
ملخص تنفيذي:
أشرت في مقال سابق الى المحركات التسعة المتكاملة لتحقيق النمو الاقتصادي العادل والمتوازن والتشاركي في الاقتصاد الاسلامي، وذكرت من ضمنها مؤسسة الأسرة ونظام النفقات الاسلامي ودورهما في منظومة مكافحة الفقر في النظام الاقتصادي الاسلامي. يهدف هذا البحث الى اجراء تحليل مقارن يقدم أدلة قوية على كفاءة وعدالة نظام النفقات الاسري الاسلامي. هذا وتنبع مزايا "نظام النفقات" من كونه آلية لامركزية ومنظمة ذاتياً تتسم بالثقة والاعتمادية العالية لتحقيق التكافل والضمان الاقتصادي لأكثر الفئات حاجة للرعاية المجتمعية وهم الأطفال والمسنون وبعض الأقارب المعسرين. هذا النظام الفعال يخفف على الموازنة العامة وغيرها من المؤسسات الرسمية الكثير من الأعباء، لكنه يتطلب أيضاً حماية الدولة لمؤسسة الاسرة بأساليب مبتكرة، تشريعية وغيرها.
التمويل الاسلامي والمؤسسات غير الرسمية:
بعد الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، تزايد الاهتمام المحلي والدولي بالتمويل الاسلامي بمختلف صيغه، سواء أكان متعلقاً بتمويل المشاريع الخاصة الكبيرة أو بالتمويل الحكومي من خلال الصكوك الاسلامية، أو بتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال البنوك الاسلامية. هذا البحث يستكشف نمطاً هاماً ومنسياً في نظرية التمويل الاسلامي، وهي التحويلات النقدية التي تقع في اطار مؤسسة الاسرة ذاتها بين: الأصول والفروع والزوج وزوجته وبين ذوي القربى، سواء أكانت ضمن الاسرة النووية الصغيرة أو الاسرة الممتدة الكبيرة.
هذا يشمل ليس فقط تحويلات بغرض تخفيف حدّة الفقر وتمويل الاستهلاك الضروري، وانما أيضاً تمويل الاستثمار، بشقيه الاستثمار البشري المتمثل في الصحة والتعليم العام والعالي، والاستثمار الانتاجي (عادة في مشاريع صغيرة أو متناهية الصغر على مستوى الاسرة). كما ان التمويل الأسري يشمل ليس فقط المنح غير المستردة وانما أيضاً القروض المستردة، وان كان الغالب هو المنح ضمن الظروف الراهنة.
فمن الأهمية بمكان توسيع النظرة الى مؤسسات التمويل لتشمل المؤسسات غير الرسمية وغير الربحية، وهذا ما يشكل أحدى مزايا التمويل الاسلامي في تنوع آلياته وأدواته المالية. فليس شرطاً أن تكون الدولة، أو البنوك الخاصة الاسلامية الهادفة الى الربح ضمن قيود الشرع، هي المؤسسات الوحيدة المعنية بالتمويل. فمن أبرز المؤسسات غير الرسمية وغير الربحية التي توفر التمويل: مؤسستي الاسرة والوقف الاسلامي. هذا يساهم في تعزيز الوساطة المالية بين الأفراد والمؤسسات وتوظيف الأموال الفائضة وانفاقها عوضاً عن اكتنازها وحبسها عن دورة الدخل والانفاق.
ومن المهم التأكيد بداية ان معظم الوظائف الرئيسية للاسرة قد انتقل عبؤها المالي والتنظيمي في الغرب الى المؤسسات الرسمية للدولة بسبب ظاهرة التفكك الاسري وضعف معدلات تشكيل الاسر في الاقتصادات الغربية وبالتالي سيادة ظاهرة "المجتمع الشائخ". هذا يشمل مكافحة الفقر وتوفير التمويل الجامعي والتعليم العام، وتقديم التمويل متناهي الصغر الى العاطلين عن العمل والراغبين في تأسيس مشاريع التوظيف الذاتي. ويشمل كذلك رعاية الطفولة واللقطاء والمسنين والاسر التي تعولها امرأة، وذلك كله بسبب تفكك الاسرة الغربية وشيوع العلاقات غير الشرعية خارجها.
سأركز في هذا البحث على دور مؤسسة الاسرة في الاقتصاد الاسلامي في توفير التمويل لقسم رئيسي من الفئات الأكثر احتياجاً في المجتمع وهم الأطفال والمسنين والشباب في سن التعليم والبحث عن العمل والقريب المعسر، ونوضح بعدي الكفاءة والعدالة في هذا الترتيب التمويلي الذي يتميز به الاقتصاد الاسلامي من خلال تشريع نظام النفقات ومبدأ صلة الأرحام. وكما قال الله تعالى: "وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله" (الأنفال:75). فالأغنياء في الاقتصاد الاسلامي هم جزء من مجتمع عضوي، تشكّل الاسرة اللبنة الأساسية فيه.
الكفاءة التصميمية في نظام النفقات الاسلامي:
تنبع كفاءة تصميم نظام النفقات الاسلامي في مجال التمويل الاجتماعي من كونه آلية لامركزية وطوعية بالأساس لتمويل ودعم واستهداف جانب هام من الفئات الحساسة في المجتمع. ويتسم نظام النفقات الاسلامي بنوعين من الكفاءة هما: الكفاءة المعلوماتية Informational Efficiency والكفاءة التخصيصية Allocative Efficiency.
أولاً: الكفاءة المعلوماتية:
وتتلخص هذه الكفاءة في التخفيف الجوهري لمشكلة "نقص المعلومات" اللازمة لتقديم التمويل الفعال، بالمقارنة مع الحلول المركزية الرسمية.
وللتعرف على هذه المشكلة التي يتغلب عليها نظام النفقات الاسلامي، نفترض ان المجتمع لجأ الى استخدام نهج مركزي لمكافحة الفقر هو تدخل الدولة، وأن الدولة قد عبئت مواردها المالية والمؤسسية اللازمة لتحقيق هذه الغاية بدلاً من مؤسسة الاسرة. هنا الدولة لا تملك معلومات كاملة بخصوص مكان الفقر ومداه وسببه وعلاجه، لكن معرفة هذه الحقائق شرط ضروري (وان كان شرطاً غير كاف) لمكافحة الفقر.
ان عدم معرفة مكان الفقر المدقع ومداه وبؤره على مستوى الاسرة والحي والمنطقة والقرية والمدينة والدولة يعني وجود الكثير من الفقراء المحرومون من المعونة النقدية الحكومية (الاستهلاكية أو الانتاجية) ليس لسبب الا لأنهم غير معروفين للقطاع العام، أو لأنهم لا يبادرون بطلب المعونة بسبب التعفف أو توقع عدم الاستجابة لحالتهم.
وقد يقول قائل، لكن للدولة التنموية وللسياسة الاجتماعية طرقها الحديثة في تشخيص بؤر الفقر من خلال دراسات ومسوحات ميدانية وباحثين وفرق اجتماعية متخصصة، تحدد وتقيم احتياجات المعونات النقدية والاحتياجات الاقراضية والتدريبية على مستوى المحافظة واللواء والقضاء.
لاشك بأن هذه الدراسات الميدانية تخدم المبادرات المركزية لمكافحة الفقر، لكن هذا النهج يتطلب اولاً كلفة ادارية ومالية، وثانياً هو يخفف من مشكلة نقص المعلومات لكنه لا يعالجها بشكل كامل، اما بسبب فرص توفير معلومات مضللة أو غير كاملة من قبل الاسر للجهاز الاداري للحصول على دعم حكومي أكبر، أو بسبب المنظور الكلي أو التجميعي لمعلومات الفقر وعلى مستوى أعلى بكثير من الاسرة، مثل القضاء أو اللواء. وثالثاً، فان متابعة وتقييم نتائج المبادرات الحكومية لمكافحة الفقر أيضاً يتطلب دراسات ميدانية لها معوقاتها وتكاليفها الادارية والمالية. رابعاً: تبقى مسألة تنفيذ توصيات هذه الدراسات الميدانية الهامة وتحويلها الى "واقع أفضل" مسألة أساسية، في ضوء ما تعانيه المؤسسات العامة في الدول النامية خصوصاً من بيروقراطية وبطء الاجراءات وتعقيدها. ويجب التذكير بأن نظام النفقات الاسلامي هو سابق للأسلوب المركزي في محاربة الفقر بأربعة عشرة قرناً من الزمن.
واضافة الى مسألة مكان الفقر ومداه، فهناك قضية لا تقل أهمية وهي تحديد أسباب الفقر، ذلك أن العلاج الفعال لمشكلة الفقر لابد أن يرتبط بمسبباته.
في المقابل، فان مشكلة نقص المعلومات وعدم تماثلها Asymmetric Information بين الأطراف المعنية هي عند مستواها الأدنى في النظام الاسري الاسلامي. فمكان الفقير المحتمل لا يمكن أن يغيب عن والده أو أخيه أو قريبه الغني، وكذلك مدى فقره وسببه. ولذلك يتم تقديم المعونة الملائمة، سواء أكانت نقدية أم عينية أم انتاجية، وبشكل يلبي الاحتياجات الأساسية للاسرة. في المجتمع غير الاسلامي، وفي حالة ضعف "المتابعة والتقييم"، فان المعونة الحكومية لرب الاسرة قد تنفق في شراءه للمسكرات أو المخدرات!.
ثانياً: الكفاءة التخصيصية:
لنظام النفقات الاسري الاسلامي ميزة ثانية على الحلول المركزية لمكافحة الفقر من خلال توفير المعونة النقدية لغير القادرين على العمل وتوفير القروض للقادرين على العمل وفقاً لمبدأ المشاركة في الأرباح والخسائر. هذه الميزة تتمثل في عدم التأثير الجوهري لنظام النفقات على كفاءة تخصيص الموارد بالمقارنة مع الحلول المركزية لتوفير التمويل الحكومي أو الرسمي.
الحلول الرسمية المركزية للفقر يتطلب تنفيذها أمرين: (أ) فرض ضرائب على ذوي الدخل الأعلى، و(ب) توفير دعم لذوي الدخل المتدني أو المعدوم. ولكل من الضريبة والمعونة الحكومية آثار سلبية متفاوتة على تخصيص الموارد. هذا يعزى الى: )أ) الأثر السلبي للضريبة Tax Disincentive على مستوى العمل والادخار والاستثمار لذوي الدخل الأعلى، والمساهمة المحتملة في التهرب والتجنب الضريبي و(ب) الأثر السلبي للمعونة الحكومية على عدد ساعات العمل وانتاجية ذوي الدخل الأدنى والمساهمة في ميلهم للاتكالية و(ج) ضعف معرفة وحوافز المؤسسات الحكومية في تقديم الدعم ومتابعته لمختلف الاسر المحتاجة.
ويطلق على التحويلات التي لا تؤثر سلبياً على حوافز المستفيد (مستلم التحويلة) وحوافز المعطي (ممول التحويلة) مصطلح التحويلات المحايدة Lump Sum Transfer. واتفق الاقتصاديون على عدم وجود مثل هذه التحويلات غير المكلفة في الاقتصاد الوضعي. لكن هل تتوفر مثل هذه التحويلات في الاقتصاد الاسلامي الأخلاقي؟
نظام التحويلات الاسلامي، بما فيها نظام النفقات، هو قائم من حيث المبدأ على ايثار الممول من ناحية وتعفف المستلم وعدم اتكاله على المعونة من ناحية أخرى. هذا يخفف جوهرياً من سوء تخصيص الموارد الناجم عن الاكراه (الضريبة) وضعف الحوافز (بيروقراطية الجهاز الرسمي) وفخ العطاء والانتهازية (الاتكالية)، سيما في ظل الاعتبارات التالية:
كما ان نسبة تغطية نظام النفقات للفقراء الحقيقيين من المتوقع أن تكون أعلى بكثير من نظيرتها في البرامج الحكومية المركزية للأسباب أعلاه، علماً بأن البرامج الحكومية للأمان الاجتماعي عادة ما تتسم بضعف استهداف الفقراء دون غيرهم، وتتصف بمشكلتين معروفتين هما: (1) استثناء العديد من المستحقين للدعم لغياب المعرفة أو الحافز، و(2) ادخال العديد من غير المستحقين الى قائمة المشمولين بالدعم بسبب الفساد وغيره، مما يزيد من الكلفة المالية لهذه البرامج المركزية، ويقلل من شموليتها للفقراء المهمشين وفعاليتها وكفاءتها وعدالتها.
العدالة التوزيعية في نظام النفقات الاسلامي:
تتجلى العدالة في نظام النفقات الاسري في عدة أبعاد:
الخلاصة:
لمؤسسة الاسرة دور أساسي في تحقيق النمو التشاركي والضمان الاقتصادي لفئات المسنين والأطفال وبعض الأقرباء المعسرين، الى جانب حماية الأحداث من الفقر والانحراف والجريمة، وتوفير الاستثمار البشري لتمكينهم من المساهمة في تنمية الاقتصاد الوطني. وبناء عليه، وفي ضوء مقاصد الشريعة في حفظ العرض، من الأهمية بمكان حماية الاسرة ومؤسسة الزواج من التفكك وغياب المعاييرAnomie ، بما في ذلك حمايتهما من تداعيات الاتفاقيات الدولية المسيئة لاستقرار الاسرة وكذلك من المعايير الليبرالية الغربية المشجعة لترتيبات بديلة (كالزواج المدني والشذوذ الجنسي).
ان نظام النفقات الأسلامي يحقق ما يُعرف في علم اقتصاد الرفاه Welfare Economics بالتحسن الباريتي Pareto Improvement وهو الترتيب الذي يحسّن من رفاهية المعطي والمستلم للمعونة معاً، بعكس الحال مع الحل المركزي في دولة الرفاه الوضعية الذي يجعل بعض الفقراء والموسرين أحسن حالاً ويجعل دافعي الضريبة أسوأ حالاً، ويسيئ الى الحوافز وتخصيص الموارد والكفاءة الاقتصادية في الاقتصاد الوطني في الأجل الطويل.
ابحث
أضف تعليقاً