
هل تحتاج المؤسسة الدينية إلى إصلاح؟ الإجابة - بالطبع - نعم ، لكن ما دفعني الى طرح هذا السؤال ، وهو على سبيل الاستفهام لا الاستنكار ، أمران: أحدهما أننا في "زحمة" الدعوة إلى التغيير والإصلاح ، لم نسمع أحداً من داخل المؤسسة الدينية أو من خارجها يتطرق الى هذا الموضوع ، ما قد يعطي شعوراً ما بأن مؤسساتنا الدينية تتمتع بقدر عالْ من العافية ، وبأن أحوالها على ما يرام ، ولا تحتاج الى أي إصلاح ، ومع أننا سمعنا عن "احتجاجات" محدودة في بعض "المساجد" تطالب بتحسين احوال الائمة والوعاظ الا ان "مطالب" الإصلاح ظلت بعيدة عن اذهان الجميع ، اما الأمر الآخر فيتعلق بغياب "الديني" (العلماء والمؤسسات) عن مسرح الاحداث التي تشهدها منطقتنا العربية ، فباستثناء الفتوى التي صدرت عن دائرة "الافتاء" حول "المظاهرات": هل تجوز او لا تجوز؟ لم نشهد - ايضاً - أي دور فاعل للمؤسسة الدينية في مناقشة قضايا الساعة سواءً أتعلقت بالإصلاح او التغيير ، بالحرية او الديمقراطية ، ومن المفارقات - هنا - ان السياسي الذي تحرك بشكل ملحوظ ، وحاول ان يغير من خطابه وخياراته ، لم يجد من "الديني" أي مساعدة و استجابة للمشاركة في "ادارة" الحوار ، وكأن التحالف بينهما قد انفرط عقده ، او اصبح من لزوم ما لا يلزم ، والمشكلة هنا لا تتعلق فقط "بامتناع" المؤسسة الدينية عن ممارسة دورها المطلوب فقط وانما "بموقفها" السلبي تجاه "الحياة العامة" (لكي لا نقول الحياة السياسية" مع انها تعتبر "الضمير" العام المعبر عن الناس ، والفاعل الاساس في مجال "الدين" الذي يصنع "التدين" ويوجه الوازع القيمي والاخلاقي للمواطنين.
غياب المؤسسة الدينية ليس جديداً ، وان كانت هذه الاحداث والازمات قد كشفته ، ومسؤولية الغياب او التراجع عن القيام "بالدور" المطلوب لا تتحمله هذه المؤسسة فقط ، وانما تتحمله "مناخات" السياسة وتراكماتها ، واجتهادات الحكومات واخطاؤها ، وهو نتاج طبيعي لمحاولات اضعاف المؤسسة الدينية ، هذه التي حُرمت من "استقلاليتها" وتباطأت في اصلاح نفسها ، وتحولت الى "مؤسسة" وظيفية وبدل ان تكون "مؤسسة" ريادية ونموذجية ، تقدم لغيرها ما يصلح ان يكون "مثالاً" للقدوة والمبادرة.
لا يهم كيف حدث هذا ولماذا؟ لكن المهم هو استدراك ما حصل والسير فوراً نحو "اصلاح" حقيقي يخرج هذه المؤسسة من "ضعفها" ، اذ لا يمكن انا نتصور مثلا بان وزارة الاوقاف - وهي من اغنى الوزارات - تعاني من نقص في (الأئمة) يتجاوز الألف إمام وأن معظم كوادرها مؤهلاتهم دون الثانوية العامة ، كما لا يمكن ان نتصور بان "انتهاجها" في مجال الفكر الاسلامي المعاصر لا يتجاوز اصدار مجلة متواضعة ، او اقامة ورشة تدريب.. الخ
باختصار ، تحتاج مؤسساتنا الدينية الى "وصفات" اصلاح عاجلة ، اصلاح اداري واصلاح تنظيمي واصلاح فكري ، وتحتاج الى اصلاح خطابها العام ، وتأهيل كوادرها العاملة ، وفتح ابوابها امام "مستجدات العصر" وامام الخبرات الشرعية والعلمية التي ما تزال ممنوعة من المشاركة ، وتحتاج الى الخروج من دورها الوظيفي الرسمي الى دورها الحقيقي المتعلق بقضايا الامة والمجتمع والناس ، وهذا كله لا يمكن ان يتحقق الا اذا اقتنعنا بان "للدين" في حياتنا وظيفة مركزية ، تنهض بها مؤسسات قوية ، وبضعفها او غيابها نخسر كثيراً في جبهة "الإصلاح" ومواجهة التطرف ، وفي جبهات اخرى تتيح للتدين المغشوش ، والآخر الانتهازي ، ان يقودنا نحو مسارات واهداف لا علاقة لها بالدين.. ولا بالمصلحة العامة ايضاً.
الدستور
التاريخ : 15-03-2011
ابحث
أضف تعليقاً