
الدعاة الى الله هم أثقل الناس حملاً، وأعظمهم تبعة وأكثرهم مسؤولية، وذلك لأنهم في أشرف المراتب، وأرقى المنازل، «ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين» والدعاة صفوة مختارة من رجال الأمة، إذ يستلزم قيامهم بالدعوة أن يكونوا نماذج يحتذيها الناس، وقدوة لهم في كل تصرفاتهم.
وواجبات الدعاة كثيرة وعظيمة بقدر مسؤولياتهم، فهم حراس الفضائل، وأمناء الأخلاق والمراقبون لسلوك الناس، وهم المرآة التي يرى فيها المسلمون أنفسهم، ومن أجل هذا كان لا بد من الإختيار والتدقيق لمن يقوم بأداء هذه المهمة، إذ لا يكفي أن يكون الداعية عالماً فقط، ولا يكفي أن يكون خطيباً مفوهاً، وكذلك لا يكفي أن يكون لطيفاً ودوداً لبقاً، بل لا بد أن تجتمع فيه هذه الصفات بل وكل الصفات التي تمكنه من أداء رسالته العظيمة.
الإشتغال بالدعوة والحرص على نشرها، وجذب الناس إليها هو الواجب الأساسي للداعية، وذلك لأن الإنشغال عن الدعوة بأشياء لا تفيد أو بفروع جانبية، قد يكون ذلك في حد ذاته مقصوداً بل مدبراً من اعداء الدعوة لصرف إمام المسجد عن مهمته الأصلية، وتطويل الطريق عليه، وابعاده عن غايته، والمشاغل الجانبية كثيرة لا تنتهي، فكلما فرغ الداعية من موضوع أدخله الخصم في موضوع آخر، فإذا لم يكن إمام المسجد حازماً، يرد خصومه إلى الهدف السامي، ويجذبهم إلى الغاية الرفيعة، رده خصومه عن هدفه وصرفوه عن غايته، واتسعت الهوة بينه وبين الدعوة.
الدعوة إلى الله من واجبات الإسلام، ومن وسائلها مخالطة الإمام للناس، فتكون المخالطة واجبة لأن ما يؤدي إلى الواجب فهو واجب، والواقع أن طبيعة الإسلام تقتضي المخالطة، فالإسلام ليس معنى خاصاً بالفرد، بل هو أيضاً عمل المسلم خارج نفسه، ورسول الله الكريم منذ أن أكرمه الله بالنبوة وأمره بالتبليغ عاش مع الناس وخالطهم، وغشي مجالسهم يدعوهم إلى الحق، وكذلك فعل أصحابه الكرام خالطوا الناس وبثوا فيهم ما تعلموه من الهدى والعلم والأخلاق الفاضلة، لأن وجوب الدعوة إلى الله أمر ثابت في الشرع الشريف، والمخالطة هي المقدمة إلى الدعوة، فلا يمكن التخلي عنها.
على أئمة المساجد أن لا يفتروا عن الدعوة، ولا يكفوا عن تبليغها، ومن جانب آخر فإن ترك التبليغ عندما تحين الفرصة قد يضيع على الداعية ما لا يمكن تعويضه، ولهذا كان الرسل الكرام لا يفتأون يلجون بالدعوة كل محيط، وقد يكون الناس في شغل بدنياهم، أو في لهو أو في غفلة، ولكن الداعية اللبق يوجد الفرصة، ويهيئ المناخ، ويلفت الأنظار ثم يبلغ دعوته بأمانة وإخلاص من إقامة دروس، أو تنظيم ملتقى أسبوعي، أو محاضرة أو ندوة أو موعظة بليغة، أو قصة مؤثرة هادفة، أو توجيه وارشاد، أو تنبيه على أمور تدخل في نطاق العقيدة أو الشريعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الأولويات عندها يكون الداعية على مقربة من قلوب وعقول وحياة الناس بشرط أن يكون صافي النفس رزين العقل، يجمع ولا يفرق، أخلاق عالية، قدوة في قوله وعمله، وأن يكون موفقاً في طرحه للمسائل، بعيداً عن مواطن الخلاف ما أمكن، يستثمر طاقات الآخرين الخيرة ليكونوا حملة للدعوة، ومفتاحاً للخير.
منقول عن صحيفة الرأي الأردنية
بتاريخ:16/7/2010
ابحث
أضف تعليقاً