
أول سمات المبادرات التغييرية والإصلاحية الناجحة التي عرفها البشر على مر العصور انها كانت تنبع من مجتمعاتها المحلية فتعزز نقاط القوة فيها وتعالج نقاط الضعف.
في مجال الفقه، مثلا، ظهر الإمام الشافعي ليضع للمسلمين مناهج استنباط توسع دائرة الطيب والحلال والمباح وتضيق الخناق على الحرام والمكروه، كما شُرع أصلا في روح النص الإسلامي.
وفي عصور النهضة ظهر مصلحون مثل الإمام محمد عبده والأفغاني ومحمد رشيد رضا، الذين سلكوا درب المواءمة بين الإحياء والتجديد، وجمعوا بين خطاب الأصالة والمعاصرة. وفي الثورة ظهرت الحركات التحررية كحركة عمر المختار وعبد الكريم الخطابي من كتاتيب ومدارس ومعاهد العلم في بلادها لتخرج شعوبها من رقبة الاستعمار، الذي جثم على أراضيها بقوة التنكيل والتجهيل والعمالة، وقد نجحت هذه الحركات الإصلاحية لأنها كانت تستمد قوتها من تأييد الشعب لها الذي ضحى بالغالي والنفيس لاقتناعه برسالتها في معارك كانت في كثير من الأحيان غير متكافئة.
كان الأحرى بالمرأة العربية، التي عانت من ظلم المجتمعات الغارقة في جهالة الأعراف والعادات والخرافات بسبب بعدها عن الدين، أن تسلك منهج التغيير والإصلاح الذي يأتي من داخل المجتمع ويغير قناعات وممارسات أفراده ولا يُفرض عليه فرضا بقوة السلاح أو بمراوغة الدبلوماسية والمساعدات الخارجية.
الخطأ القاتل الذي اقترفته الحركة النسوية العربية هو سلوكها نفس الدروب التي سلكتها الحركة النسوية الغربية، والتي تقوم على فكرة الصراع بين الرجل والمرأة، إلى حد المطالبة باعتبار الرجل طبقة معادية والقتال من أجل "عالم بلا رجال"، مع إعلان الحرب على الفطرة والدين واللغة باعتبارها، أسبابا في ترسيخ دونية المرأة وغبن حقوقها.
كما طالبت الحركات النسوية الغربية بأن تكون المرأة حرة في علاقاتها الجنسية مع الرجال دون أن يمنعها الزواج من ذلك، فهي في نظر الحركة النسوية الشيوعية Social Marxist Feminism ليست ملكا فرديا للرجل، فلا تقبل الشيوعية بعد الغاء الملكية الفردية للأشياء أن تقرها للأشخاص، كما نادت بإخراج المرأة من بيتها لتكون عاملة منتجة وتحريرها من الأدوار و"الصور النمطية" في رعاية البيت والأسرة.
وفي تطرف لاحق لأفكار الحركة النسوية فقد نادت بإلغاء أي اعتبار للتكوين البيولوجي والدور الفطري للمرأة. ذكرت سيمون دي بوفوار صاحبة كتاب "الجنس الآخر" أن المرء لا يُولد إمرأة بل يصير كذلك وأن قهر النساء يبدأ بتحويلهن إلى أمهات ولتذهب الطبيعة إلى الجحيم، إذا وقفت حائلا دون ثورة النساء على الظلم والقهر ونادت بحق المرأة في رفض الأمومة وإسقاط جنينها، كما عملت الحركة النسوية الغربية على إعادة صياغة اللغة وإعادة كتابة بعض نصوص الكتاب المقدس وإصدار نسخة منقحة عام 1994 وإلغاء أية مفردات أو مفاهيم تدعم سلطة الرجل أو تدل على تبعية المرأة له.
كما سعت الحركة النسوية لإلغاء دورلأب في الأسرة ورفض السلطة الأبوية في المجتمع patriarchy، وصورت المؤلفات النسوية الآباء كعبء لا ضرورة له والأبوة كشر مستطير، وأعلت من دور الأم الوحيدة والعزباء single mothers مع المناداة بتمكينها empowerment لأداء هذا الدور بتوفير التشريعات الوظيفية والمؤسسات الصحية ودور الحضانة والترفيه.
وصلت الحركة النسوية الغربية، في شططها، الى المناداة برفض الأسرة بالكامل والزواج في مؤتمر بكين عام 1995 حيث طالبت المنظمات النسوية بإقرار أنماط أخرى من الأسرة، كزواج الجنس الواحد والمعاشرة والمساكنة من دون زواج partnership، وبررت رفضها للأسرة التقليدية بأنها تقيد العلاقات الجنسية الحرة بين مختلف الأعمار وتشترط أن تكون العلاقات الأسرية بين ذكر وأنثى!
لقد أخطأ دعاة النسوية العربية عندما استسقوا أفكارهم من "مرجعية غربية"، غير إسلامية، نشأت في سياق حضاري مختلف عن ثقافتنا العربية الإسلامية، ونقلوا حقوق المرأة الى ميدان المواجهة مع المعتقدات الإسلامية مع تبني العلمانية الليبرالية، ومناهج البحث الاجتماعي في الغرب، والدعوة إلى الاجتهاد دون مجتهدين، والحرية في تفسير النصوص الدينية، والمساواة المطلقة في الإرث والطلاق والإنفاق على الأسرة والحياة الجنسية والسكن والسفر وحق الطاعة، وهو ما تدعو إليه اتفاقية السيداو، التي تبنتها الدول العربية والإسلامية، فألغت في كثير منها التحفظات على بنودها الإشكالية في المنظور العربي والإسلامي.
لقد صورت الكاتبة نوال السعداوي، وهي من غلاة المنظرين للحركة النسوية العربية الرجل على أنه مستعمرة والمرأة هي مستعمرته، ودعت إلى اعتماد النظام الأمومي matriarchy الذي يسمح للمرأة بتعدد الأزواج والخلان، كما كانت الحال في الجاهلية، حيث كانت المرأة تعاشر ما تريد ومن تريد من الرجال ثم تنسب ولدها لمن تريد!
كما تدعو السعداوي إلى اعتبار كل مولود شريف وشرعي، حتى لو ولد خارج إطار الزواج، ومن حقه أن يحمل اسم أمه أو أبيه.
بينما ترى الكاتبة فاطمة المرنيسي أن حفاظ المرأة على "البكارة" صار مستحيلا في الواقع الراهن، وأنها لا يجب أن تكون مقياسا أو دلالة على عفة المرأة وإلا فلنصطنع واحدة للرجل حتى يكون مطالبا بإثبات عفته.
إن مثل هذا الأطروحات ليست إلا غيضاً من فيض من تفتقات الحركة النسوية العربية التي انسلخت عن دينها وحضارتها، وثقافتها لتتبع حضارة غربية ظلت لوقت ليس ببعيد تناقش في محافلها الفكرية إنسانية المرأة من عدمها، لقد غاصت النسوية العربية في مستنقع موحل ظاهره فيه الرحمة بالمرأة ومحاولة إنصافها، وباطنه وبال عليها بتغيير فطرتها وتقليص دورها في المجتمع.
الإصلاح الحقيقي اليوم يكمن بتحرير دعاة "تحرير المرأة" من التبعية للغرب. الإصلاح بحاجة إلى احتواء الأطراف جميعا من أقصى اليسار واليمين في مشروع بوصلته الحفاظ على المجتمع وحقوق الأفراد، مشروع لا يضرب في الدين والثقافة بدعوى التحرر.
منقول عن جريدة الغد الأردنية
1/5/2009
ابحث
أضف تعليقاً