wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
نحــــو ثقـافـة أصولية
السبت, June 16, 2012 - 01:45

  إسلام الإنسان وخضوعه لشرع ربه يقتضي ضرورة معرفته للحكم الشرعي في كل موقف وتجاه كل واقعة. لكن الحكم الشرعي ليس دائما واضحا لأول وهلة، بل يحتاج إلى بحث للكشف عنه من الأدلة الشرعية، وهذه هي عملية استنباط الحكم الشرعي، التي تكون علم الفقه.

   لكن من أين يأخذ الفقيه الحكم الشرعي؟ وكيف يأخذه؟ وهل كل واحد مؤهل للقيام باستنباطه ؟ وهل معرفة النصوص الشرعية من كتاب وسنة كافية في ذلك ؟ وكيف نزن فهمنا لنص شرعي معين؟

هذه الأســئلة ومـــثيلاتها هي التـي يجيب عنــها علم أصول الـفقه.

لننظر مثلا إلى هذه النصوص :

   مر علي بن أبي طالب على قاص فقال: تعرف الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا قال : هلكت وأهلكت

   مر ابن عباس بقاص يقص، فركضه برجله، فقال: تدري ما الناسخ والمنسوخ ؟ قال: وما الناسخ والمنسوخ ؟ قال: وما تدري ما الناسخ والمنسوخ ؟ قال لا، قال: هلكت وهلكت وقال حذيفة بن اليمان: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن ومنسوخه، وأمير لا يجد بدا، وأحمق متكلف

   فهؤلاء أعلام الصحابة يبينون أنه لا يمكن أن يستنبط الحكم الشرعي الصحيح إلا إنسان يعلم الناسخ والمنسوخ. ومعنى النسخ في كلامهم: عدم تطبيق الحكم الظاهر في آية أو حديث لوجود أدلة أو قرائن شرعية أخرى.وضوابط هذه المسألة تملأ مساحة كبيرة في علم الأصول، وكل من لم يأخذها بعين الاعتبار لا يستطيع أن يصل إلى الحكم الشرعي الصحيح، بل يصوغ أحكاما ذاتية تابعة من مزاجه الخاص.

   لكن انتشرت ـ مع الأسف ـ موجة من أسلوب التعامل مع النصوص الشرعية دون الالتزام بهذه الضوابط، مما أدى إلى أن تنسب إلى الشرع أحكاما غريبة عنه بعيدة من روحه، وعكست كثيرا من الأحكام الشرعية، فأصبح المرجوح واجبا، والرأي الشخصي فرضا...

   وبرز اعتبار الفهم الشخصي من نص معين دينا لا يرى الحق غيره، ورمي الفهم المخالف – ولو كان فهم علماء متخصصين ـــ بالبطلان والخطأ الذي لا يتحمل الصواب. صاحب ذلك جرأة غريبة على الفتوى تعكس الجهل بخطورتها ومستلزماتها.

   وقد كان السلف من الصحابة والتابعين يخشونها ويود كل واحد منهم لو كفاه غيره مؤونتها. وقد قال عبد الرحمان بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.

   ولا شك أن كل هذه المظاهر عندما تتعلق بأمور فردية تنطوي على خطر كبير، كما قال سحنون: إنا لله، ما أشقى المفتي والحكم، ثم قال: ها أنا ذا يتعلم مني ما تضرب به الرقاب، وتوطأ به الفروج، وتؤخذ به الحقوق. لكن خطر الفتوى عندما تتعلق بأمور تهم جمهور المسلمين أعظم وأخطر. ويزداد حدة عندما يتعلق الأمر بدعوة الله ومصير عقائد المسلمين، وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم.

   لكل هذا ولغيره قوي الإحساس بضرورة الاهتمام بعلم أصول الفقه، لأن دراسته هي الضمان الأساسي من الوقوع في أمثال هذه المزالق، وهو ما وضع أول مرة إلا للوقاية منها.

   وهذه السلسلة التي نبدأها بعون الله تحت عنوان: نحو ثقافة أصولية، تهدف إلى عرض المبادئ الأولية في علم الأصول واستعراض خطوطه العامة بصورة تؤهل للرجوع والاستفادة من المصادر والمراجع الأصولية.

   وتجدر الإشارة إلى أن ملاك الأمر اكتساب، ملكة أصولية، عن طريق الممارسة الفنية والعلمية للمبادئ الأصولية، وليس بالدرجة الأولى حفظ القواعد والنصوص، وهذا لا تكفي فيه الممارسة النظرية، بل لابد من تتبع أسلوب الفقهاء والأئمة في مناقشة الأحكام الشرعية واستنباطها والاستدلال لها. ونشير بالخصوص إلى الفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية وكتابات تلميذه ابن القيم، وتحليلات الحافظ ابن حجر في فتح الباري وتفاسير كبار العلماء وغيرهم كثير.

   لقد شاع التمسك بحرفية النصوص بدل النظر أولا في مقاصد الشرع وأهدافه، والبحث في علل أحكامه، مما يؤدي إلى عكس المراد الشرعي ويوقع في تناقضات خطيرة. ووقع التشديد في الفروع والجزئيات على حساب الأصول والكليات، كما وقع الخلط بين المقاصد والوسائل، والخلط بين الأحكام الشرعية والأحكام الظنية المرنة، بسبب الجهل بالحدود الفاصلة بينها. فالأحكام القطعية حسم فيها الشرع ولم يترك فيها مجالا للاجتهاد، بينما ترك الأخرى مفتوحة لاجتهاد المتخصصين حسب حاجات البشر وحسب ما يصلح لمجتمعاتهم...لذلك نجد في هذه الأمور المرنة أكثر من رأي واجتهاد. لكن ظهر – مع الأسف- من يعطي لنفسه صلاحية الحسم في أمور لم يحسم فيها لا علماء الصحابة والتابعين، ولا الأئمة المعتبرون، والأدهى من ذلك أن يجعل المخالف فيها عرضة لشتى تهم التفسيق والتبديع، وربما الاتهام بالعمالة، والكفر...

هو علم الأصول ؟

   إن عبودية المسلم لربه وخضوعه لشرعه يقتضيــــــان بالضرورة تحديد الحكم الشرعي في كل موقف وتــجاه كـــــــل واقعة، انطلاقا من الأدلة الشرعية، وهذا التحديد هو ما يســـمى ب :”عملية استنباط الحكم الشرعي”، وهو موضوع علم الفقه، وعمل الفقيه بهذا هو استنباط الحكم الشرعي وصياغته انطلاقا من الأدلة الشرعية.

   ولم يترك هذا الاستنباط سدى، وإنما وضعت له ضوابط وقواعد تمنع خضوعه للهوى أو للمزاج الشخصي, وتحول دون انحرافه عن المراد الشرعي.. وهذه الضوابط والقواعد هي التي تشكل علم أصول الفقه.

   إن لعلمي الفقه وأصول الفقه ـ إذن- موضوعا واحدا هو استنباط الأحكام من أدلة شرعية تفصيلية، فبينما يدرس أصول الفقه منهج هذا الاستنباط و قواعده الكلية، يتولى الفقه عملية التنزيل والتطبيق.

   وبدون أصول الفقه يجد الفقيه نفسه أمام كم متناثر من النصوص والأدلة والوقائع دون أن يستطيع استثمارها في صياغة الحكم الشرعي, “كمن يواجه أدوات النجارة و مستلزماتها من منشار ومطرقة وخشب ومسامير دون أن يملك أفكارا عامة عن عملية النجارة و طريقة استخدام تلك الأدوات”.

   ويمكن تقسيم القواعد المكونة لأصول الفقه إلى أنواع ثلاثة:

1- قواعد لغوية: فالنصوص الشرعية نصوص عربية في لفظها ومعناها ,ولا يمكن فهمها إلا في إطار ما يقبله اللسان العربي, ومن أمثلتها: “الأمر يدل على الوجوب, والنهي يدل على التحريم إلا إذا قام الدليل على خلاف ذلك”, وما يتعلق بالألفاظ المشتركة والاستثناء و الشرط و غيرها.

2- قواعد معنوية متعلقة بالحكم الشرعي ومصادره: وتتعلق بأقسام الحكم الشرعي وضوابط كل منها, وبمصادره وترتيبها في الاستدلال, وكيفية الاستنباط منها, كما تتعلق بأثر العوارض كالجهل بالشرع أو النسيان أو كل ما يفقد الشخص المسؤولية أو يخفف منها.

3- قواعد معنوية مرتبطة بمقاصد الشريعة وضوابطها: وذلك أن للشرع في الواقع البشري مقاصد يريد تحقيقها, والأحكام الشرعية كلها إنما وجدت لترعاها, وكل حكم أو عمل يمنع من ذلك يعتبر مناقضا للشرع. ومعرفة المصالح التي رعاها الشارع والطرق التي سلكها لذلك, تسهل اقتفاء آثاره وتوجيه التشريع الوجهة المطلوبة.

جريدة الدستور:15/06/2012

أ.د.سعد الدين العثماني

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.