
قادة حزب العدالة والتنمية بزعامة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان يبدون حرصا شديدا منذ تأسيس الحزب في عام 2001 على رفض تصنيفه كحزب إسلامي أو امتداد للحركة الإسلامية السياسية التي أسسها رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان، ويصفونه بـ"حزب ديمقراطي محافظ" يحترم مبادئ الديمقراطية والعلمانية ولا يعادي الغرب ويرفض استخدام الدين وسيلة لتحقيق أهداف سياسية.
بالإضافة إلى ذلك، أعلن أردوغان أكثر من مرة أنه خلع "قميص مللي غوروش"، أي تخلى عن الخط السياسي الذي تمثله جماعة أربكان، ولكن لم يكن من المعقول أن ينسلخ أردوغان وأصدقاؤه عبد الله غول وبولنت أرينتش وغيرهم عن جميع الآراء التي نشئوا عليها ودافعوا عنها سنين طويلة.
ديمقراطيون ذوو جذور إسلامية
ومن هنا، لجأ بعض المحللين إلى الجمع بين ما اختاره قادة الحزب للتعريف بحزب العدالة والتنمية وبين علاقات هؤلاء بجماعة أربكان في الماضي، ليكون الوصف أكثر دقة فقالوا إنه "حزب ديمقراطي ذو جذور إسلامية".
نجح حزب العدالة والتنمية في الحصول على معظم أصوات الإسلاميين الأتراك، رغم ابتعاده عن الخطاب التقليدي للسياسيين الإسلاميين، وظلت نسبة ضئيلة منهم تعارض هذا الحزب الذي أسسه المنشقون عن جماعة أربكان وتدافع للحفاظ على النهج السياسي التقليدي للحركة الإسلامية في تركيا.
فهؤلاء أسسوا حزب الفضيلة بعد حظر حزب الرفاه وانشقاق أردوغان ورفاقه إلا أن حزب الفضيلة أيضا تم حظره من قبل المحكمة الدستورية بتهمة أنه امتداد لحزب الرفاه فأسسوا حزب السعادة.
معارضة حادة وجارحه
اتسمت معارضة حزب السعادة لحكومات غول وأردوغان بالحدة والتجريح والهجوم على طلاب أربكان القدامى بلهجة شديدة، واتهام حزب العدالة والتنمية بالعمالة لأمريكا والخدمة لأجندة الصهيونية العالمية، بل ذهب نجم الدين أربكان الذي كان يدير الحزب من وراء الستار إلى أبعد من ذلك فوصف حكومة أردوغان بـ"خادم الخنازير"، ومؤيدي حزبه بـ"أولاد البيزنطيين"، وقال في أحد تجمعات حزب السعادة قبيل انتخابات 22 يوليو/تموز 2007 "إن من يعطي صوته لحزب العدالة والتنمية، فقد قطع لنفسه تذكرة إلى جهنم".
هذه اللهجة الشديدة انعكست سلبيا على سمعة حزب السعادة وشعبيته، وأدت إلى الانزعاج والاستياء في أوساط شباب الحزب والمنصفين من أنصاره، ورأى هؤلاء أن التعامل مع حزب العدالة والتنمية وقادته بهذا الأسلوب العدواني لن يخدم الحزب، بل سيؤدي إلى نفور الناخبين الذين يشاهدون ما حققته حكومة أردوغان من النجاحات الاقتصادية والسياسية ومعركتها مع القوى العلمانية المتسلطة لتعزيز الحريات والديمقراطية والحد من تدخل العسكر في الشؤون السياسية.
لم تكن لهجة حزب السعادة في معارضته لحكومة أردوغان وحدها محل نقاش في صفوف الحزب، بل كانت هناك مسائل أخرى يختلف فيها شباب الحزب عن القادة المسنين، وكان الخطاب السياسي الذي يجب على الحزب أن يتبناه في مخاطبة الناخبين في ظل التغيرات التي يشهدها العالم من تلك المسائل.
بينما كان "ذوو الشعر الأبيض" من القادة يصرون على الخطاب التقليدي الذي وُضعت كثير من مفرداته من قبل أربكان، سواء ما يتعلق بالسياسة الداخلية أو الخارجية، رأى الشباب أن هذا الخطاب يعود إلى حقبة الحرب الباردة وأنه من الضروري أن يواكب خطاب الحزب عقلية الأجيال الجديدة وثقافتها، وأصبح في داخل حزب السعادة تياران؛ تيار يقوده نجم الدين أربكان وآخر يتزعمه نعمان كورتولموش، وهكذا ظهرت بوادر انشقاق جديدة.
وكانت هناك مشكلة أخرى عززت الانقسام في صفوف حزب السعادة ، فبينما كانت عائلة أربكان تحاول فرض سيطرتها على الحزب، عارض جناح كورتولموش هذه المحاولة بقوة، فتفجرت في المؤتمر الرابع المنعقد في 11 يوليو/تموز 2010 أزمة كبيرة واتهم أنصار أربكان رئيس الحزب والمرشح الوحيد للرئاسة نعمان كورتولموش بإقصاء عائلة أربكان ورفاق دربه من القيادة وانسحب معظم أعضاء الحزب من الصالة ولم يصوت لكورتولموش إلا 310 أعضاء فقط من أصل 1250 عضوا.
هذا الخلاف الداخلي في حزب السعادة حسمته محكمة الصلح في أنقرة بقرار إلغاء نتائج المؤتمر وتعيين ثلاثة من المسئولين من جناح أربكان للإشراف على الحزب وتنظيم مؤتمر عام من جديد، ما دفع كورتولموش وأنصاره إلى الاستقالة من حزب السعادة وتأسيس حزب جديد بدلا من الخوض في معركة أخرى مع التيار التقليدي.
هذه التطورات تركت في نفوس المؤيدين لـ"المعارضة الإسلامية" آثارا سلبية ودفعتهم إلى النفور منها وصبت في مصلحة حزب العدالة والتنمية الحاكم. الانشقاق الأول من الحركة الإسلامية السياسية، أي انشقاق أردوغان ورفاقه جرى بشكل سلس نوعا ما مقارنة بانشقاق نعمان كورتولموش وأصدقائه.
فأردوغان ورفاقه لم ينضموا إلى حزب الفضيلة الذي تم تأسيسه بعد حظر حزب الرفاه وأسسوا حزب العدالة والتنمية، وأما كورتولموش وأصدقاؤه فدخلوا في معركة مع جناح أربكان بدت وكأنها مجرد صراع على الكرسي وبالتالي خرج منها الطرفان بالخسارة.
كانت نسبة التأييد لحزب السعادة وصلت إلى 6.5 بالمائة قبل الانشقاق الأخير وكان الحزب مرشحا في رئاسة كورتولموش لتجاوز 10 بالمائة ودخول البرلمان في الانتخابات القادمة إلا أن هذه النسبة تراجعت الآن إلى 0.8 بالمائة حسب ما تشير استطلاعات الرأي.
أما حزب صوت الشعب الذي أسسه نعمان كورتولموش وأصدقاؤه بعد استقالتهم من حزب السعادة فتبدو نسبة التأييد له في استطلاعات الرأي حوالي 0.6 بالمائة فقط.
لا شك أن حزب العدالة والتنمية هو المستفيد الأكبر من تراجع نسبة التأييد لحزب السعادة، ومعظم الناخبين الذين تركوا حزب السعادة اتجهوا إلى حزب العدالة والتنمية لترتفع نسبة التأييد للحزب الحاكم إلى 46.9 بالمائة بعدما كانت 38.8 بالمائة في الانتخابات المحلية في 2009.
كان نجم الدين أربكان يترأس حزب السعادة رغم كبر سنه البالغ 85 عاما إلى أن وافته المنية في السابع والعشرين من شباط / فبراير 2011 وكان يعاني في أيامه الأخيرة من تردي وضعه الصحي ويرقد في مستشفى بالعاصمة التركية إلا أنه لم يترك ممارسة السياسة حتى آخر أنفاسه والتقى مع عدد من قادة الحزب في المستشفى لتدارس الاستعدادات للانتخابات البرلمانية.
إسلاميو السعادة بعد رحيل أربكان!
رحيل الزعيم التاريخي للحركة الإسلامية السياسية خسارة كبيرة لحزب السعادة لأنه كان محل إجماع، الجميع في الحزب كان يسمع كلامه ويطيع، ولأن هناك سؤالا كبيرا أمام حزب السعادة وهو "من سيقود الحزب؟" فمهما كان حجم وثقل من يتزعم حزب السعادة فلا يمكن أن يملأ الفراغ الذي تركه أربكان.
ويرى بعض المراقبين أن فاتح أربكان، النجل الوحيد لنجم الدين أربكان، والذي يتولى حاليا منصبا قياديا في الحزب، قد يترشح لرئاسة الحزب إلا أن آخرين يستبعدون ذلك في هذه المرحلة لكي لا يبدو الأمر كـ"التوريث". ويرى هؤلاء أن رئاسة حزب سيتولاها أحد من المقربين لعائلة أربكان في مؤتمره الذي سينعقد وفقا للقانون خلال 45 يوما بعد وفاة رئيسه.
يواصل حزب السعادة هجومه على حزب العدالة والتنمية وقادته بالتهم نفسها مع تخفيف يسير في لهجته، ولكنه غير قادر على إقناع الناخبين بأن حزب العدالة والتنمية يخدم الأجندة الأمريكية والصهيونية بينما يصفق لمواقف أردوغان المشرفة العالم الإسلامي بأكمله.
وفي نظر بعض المراقبين، فإن هجوم أربكان الراحل والآخرين من قادة حزب السعادة على أردوغان وحزبه يعود إلى عقدة نفسية تشكلت لديهم بسبب عدم تقبلهم لحقيقة أن تلاميذهم نجحوا في تحقيق ما فشلوا فيه.
إسلاميون بنكهة "اشتراكية"
أما حزب صوت الشعب بزعامة نعمان كورتولموش فيعاني بالدرجة الأولى من عدم وجود فراغ في الخارطة السياسية يسمح له بالتحرك، فهو في الغالب لا يعارض إجراءات حكومة أردوغان كما يعارض حزب السعادة، بالإضافة إلى أن انشقاق كورتولموش وأصدقائه من حزب السعادة وتأسيسهم حزبا سياسيا آخر ترك في الشارع التركي ولدى الأوساط السياسية انطباعا بأنهم يقلدون أردوغان وأصدقاءه ويريدون أن يسيروا على نفس الطريق الذي سار عليه حزب العدالة والتنمية.
وهناك اتهامات موجهة لحزب صوت الشعب بأنه خليط من الإسلاميين والليبراليين واليساريين وأن خطابه السياسي يحمل نكهة ما يسمى "الاشتراكية الإسلامية".
تركيا مقبلة على الانتخابات البرلمانية التي ستجري في 12 يونيو/ حزيران 2011 في ظل انقسام وضعف المعارضة الإسلامية. ومن المتوقع أن تجري المنافسة المحتدمة في هذه الانتخابات بين حزب السعادة وحزب صوت الشعب: أيهما يمثل فعلا المعارضة الإسلامية؟ هذا السؤال سيجد جوابه مع فرز الأصوات وظهور نتائج الانتخابات.
كاتب ومحلل سياسي تركي
إسماعيل ياشا
إسلام أون لاين ـ إسطنبول
7/3/2011
ابحث
أضف تعليقاً