wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مؤتمر الوسطية في عمان نموذجا: تجسير الهوة بين الأنظمة والشعوب
الاثنين, June 1, 2009 - 04:45

  عندما تذهب لحضور مؤتمر تعقده جمعيةٌ من جمعيات المجتمع المدني في بلد عربي، فتجد أن زميلك على المنصة نائبٌ لرئيس الوزراء ووزيرٌ للصناعة والتجارة في ذلك البلد، وأن على يمينه سفيراً سابقاً. عندما يكون هذا تجربةً تعيشُها شخصياً ولا تسمع عنها من خلال القيل والقال، تشعر أن شيئاً قد بدأ يتغير في واقعنا العربي المعاصر.. وعندما تحضرُ فعاليات هذا المؤتمر فترى رئيس وزراء سابق ورئيساً حالياً لمجلس النواب وأكثر من وزير ونائب على رأس عمله يشاركون في المؤتمر على جميع المستويات، تقديماً للأوراق وإدارةً للجلسات وتعليقاً على البحوث والدراسات، عندما ترى هذا بأم عينك وتعيش ملابساته وأجواءه وتسمع ما يُقال شخصياً، يزداد شعورك بأن أمراً ما قد بدأ يتحرك في الاتجاه الإيجابي في المنظومة السياسية العربية، خاصةً على صعيد تجسير الهُوّة التي كانت تفصل بين الشعوب والأنظمة في هذا العالم العربي..

     كان هذا هو الانطباع الأول والأكثر قوة لديّ خلال حضوري المؤتمر الدولي الأول حول وسطية الإسلام، والذي انعقد في العاصمة الأردنية عمان منذ بضعة أيام. والحقيقة أن مجرد انعقاد المؤتمر كان يمثل نقلةً نوعيةً على صعيد بَلورة ومَأسسةِ التصور الوسطي المعتدل للإسلام ديناً وثقافةً، بل ولاستعادة الفهم المقاصدي المتوازن الأصيل الذي اختطفه وشوَّهَ معالمه الغُلاةُ والبُغاة الذين تحركهم على هذه الأرض عواطف لا يضبطها علم، وحماسٌ لا تحكمه معرفة، واندفاعٌ لا تُوجِّههُ حكمة.

     وقد كان مُعبِّراً أن تحرص إدارة منتدى الوسطية للفكر والثقافة التي نظمت المؤتمر بنجاح مشهود على دعوة شريحة متعددة الأطياف من المثقفين والنشطاء والعلماء والسياسيين المهتمين بتأصيل وترسيخ الفكر الوسطي نظرياً وعملياً في جميع مناشط الحياة المعاصرة. الأمر الذي مكَّنَ حضور المؤتمر من الحوار حول أسئلةٍ متنوعة تتعلق بالتصور الوسطي في جملةٍ من تلك المناشط. فقد كان من بين الحضور على سبيل المثال الدكتور عطاء الله مهاجراني وزير الثقافة الإصلاحي الإيراني السابق ومستشار الرئيس خاتمي حاليا، والدكتور عصام البشير وزير الأوقاف السوداني، والدكتور محمد سليم العوا المفكر والقانوني العربي المعروف، والدكتور صالح الوهيبي رئيس الندوة العالمية للشباب الإسلامي والدكتور عبد الملك منصور سفير اليمن في تونس والدكتور هيثم الخياط كبير مستشاري المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط والدكتور رضوان السيد، ومعهم الدكتور منصور الجمري رئيس تحرير صحيفة الوسط والمهندس أبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط الجديد في مصر، والناشط السعودي الدكتور محسن العواجي والمحامي منتصر الزيات، وغيرهم من المثقفين من العالم العربي والإسلامي والجاليات العربية والإسلامية في أوروبا وأمريكا الشمالية. ولقد قصدت استعراض هذه الأسماء لأن من يعرف أصحابها يعرف حقيقة وجود اختلاف في توجهاتهم في كثير من القضايا.. رغم ذلك، فقد جاءت مشاركتهم في هذا المؤتمر لتُبيّن درجة إدراكهم لضرورة الحوار حول الرؤية الوسطية للإسلام، وإدراكهم قبل ذلك وبعده لأهمية ارتفاع صوتهم بشكلٍ مشترك، من باب كونهم يمثلون شرائح عديدة في المجتمعات العربية والإسلامية، وهي شرائح ترفض بالتأكيد أي ظلمٍ يحيق بالعرب والمسلمين من أي جهة كانت، ولكنها ترفض وبنفس القوة الظلم الذي يُمارس على ثقافتها ودينها وهويتها الحضارية حين يجري تقديمها للعالم في إطارات الغلو والعنف والتطرف من جانب قلةٍ صاخبة الصوت عالية الضجيج..

     صحيحٌ أن الأمر لا يزال في بداياته وأن ما جرى إنما يمثل خطوةً أولى على طريق طويل يجب أن يستمر السير فيه طويلاً..، ولكن انعقاد المؤتمر يمثل خطوةً استراتيجية آن أوانها منذ زمن طويل. من هنا، اختلفتُ مع بعض من قال في المؤتمر إنه، أي المؤتمر، وضّح بشكل نهائي أبعاد وملامح مصطلح الوسطية، وذكرتُ أن ذلك التوضيح أتى في إطار المفاهيم العامة والمحددات الإجمالية للمصطلح، وأن هناك حاجةً ماسةً بعد ذلك للتصدي لمهمةٍ أكثر صعوبةً وحساسة تتعلق بتنزيل الأطر والتعريفات العامة التي جرى الحوار فيها على جوانب الحياة البشرية أدباً وفناً واقتصاداً واجتماعاً وسياسة.. ولئن استخدمتُ سابقاً المثال المعبِّر الذي يُتداول في الغرب ويقول بأن الشيطان يكمن في التفاصيل، فإنني لعلى ثقة هنا أيضاً بأنه سيتبين لأولئك المثقفين الذين اجتمعوا في المؤتمر، عند نزولهم للبحث على مستوى التفاصيل، بأنهم لا يتحدثون عن (وسطيةٍ) واحدة وإنما عن (وسطيات) فيها درجة من التنوع والاختلاف..

     قد يرى البعض إذا ما فكر بدرجةٍ من السطحية والاستعجال أن ما نقوله يقدح في نجاح المؤتمر وأهميته، غير أن ما يغفل عنه هؤلاء يتمثل في الإنجاز الضخم الذي تَرتَّب على انعقاد المؤتمر عملياً وفكرياً. فعلى الصعيد العملي، ظهر للمؤتمِرين ولكل من شارك في المؤتمر وتابعه، بل وظهر للرأي العام العربي والعالمي أن هناك نوعاً من الإجماع المبدئي على ضرورة الانطلاق من التصور الوسطي على صعيد فقه الدين والتعامل مع قضايا الواقع المعاصر والتفاعل مع الآخر أياً كان. وهذا النوع من الإجماع يحمل دلالات عملية ومعنوية حسّاسة لأنه يُمثلُ موقفاً يُفترض أن تترتب عليه مسؤوليات وأن تكون له تَبعات.. خاصةً وأن هذا الإجماع جاء من شريحةٍ، لا يمكن الادّعاء بأنها تمثل جميع العرب والمسلمين، وإن كان يمكن القول بأنها تمثل شرائح واسعة ومؤثرة منهم.

     أما على الصعيد الفكري والثقافي فقد كان من الضرورة بمكان أن تبدأ محاولات صياغة وتحديد ما سيُطرح منذ اليوم على أنه الرؤية الوسطية للإسلام في كل جانب من جوانب الحياة البشرية المعاصرة. ذلك أن من غير الممكن منهجياً الوقوف عند مرحلة رسم الخطوط العامة للمفهوم، فهذا يمكن أن يؤدي بسهولة إلى تحويله من مفهوم ثوري رائد يولِّدُ ويبثُّ روحاً جديدة في الواقع العربي والإسلامي إلى شعارٍ سياسي وديني يرفعه عشوائياً أي إنسان وتحتمي تحت مظلته أي جماعة.. وبدون ذلك التحديد تختلط الأمور، فيدَّعي الوسطية مثلاً من يُقدِّرُالأصناف الراقية من الفنون والجماليات، ويدّعي الوسطية في الوقت نفسه من ينظر إليها نظرة قطيعةٍ وخوفٍ وعداء وتحريم.. ويدّعي الوسطية من يقبل الحوار بجميع أنواعه وفي كل موضوع من المواضيع ويدافع عن التداول السلمي لجميع الآراء، ويدّعيها أيضاً من يمارس الحوار بانتقائية ويضع شروطاً وموانع وقيوداً يفقد معها ذلك الحوار كل معانيه.. ويدّعي الوسطية من يريد أن يفتح الباب مُشرعاً أمام المرأة العربية والمسلمة لتوظيف طاقاتها في بناء المجتمع وتنميته وفقاً لدائرة ضيقة من الشروط الشرعية المقاصدية، ويدّعيها كذلك من يُوسّع تلك الدائرة بشكل تختفي فيه مقاصد التشريع وتحل محلّها تطبيقات وقوالب تقليدية تاريخية وأفهام إقليمية نتجت عن ظروف اقتصادية واجتماعية وثقافية في غاية الخصوصية.. ويدّعي الوسطية أخيراً من يدرك ضرورة تجسير الهوة بين الأنظمة والشعوب وحتمية بناء قنوات التواصل والتعاون والتعارف بين الطرفين، بينما يدّعيها أيضاً من يعيش مسكوناً بروح المؤامرة ومحاصراً بهواجس الحذر والتردد من أي علاقة مع الأنظمة والحكومات ومن يتحرك على هذه الأرض بعقلية أن كل ماله علاقة بالسلطة السياسية من قريب أو بعيد فيه مظنّة عمالة لها وتوظيف من قِبلها بل وحتى مظنّة خيانة مطلقة لقضايا الشعوب!..

     من هذا كله تنبع أهمية الانتقال في المراحل القادمة لهذا النشاط في اتجاه مزيدٍ من الضبط والتحديد والتفصيل العلمي والأكاديمي الصارم. خاصة بعد أن صدر عن المؤتمر بيانٌ بإنشاء المنتدى العالمي للوسطية الإسلامية، ليكون بمثابة إطارٍ مؤسسي مطلوب لمتابعة تحرير ونشر ملامح هذا المفهوم الحساس.. وحبذا لو تم الانفتاح في النشاطات القادمة على شرائح أوسع من مثقفي الأمة بجميع ألوان انتمائهم الفكري، بحيث يجري تجاوز التصنيفات السائدة في ساحتنا الثقافية بين (إسلاميين) و(علمانيين) و(تغريبيين) وما إلى ذلك.. وأن يتم التعامل مع المثقفين بناءً على مدى انفتاحهم ومرونتهم وقبولهم للحوار واحتكامهم لمقتضيات العقل والمنطق والمنهج العلمي في البحث والدراسة، فقط وبدون أي شرطٍ آخر.. لأن هذا الشمول في استصحاب الآراء هو الذي سيضمن وجود مقاربات أكثر دقة، كما أنه هو الذي سيؤدي في النهاية إلى ظهور المشترك الحضاري الثقافي العربي والإسلامي على صعيد الهوية الفكرية والسياسية، وبالتالي إلى تبني شرائح أوسع بكثير من أبناء العرب والمسلمين لذلك المُشترك..

     إن أخطر مايمكن أن يقوم به كل من يعمل لتحريك عمليات المراجعة والإصلاح في البلاد العربية والإسلامية يتمثل في ممارسة الإقصاء أو التهميش للقوى الثقافية الأخرى.. ونحن وإن كنا ندرك جميعا كمثقفين بأنه سيبقى هناك على الدوام أفراد وتجمعات من كل طيفٍ ثقافي تتعامل مع واقعنا المعاصر بعقلية (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) الفرعونية، إلا أننا على يقين بأن سنن التاريخ وقوانين الاجتماع البشري ستكون كفيلةً في النهاية بوضع هؤلاء في الموقع الذي يستحقون.. أما فيما وراء ذلك، فإن العمل المشترك في كل مجال وعلى كل صعيد هو، وهو وحده، السبيل إلى إطلاق وتجذيرعمليات الإصلاح تمهيداً للدخول جدياً في عمليات التنمية التي باتت لاتحتمل التأجيل والانتظار..

     لقد تشرفتُ بأن أتحدث باسم المؤتمرين في حفل التكريم الختامي الذي أقامه وزير التنمية السياسية في الأردن السيد محمد داودية، ولقد اخترتُ قاصداً موضوع تجسير الهوة بين الأنظمة والشعوب ليكون محوراً لكلمتي، لشعوري وشعور غالبية الزملاء بأن ماحصل من مشاركةٍ سياسيةٍ بعيدةٍ عن الإملاء والوصاية والتوظيف كان يمثل نقلةً نوعيةً، يجب أن تتم الاستجابة لها وتشجيعها، لأنها تدلُّ على إدراك بعض أطراف النظام السياسي العربي لطبيعة التغيير الجوهري الذي حصل في المعادلات السياسية العالمية والمحلية، خاصةً فيما يتعلق بتحديد المصادر الحقيقية المُستدامة للقوة والمشروعية السياسية، التي يبحث عنها بشكل طبيعي أي نظام سياسي في العالم. والواضح أن ماجرى في الأردن يُعتبر مبادرةً خلاّقةً هي بمثابة تجربة ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار في كل مكان آخر..
     ورغم تأكيدي في الكلمة على أن التواصل بين المثقفين والرسميين لايمكن أن يكون إطلاقاً بديلاً عن التواصل المباشر بين الأنظمة والشعوب من خلال عمليات الانتخاب والتمثيل والمشاركة، إلا أنني اقترحت بأن هناك أولويةً للتواصل بين الرسميين والمثقفين الحقيقيين الذين يمكن أن "يكونوا ضمير تلك الشعوب واللسان الذي ينطق بهمومها ويحمل آمالها ويتمثل آلامها إلى درجة كبيرة". وختمتُ هناك كما أختم هنا قائلاً بأن هذا التواصل سيكون "وسيلةً أخرى أكثر تركيزاً ودقةً وهدوءاً في عملية تبادل المعلومات والأفكار والخبرات التي ستفيد الطرفين للوصول إلى مزيد من التعارف، وإلى تجاوز دوائر الجهل بالآخر والخوف منه والتوجس من نياته، وصولاً إلى تطوير العمل المشترك لما فيه خير البلاد والعباد حكاماً ومحكومين".

منقول عن صحيفة الوطن السعودية
 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.