wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مخاطر تصنيع التفكك داخل الأمة الإسلامية
السبت, July 2, 2011

د. رفيق حبيب

من طبائع الأمم والشعوب، نعرف المميزات الحضارية لها، ونعرف أيضا نقاط القوة والضعف، ثم نفهم كيف تتحول نقاط القوة إلى نقطة الضعف، وكيف تتبدل حال الحضارة بين حالتها الناهضة وحالتها المتردية.
والحضارة الإسلامية مثلت حضارة للعديد من القوميات والعرقيات، وانتمى لها المختلفون في المذهب والمختلفون في الدين. وكانت الحضارة الإسلامية ممثلة لوحدة واسعة، بداخلها تعدد واسع. فأصبحت بالفعل حضارة التنوع في الوحدة. وتنوعها كان قوميا وعرقيا ودينيا ومذهبيا، ووحدتها تحددت في إطارها الجامع، والمتمثل في مرجعية القيم الحضارية الإسلامية، والتي تنبع من مرجعية الشريعة الإسلامية، وتصان بها. فكانت المرجعية الإسلامية العليا، هي الإطار الجامع والمنظم لكل التعدد الداخلي. أما حالة التعدد الداخلي، فأصبحت مصدرا لثراء الحضارة الإسلامية، ومصدرا لقدرتها على تجديد نفسها. فالحضارة الإسلامية تتجدد من خلال التنوع والثراء الداخلي، والمتوحد داخل إطار جامع مانع، يتمثل في المرجعية الإسلامية، أي مرجعية الشريعة الإسلامية.

مسار السقوط

تعرضت الأمة الإسلامية لحالة ضعف داخلي، في نهايات الدولة العثمانية، ولم تكن هي أول مرحلة من مراحل الضعف، ولكنها كانت المرحلة التي أعقبها السقوط. ففي مراحل الضعف السابقة، جمعت الأمة قوتها من جديد، وامتلكت قدرتها على التجديد الداخلي، وأفادها التنوع الداخلي، الذي يسمح بظهور فئة أو جماعة فتية، تعوض ضعف فئة أو جماعة أخرى. وكان كل تجديد أعاد للأمة صعودها وتقدمها، حدث في ظل وحدتها، والمتمثلة في وحدة مرجعيتها، والتزام الأمة بقيمها وشريعتها. وظل الإطار المرجعي الحضاري الجامع، هو مصدر قدرة الأمة على تجديد نفسها من داخلها، لأن هويتها كانت حاضرة، ومرجعيتها كانت فاعلة.
ولكن عندما ضعفت الدولة العثمانية، وأسقطت الخلافة، ثم أسقطت المرجعية الحضارية العليا، والهوية الجامعة للأمة، وأسقطت مرجعية الشريعة الإسلامية، تحطم الإطار الجامع للأمة. وعندما غابت الوحدة، لم يبق إلا التنوع. ولم تستطع الأمة تجديد نفسها مرة أخرى، لأنها فقدت الرباط الجامع، وفقدت مصدر قوتها، ولم تعد تمثل التنوع في إطار الوحدة، بل أصبحت تمثل التنوع بدون إطار الوحدة. 

التنوع والتفكك

بدون الإطار الجامع أصبح التنوع نوعا من التفكك، فتعدد القوميات والأعراق، صار سببا في تفكك الأمة. ولم يكن هذا التفكك نابعا من داخل الأمة فقط، بل كان أيضا وسيلة الاستعمار الغربي للهيمنة على الأمة الإسلامية. لذا أصبح تصنيع التفكك عملا منظما، يراد به تفكيك الأمة. ولأن الإطار الجامع للأمة لم يعد فاعلا في حياتها، لذا تفككت قوميات وأوطان الأمة. ولم تعد تمثل تنوعا في إطار الوحدة، بل أصبحت تمثل تنوعا متناقضا، يضعف الأمة ويهدر طاقاتها.
وتحولت نقطة القوة الأساسية في الأمة الإسلامية، إلى نقطة الضعف. فالتنوع في إطار الوحدة مثل نقطة قوة للحضارة الإسلامية، ولكن مع غياب الإطار الجامع، تحول التنوع إلى نقطة الضعف، والتي تساعد على إبراز عوامل الضعف الداخلي، كما تساعد قوى الاستعمار والهيمنة الخارجية على تحقيق سياستها القائمة على تجزئة الأمة الإسلامية، حتى يسهل الهيمنة عليها.
بهذا تشكل المسار الهابط للحضارة الإسلامية، متمثلا في تفكك الروابط التي تربط بين أوطان الأمة الإسلامية، فبدأت دائرة الانتماء للجامعة الإسلامية تضعف، وتبرز دوائر الانتماء الأخرى تدريجيا، فتظهر دائرة الانتماء العربي والمصري، وغيرها. وهي تمثل مرحلة النزول من الانتماء العام إلى الخاص. وقد فرض تحدي الاستعمار في البداية التركيز على الدوائر الصغرى، فلم يكن من الممكن التفكير في تحرير أوطان الأمة، قبل تحرير كل وطن منها.
وهكذا ظهرت نزعات التحرر الوطني، ولم تكن كلها على حساب الانتماء العام، ولكنها كانت محصورة في الانتماء القومي والوطني، لأن بدونه لا يمكن تحرير كل الأمة الإسلامية. ولكن مسار التفكك كان يتعمق تدريجيا، فتبدأ دوائر الانتماء في الضيق تدريجيا، وتتحول الدائرة القومية إلى بديل عن الدائرة الحضارية الإسلامية تدريجيا.

الضيق المتتالي

إذا نظرنا إلى تجربة القومية العربية، نجد أنها تشكلت كفكرة منفصلة عن الدائرة الإسلامية، مما جعلها فكرة قومية، لا تمتد بجذورها في التاريخ الحضاري للأمة، حتى باتت معادية للانتماء الإسلامي في النهاية. ومع تقلص دائرة الانتماء من الدائرة الإسلامية، إلى الدائرة العربية، توالت مراحل تضييق الهوية بعد ذلك، حتى صارت القومية القطرية هي السائدة.
ومعنى هذا أن فقدان الرابط الجمعي الأساسي، يجعل دائرة الانتماء تضيق تدريجيا وتنحصر بصورة متتالية، لأن الرابط العام للانتماء لم يعد فاعلا. فلم تستطع فكرة القومية العربية المحافظة على أي إطار جامع لها، ولم تكف الرابطة القومية للحفاظ على الانتماء العربي، بل ظل الانتماء العربي يضيق، حتى ضاعت الرابطة القومية العربية، وحلت مكانها الرابطة القومية القطرية.
هنا يتضح أن لكل أمة طبيعتها، فالأمة الإسلامية ليست أمة قومية، ولا تستند على القومية، ولا تقوى بالقومية، فأصبحت القومية تضعفها، كما أصبحت الدائرة القومية، مثل الدائرة العربية، ضعيفة وغير قابلة للصمود والبقاء. فلم تحل الرابطة العربية مكان الرابطة الإسلامية، لأنها لم تنجح في تثبيت رابطتها بين الشعوب. فقد كانت رابطة مستمدة من التاريخ، ولكنها لم تحمل قيم التاريخ.
فلم تكن القومية العربية، إلا مشروعا علمانيا قائما على تقليد النمط القومي الغربي، ولو كانت القومية العربية قائمة على الميراث الحضاري العربي، وتستمد قيمها من الرابطة الحضارية العربية، لكانت تحولت إلى رابطة عربية بداخل الرابطة الإسلامية، ولكن عزل الرابطة العربية عن التاريخ، حتى تتشكل كرابطة قومية لا ترتبط بالقيم الدينية، جعل الرابطة القومية العربية نبتا غريبا لم يصمد، فتصدعت الرابطة القومية العربية وتفككت.
وتأكد هنا مسار الهبوط الحضاري للأمة الإسلامية، فهي في مرحلة التراجع تندفع نحو المزيد من التفكك، ويساعد على ذلك التدخل الخارجي والهيمنة والاستعمار، والذي يقوم على سياسة فرق تسد. ولكن العوامل الداخلية أيضا تساهم في عملية التصدع والتراجع، وتتضاءل فرص استعادة وحدة الأمة، وتستمر في طريق التفكك.
وتتفكك الروابط القومية الكبرى، وتحل محلها الروابط القومية الصغرى. وهكذا تطل القومية المصرية، لتحل محل القومية العربية، وتنحصر القوميات الأخرى داخل حدود الدولة القومية القطرية، ويتراجع الانتماء العابر للقومية والقطرية، ويحل محله الانتماء القطري الضيق. ولكن هذا الانتماء أيضا، لا يستند على مرجعية حضارية، وليس له جذوره التاريخية الحضارية الصلبة، فهو انتماء يقوم على تفكيك الروابط التاريخية الحضارية، ويستند على التبعية للغرب، وإعادة إنتاج النموذج الغربي السياسي. ويصبح الانتماء القومي القطري بلا جذور تمكنه من البقاء، فهو حالة تفكك، وليس حالة أصيلة. وهنا تتضح المشكلة أكثر، فالقومية والقطرية لم تستطع أن تمثل بديلا حضاريا جديدا، بل ظلت حالة تراجع، وظلت تمثل حالة الضعف والتبعية.
ويستمر التفكك، فبعد القومية القطرية، يتفكك الوطن الواحد، وكأن سلسلة التفكك لا تنتهي. فلم تشيد الدولة القومية القطرية رابطة انتماء قوية، بل أصبحت تلك الدولة نتاج الضعف والتراجع، وسرعان ما أصابها التفكك أيضا. ودخلت البلاد العربية والإسلامية في مرحلة تفكك الوطن الواحد، وهي قد تكون المرحلة الأخيرة في التراجع الحضاري. فعندما يتفكك الوطن الواحد والمجتمع الواحد، وتبدأ مرحلة الصراعات الداخلية، ومرحلة الحرب الأهلية والفتن الداخلية، تصل الأمة إلى أقصى درجات التفكك. وتفشل الدول القومية القطرية في الحفاظ على وحدة جماعتها ومجتمعها، أو وحدة قوميتها، ويتضح أن القومية ليست رابطة قوية تجمع، بل هي رابطة تفرق. ويتضح أن القومية بالنسبة للأمة الإسلامية، نوع من العصبية التي تضييق باستمرار حتى تصل إلى أضيق دائرة، فتفكك المجتمعات. فبعد تفكك الأمة إلى أوطان، يتفكك الوطن الواحد إلى جماعات، وتصل الأمة إلى المرحلة الأخيرة في التفكك.

الحرب الأهلية

مع سقوط دوائر الانتماء الفرعية بصورة متتالية، والوصول إلى أضيق دائرة قطرية، ثم تفكك تلك الدائرة بعد ذلك، يتضح أن كل دوائر الانتماء المصطنعة، وأيضا دوائر الانتماء البديلة، والتي تحل محل الانتماء العام الأساسي للأمة، تنهار بفعل عدم مصداقيتها، وعدم قدرتها على تحقيق انتماء قوي مترابط. ومع السقوط المتتالي لدوائر الانتماء، تسقط أيضا المشاريع السياسية المرتبطة بها، حتى باتت المشاريع القومية تتساقط واحدة بعد الأخرى.
ويعد مسار السقوط المتتالي لدوائر الانتماء، ممثلا لقاعدة مهمة في مسار الحضارة الإسلامية، فهو نوع من الرفض التلقائي الضمني لكل انتماء بديل عن الانتماء الجامع، وهو أيضا يؤكد فشل الحلول البديلة، ويعيد أهمية الحل الأصيل، أي الانتماء العام للمرجعية الحضارية الإسلامية. لذا فإن تفكك المجتمع الواحد، ليس في حقيقته تدميرا للانتماء الإسلامي العام، بل هو تفكيك للانتماءات القومية والقطرية البديلة. فبعد تفكيك الانتماء الإسلامي، وقيام انتماءات أخرى بديلة، بدأت هذه الانتماءات في التفكك، ومعها تتفكك مشاريعها السياسية، القومية والقطرية والعلمانية. وما تمر به الأمة في مرحلة التفكيك العميق، هو عملية إفشال تلقائي للانتماءات البديلة.
وعندما تشتعل الحروب الأهلية، أو الحروب شبه الأهلية، تدخل الأمة في مرحلة تفكيك البدائل الدخيلة عليها. وتظهر مرحلة فشل القوميات والهويات التي استخدمت لضرب الهوية الإسلامية الجامعة. ورغم شدة التفكك الحادثة، فإنها تمهد الأرض لعودة الهوية الأصلية، بما يحدث من إزالة لآثار الهويات البديلة. فبعد أن كانت الهوية العربية بديلا عن الهوية الإسلامية، سقطت الهوية العربية، ولم تعد قادرة على البقاء والاستمرار بدون السند الإسلامي. وأيضا بعد سقوط الهوية العربية، وقيام الهوية القومية مثل المصرية، تسقط الهوية المصرية، ويثبت أنها غير قادرة على البقاء، بدون السند العربي والإسلامي.

العودة إلى الجماعات

المسار الحالي لتاريخ الأمة الإسلامية، يؤكد على أننا في مرحلة العودة إلى الجماعات الصغيرة الضيقة، والتي تستند إلى هوية قومية خاصة بها. والجماعات الصغيرة، تمثل أقل دائرة متجانسة، وليس بها تعدد داخلي، بل هي التي تمثل عناصر التعدد على مستوى الوطن الواحد، وبالتالي على مستوى الأمة. فالمكونات المتعددة التي شكلت الأمة، تميل الآن إلى الانفصال، حتى نصل إلى مرحلة التفكك الكامل. وفيه لا نجد مجتمعا متجانسا، فكل مجتمع يتفكك إلى مكوناته، كما تفككت الأمة إلى مكوناتها. عند هذه المرحلة سوف يصبح الحديث عن الوطن، حديث خياليا أو افتراضيا. ويصبح الحديث عن المجتمع الواحد، حديثا غير واقعي. وبهذا تعود الأمة، لتصبح في حالة من حالتها الأولى، حيث هي جماعات كثيرة مختلفة ومتباينة.
من الواضح من مراحل المسار الحضاري الإسلامي، أن تلك اللحظة من التفكك العميق، هي التي تسبق مرحلة التوحد الفعلي والعملي. فبداخل الجماعات المتفرقة الصغيرة، يتشكل الشعور بالغربة، وتتشكل معه حالة الحرمان من الأمان الاجتماعي، والشعور بالحرمان من الحاضن الاجتماعي الذي يحمي الفرد ويحمي الجماعة الصغيرة. وبهذا يصبح التفكك العميق هو الخطوة اللازمة لبدء تشكل الوعي بالحاجة للوحدة.

العودة للوحدة

داخل التفكك العميق تبدأ مشاعر الأمة بالوحدة تتزايد، ومع شدة الدخول في حالة النزاع والحرب الأهلية، تنمو مشاعر الأمة بوحدة هويتها وحضارتها. وكأن التفكك الكامل شرط بداية الوعي بالوحدة، أو كأن مأساة التفكك وما تؤدي له من نزاعات وحروب، هي الشعلة التي تفجر الهوية الجامعة مرة أخرى. لذا فإن الأمة تسير في مسار التفكك العميق، ومعه تبدأ بذور الحاجة للوحدة في التشكل من جديد. ولأن التفكك العميق يزيل كل المشاريع البديلة والهويات البديلة، لذا فهو يمهد للوعي المتفجر من جديد أن يقيم هويته الإسلامية الجامعة، دون عرقلة المشاريع البديلة.
وهنا يتضح أن التفكك العميق كان دليلا على فشل المشاريع البديلة، وكان لازما لتفكيك المشاريع البديلة، ومعه يتضح أن للأمة الإسلامية هوية خاصة بها، وأن هذه الهوية دينية في الأساس وعابرة للقومية، وأنها الهوية التي تحقق تماسك الأمة، وبدونها لا تستطيع الأمة تحقيق التماسك داخل أي هوية فرعية أو داخل أي دائرة انتماء فرعية. ولأن الهوية القومية والعرقية، لم تحقق الوحدة ولو لجزء من الأمة، ولم تحقق أي قدر من التماسك للجماعات الوطنية، لذا أصبح من الجلي أن الأمة لا تستقر هويتها إلا في الإطار العابر للقومية، والذي يستند لقيم الدين، وقدرته على التوحيد.
وعليه يمكن القول: إن الأمة تمر بمرحلة التفكيك العميق، ومعه ينمو الوعي بوحدة الأمة الإسلامية، وتدفع الأمة ثمنا باهظا للنزاعات الداخلية، ولكنها تتخلص من المشاريع البديلة والمزيفة. وتتوقف قدرة الأمة على عبور تلك المرحلة، على معدل نمو وعيها بهويتها الجامعة، وقدرتها على بداية مرحلة التوحيد مرة أخرى، خاصة في مواجهة القوى التي تريد الحفاظ على تفكك الأمة.

2/7/2011

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.