لأن الوقوف ضد المعلم سيواصل "تطفيش" الكفاءات بعيدا عن هذه المهنة العظيمة ، في وقت نحتاج فيه إلى معلم جيد لكي نحصل على عملية تعليمية سوية وجيدة تخرج أجيالا قادرة على خدمة بلدها وأمتها.
منقول عن جريد الدستور الاردني
2/4/2009
ابحث
أضف تعليقاً