wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مداخلة الدكتور محمد طالب عبيدات

دور المثقف العربي في تجسير الهوّة بين المواطن والسلطة

الدكتور محمد طالب عبيدات

وزير الأشغال العامة والإسكان الأسبق

في منتدى الوسطية للفكر والثقافة– ندوة "دور المثقّف العربي في إستنهاض الأمّة"- 22/11/2014

مقدّمة

قبل الحديث عن رؤيتي لدور المثقف العربي في إستنهاض الأمة وتجسير الهوّة بين المواطن والسلطة، لا بدّ من الإشارة أننا هنا نتحدّث عن الوطن العربي بشكل عام وليس عن أي دولة بذاتها، وبالطبع أجد نفسي مضطراً للتعريج على واقع حال هذه العلاقة بين السلطة والمواطن في كثير من الدول في أمتنا العربية والتي تُعاني من حالة تردّي غير مسبوقة في ظل هوان الأمّة وخصوصاً في بعض الدول التي شملها الربيع العربي.

وبالمقابل نعتز بأننا في الأردن تجاوزنا مرحلة عنق الزجاجة في هذا الصدد لثلاثة أسباب: أولاها إمتلاك القيادة الهاشمية المظفرة بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني المعظّم لرؤية إصلاحية إستباقية أساسها كرامة الإنسان وإحترامه وتأطير مواطنته الإيجابية ومشاركته في صنع القرار وإمتلاك أدوات الحوار والإصلاح والسعي لتطبيق القانون، وثانيها إمتلاك أجهزتنا الأمنية لذات الإستراتيجية وسماحها لسلميّة التعبير عن الرأي والحرية المسؤولة، وثالثها وعي المواطن الأردني المنتمي لتراب وطنه الأشم.

 

المعايير الأكثر أهمية للعلاقة بين السلطة والمواطن:

سأستعرض في عجالة، ومن وجهة نظري، المقاييس والمعايير والأسس والمؤشرات والتي أعتقد أنها جُدُّ مهمة لغايات تجسير مسألة تفاقم أوتنامي الهوّة بين السلطة والمواطن في عالمنا العربي، والتي آلت للجفاء أو المناكفة أو زعزعت الثقة أو حتى الصراع في بعض الدول، وهذه المعايير والأسس والمؤشرات تتلخص بما يلي:

  1. الأمن والأمان والإستقرار كمنظومة شاملة للأمن العسكري والسياسي والإجتماعي والغذائي والمائي وغيرها.
  2. فعالية العملية الديمقراطية والحزبية والمؤسسات الديمقراطية، حيث تنامي الإتجاه السلبي نحو قضايا الإنتخابات والحوافز المادية والمعنوية وتدخّلات ممثلي الشعب وعبثهم في منظومة العدالة من خلال قضايا تضارب المصالح وتغليب المصالح الخاصة على العامة، وربما المساهمة في إنتزاع حقوق بعض الناس من خلال التدخّل بمحسوبية لوضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب.
  3. فرص العمل ومؤشرات النمو الإقتصادي، وحل معضلتي الفقر والبطالة، في ظل برامج التصحيح الإقتصادي التي بعضها ينتهج سياسات فرض الضرائب والجباية المالية لا تحقيق النمو الإقتصادي.
  4. العدالة الإجتماعية وتساوي المواطنين دستورياً، في مسائل مهمة كالحقوق والواجبات، والمواطنة الفاعلة، وتوزيع مكتسبات التنمية بعدالة، وإستثمار طاقات الشباب، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتطبيق معايير الكفاءة والإستحقاق بجدارة، وغيرها.
  5. سيادة القانون وهيبة الدولة، حيث وجود حالة من الضعف في هيبة بعض الدول والذي أدّى لإنتشار ظواهر العنف والفوضى والإستقواء على بعض السلطات.
  6. النزاهة والشفافية والمساءلة والعدالة، حيث غيابها يفتح أبواب التشكيك والإشاعة والطعن في القرارات الحكومية من قبل المواطنين على مصرعيه.
  7. الفساد المالي والإداري والفني، حيث العزف على أوتار محاربة الفساد بات موضة العصر حتى وإن كان بعضها إتهاماً جزافاً.
  8. ظاهرة الواسطة والمحسوبية كوسيلة لتجسير الهوّة بين الكفاءة والمعايير المطلوبة وواقع الحال،وخصوصاً في قضايا التعيينات للمراكز العليا والمتوسطة.
  9. المواطنة الإيجابية وغياب مسألة الهوية، وتركيز البعض على النظرة للدولة كدولة رعائية فقط للحصول على مكتسبات وحقوق دون الإلتفات للواجبات المطلوبة من المواطنين، بالإضافة لإنتشار الأنماط الإستهلاكية المُكلفة.
  10.  حالة الحوار والتوافق الوطني وغياب سياسات الإسترضاء والإقصاء والتفرّد بالرأي.
  11. القطاع الخاص والإهتمام بدوره كشريك للقطاع العام في عملية التنمية الشاملة، والتركيز على القطاع العام وإعتباره مشاع عام وخصوصاً بعد إنتشار قضايا الخصخصة في بعض الدول.
  12. المؤسسية والتخطيط الإستراتيجي والمواطنة المسؤولة، حيث غيابها يؤدي لتخبّط السلطات والفزعة في إتخاذ القرارات.
  13. حقيقة ووضوح المعلومة الحكومية، حيث تباين أو تردّد أوتلكؤ أو تناقض التصريحات أو الروايات الحكومية أو حتى تأخرها في تبيان الحقائق للرأي العام يؤول إلى جو من الضبابية والتشكيك في العلاقة بين السلطة والمواطن.
  14.  مستوى توقعات المواطنين من الحكومات، حيث طرح حلول العصا السحرية والتغييرات الجوهرية بين عشية وضحاها، في ظل المجتمعات الإستهلاكية، يجعل المواطن يرفع سقف توقعاته ليتأمل حل مشكلاته المالية والإقتصادية وحتى الإجتماعية والسياسية بكبسة زر.
  15. فعالية دور الإعلام المسؤول كسلطة رابعة ودور المواطن المثقّف كسلطة خامس للتوطئة وتوضيح القرارات الحكومية.
  16.  إدارة الأزمات والقدرة على حماية المال العام وصون مصالح المواطن وتحقيق الخدمة المُثلى له، حيث أن كل الخطط الحكومية يجب أن تنعكس على المواطن ويستشعر بحياة أفضل من خلالها.

 

 

إجراءات السلطات الحكومية لتجسير الهُوّة

تالياً بعض الإجراءات الحكومية والتي من الممكن أن تُجسّر الهوّة بين السلطة والمواطن:

  1. إدراك الحكومة وإيمانها بوجود هذه الهُوّه بينها وبين المواطن.
  2. دعم الأجهزة الأمنية لإحكام حالة الأمن الشامل والإستقرار وديمومتها.
  3. دعم نهج سيادة القانون وتطبيقه بعدالة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتطبيق مبادئ الإستحقاق بجدارة وتكافؤ الفرص وقيم العدالة والمساواة وغيرها.
  4. دعم نهج حكومات الأغلبية البرلمانية تدريجياً للوصول لحكومات منتخبة وحكومات ظل.
  5. إستعادة هيبة الدولة من خلال تطبيق القانون بعدالة وصرامة والمواطنة الفاعلة والمسؤولة ووسائل الحوار الوطني.
  6. إيجاد الوسائل التي تكفل مشاركة المواطن في التوجهات الديمقراطية كافة بدءاً من البرلمان ومروراً بالبلديات ومنظمات المجتمع المدني والحكم المحلي ووصولاً لقضايا اللامركزية.
  7. ضمان نزاهة الإنتخابات وشفافية العملية الإنتخابية، والإيمان بأن العملية الإنتخابية هي الضامن الأساس لنجاح الإصلاح السياسي على الأرض.
  8. الحوار والصدق والمكاشفة في قضايا مفصلية كمسائل الحوار الوطني ومراجعة القوانين الناظمة للحياة السياسية والإقتصادية والحوار الإقتصادي وغيرها.
  9. تحقيق الفرص والبرامج الإقتصادية والإستثمارية والشراكات مع القطاع الخاص، والتمييز بين مسألتي التنمية الإقتصادية والإيرادات المالية.
  10. إيجاد البيئة المناسبة لإنضواء المواطنين تحت الأحزاب الوطنية ذات الطابع البرامجي، سعياً لإفراز حكومات برلمانية منتخبة من الشعب ومن تحت قبة البرلمان.
  11. تعزيز نمو الإقتصاد الوطني وتخفيف معاناة المواطنين المالية والمعيشية من خلال إيجاد فرص العمل وزيادة المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتعاونيات للقضاء أو على الأقل التخفيف من معضلتي الفقر والبطالة.
  12. تعزيز الوحدة الوطنية ومحاسبة العازفين على أوتار الإقليمية الضيقة والطائفية والمذهبية والعرقية والمناطقية وقضايا التطرف والغلو.
  13. تعزيز الثقافة الديمقراطية والتربية المدنية وإحترام الرأي والرأي الآخر والإنخراط في صفوف الأحزاب الوطنية الفاعلة.
  14.  زيادة الوعي المجتمعي والحرص على مقدرات الوطن لمواجهة التحديات.
  15.  وضع البرامج والسياسات والإستراتيجيات الإقتصادية التي تبتعد عن مبادىء الجباية المالية من المواطن وتركّز على تحسين الوضع الإقتصادي وتخفيض الأسعار ليشعر المواطن بذلك وتنعكس عليه كل الإجراءات الحكومية إيجاباً لا سلباً.
  16.  إيجاد الوسائل اللازمة ليضطلع الإعلام ووسائل الإتصال الإجتماعي والمواقع الإلكترونية بدورهم الوطني لإيصال الرسائل الإعلامية لا لتأجيج حالة عدم الثقة بين السلطة والمواطن.

 

 

الحالة الأردنية

نمتلكفي المملكة الأردنية الهاشمية بحمد الله تعالى وبفضل قيادتنا الهاشمية المظفّرة رؤى عصرية مُثلى لغايات تجسير الهوّة بين السلطة والشعب، فخريطة الطريق الإصلاحية الشاملة في جميع النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتربوية والتي تتمثّل في رؤى جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين المعظم هي البوصلة الرئيسة التي تضمن تجسير أو ربما ردم الهوّة بين الحكومة والشعب.

 

وتالياً بعض الملامح الرئيسة لنجاحات الحالة الأردنية في هذا الصدد:

  1. إصلاحات دستورية شاملة للقوانين الناظمة للحياة السياسية فيما يخص قوانين الإنتخاب والأحزاب والبلديات والحكم المحلي واللامركزية والهيئة المستقلة للإنتخابات والمحكمة الدستورية.
  2. المحافظة على الأمن والإستقرار في خضم إقليم شرق أوسط ملتهب كنتيجة لوجود ثالوث القيادة الهاشمية والأجهزة الأمنية والشعب الأردني في خندق الوطن.
  3. الفصل بين السلطات وإيجاد الضمانات الدستورية الكفيلة بعدم تغوّل أي سُلطة على الأخرى.
  4. إحترام الدستور وتغليب المصالح الوطنية العليا على كل المصالح الضيقة.
  5. السعي لإنتخابات برلمانية وبلدية شفافة ونزيهة في ظل تعددية حزبية تمثّل ألوان الطيف كافة.
  6. السعي لتشكيل حكومات برلمانية تمثّل أغلبية برلمانية أو إئتلافات برلمانية، بالإضافة لحكومات ظل من رحم البرلمان المُنتخب من الشعب.
  7. السعي لبلورة قانون إنتخابات عصري توافقي من خلال حوار وطني مسؤول.
  8. وحدة وطنية ونسيج إجتماعي وجبهة وطنية متماسكة بالرغم من حالات اللاجئين المُستضافين من الدول المجاورة بإسم حقوق العروبة والإسلام والجيرة والنسب والمصاهرة وغيرها.
  9. إحترام لحقوق وكرامة الإنسان، وإطلاق لحريّة الفكر والتعبير عن الرأي بمسؤولية وفق الدستور.
  10. السعي لتطوير البيئة الإستثمارية وتحسين الفرص الإقتصادية وإيجاد برامج لمحاربة الفقر والبطالة وإيجاد فرص العمل وتنمية المحافظات.
  11. السعي للشراكة بين القطاعين العام والخاص خدمة للمواطن وتحسين أحواله المعيشية.
  12. إيجاد المؤسسات الكفيلة بمحاربة الفساد والضامنة لوقف التغوّل على المال العام.
  13.  الدعوة للوسطية ومحاربة الغلو التطرّف من خلال المنابر التعليمية والتربوية والإعلامية والدينية والثقافية والإعلامية وغيرها لغايات تعزيز ونُصرة الإسلام المعتدل أمام التطرّف المُسيء للدين.
  14.  التحرر تدريجياً من مفهوم الدولة الرعائية للتوجّه صوب الإقتصاد الحُر.

 

 

 

 

 

 

 

دور المثقفين لتجسير الهوّة بين الحكومة والشعب

للمثقف العربي دور هام جداً في تجسير الهُوّة بين المواطن والسلطة حيث حالة الوعي وتقدير المواقف والقُدرة على التوضيح والإقناع والتوجيه وغيرها، فمن يظُن أن مَنْ حرّر فرنسا هو ديغول يجهل هذا الدور حيث أن مَنْ حرّرها فعلاً هم المثقفون مثل سارتر الذي إلتفّ الشعب حوله لثقتهم به والذي أطلق كلمات ورؤى جعلت الشعب يلتفّ حول ديغول، والأمثال على ذلك من التاريخ كثيرة.

وأثبتت الدراسات أن قادة الرأي من المثقّفين أولويات همومهم إقتصادية وسياسية ومن ثم تأتي قضايا الفساد والواسطة والمحسوبية في أولوياتهم، بيد أن العينات الوطنية للعموم يطغى على همّها الوضع الإقتصادي والمالي ومن ثم الخدمات فالفساد المالي، بيد أن الإصلاحات السياسية لا تهم أكثر من ثُلثيهم.

ولذلك فالمثقفون يمتكون الحكمة والمعرفة وتقدير المواقف ليقوموا بما هو آت:

  1. إمتلاك الرأي الوازن والمهتم لمصلحة الوطن والسلطة والمواطن بعيداً عن كل المكاسب والإنتهازية السياسية ولغة عزف الأوتار.
  2. إمتلاك لغة مُقنعة وتوضيحية لأخذ دور السُلطة الخامسة لإقناع الطرفين ببعض، فالمثقفون يضعون المواطنين بصورة صحّة القرارات الحكومية لخدمة المواطن، وبالمقابل يضعون الحكومة بمطالب المواطنين وأولوياتها.
  3. المساهمة في تكوين رؤية عصرية ومفاصل رئيسة لبرامج حكومية إصلاحية واضحة المعالم تستهدف إستعادة الثقة بين الطرفين: المواطن والسلطة.
  4. تعميق لغة الحوار وإحترام الرأي والرأي الآخر بين المواطنين، ونشر الثقافة الديمقراطية والتربية المدنية وثقافات مهارات الحياة العصرية بينهم.
  5. الإنخراط بالأحزاب السياسية وتشجيع المواطنين على ذلك، وبلورة برامج سياسية وإقتصادية نافعة للمواطن والحكومة، وإعادة ثقة الناس بالأحزاب السياسية بُغية تقويتها وتعظيم دورها صوب تشكيل الحكومات البرلمانية الفاعلة.
  6. المساهمة في تحسين الوضع الإقتصادي والمالي للمواطن من خلال تأطير الأولويات الإقتصادية الحكومية، والطلب من المواطنين الشراكة في المشاريع ذات الجدوى الإقتصادية الناجحة كالمشاريع الصغيرة والمتوسطة.
  7. إمتلاك معادلة مُقنعة وتوفيقية لتوضيح وتفسير ما تقوم به الحكومة من قرارات لأنها لا تستطيع تفسيرها بحكم الإتهامية بين الطرفين وتحتاج لشخص واعي ومسؤول ومواطنته إيجابية للقيام بهذا الدور، ومن أمثلة ذلك تفسير قرارات رفع الدعم عن المحروقات والمديونية وعجز الموازنة وغيرها.
  8. وجود المثقّف في الجسم الحكومي يُشعر المواطنين بأن الحكومة تُمثّله وأن إختيار الدولة لرجالاتها يكون وفق معايير وأسس الكفاءة والجدارة وأن القاعدة الشعبية راضية عنها ويهمها مصالحهم.
  9. وجود المثقّف بالجسم الحكومي أيضاً يجعله يطالبها بإجراءات عامة تُريح الناس أو تنعكس على المواطنين إيجاباً، فعلى سبيل الأمثلة: إصلاح القطاع العام والحكومة الإلكترونية وتبسيط الإجراءات الحكومية وغيرها.

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.