
ما أقسى الإنسان، وما أشدَّ بأسه، تَجدُهُ يستكين وينكسر، حين لا يكون له حولٌ ولا قوَّة، ويطغى ويتجبَّر، حين يمدُّه الله بسببٍ مِن الصحة والملك والغنى، وهذا معنى قوله تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) هذا المعنى يراه الناسُ في العديد من المواطن في حياتهم اليومية، ويشهدونه هذه الأيام جليَّاً من حكام ليبيا وسوريا واليمن، وقد رأوه بالأمس في تونس وفي مصر .
إن المرأ ليَعجبُ من الظالم حين يملأ السجون بالمعتقلين ويسومهم سوءَ العذاب، وكأنه لا يعلم أنَّه يُعذِّب نفسَه، وسيصيبه ما هو أشدُّ وأعظم، وأنَّه سيقف غدا بين يدي الله تعالى، وسَيَقتصُّ اللهُ منه للمظلوم، وسيأخذ النَّدم من الظالم كلَّ مأخذ، فسيحاسب على كل جريمة اقترفها، وكأنه لم يقرأ ما رواه الإمام مسلم في صحيحه، مِن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاس في الدُّنْيَا)
وهنا فإني أخاطب كلَّ مسؤول، صغيرا كان أو كبيراً، من الوزير إلى أصغر جندي، خطاب محبٍّ مشفق، فَلْيتَّقِ الله كل مَن أَمر بسجن أو بتعذيب، ولْيعلم أن مظالم المسجونين والمعذَّبين ستتبعه حتى ما تَبقى له حسنة، وسَيُزادُ عليه من سيئاتهم .
ثم إن وعيد الله تعالى حالٌّ لكل من وجَّه سلاحه إلى غيره، فهو آثمٌ إن كان مازحاً، لأنه ترويعٌ وإرهاب، وملعون إن كان يريد قَتْلَه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه) قال الحافظ أبو بكر بن العربي: (إذا استحَقَّ الذي يشيرُ بالحديدةِ اللعنَ، فكيف الذي يصيبُ بها!)
وقد مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقومٍ في مجلس يسلُّون سيفاً يتعاطونَه بينهم غيرَ مغمود، فقال: ألم أَزجرْ عن هذا، إذا سَلَّ أحدُكم السيف فَلْيَغْمِدْهُ ثمَّ ليعطِهِ أخاه .
إن الله تعالى قد جعل للنفس البشرية حُرمةً عظيمة، ولأجل الحفاظ عليها أباح النطقَ بكلمة الكفر، فقال سبحانه ((إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)) وشرعَ حدَّ القصاص على القاتل، فجعل في القصاص حياة (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لينكفَّ الناس عن القتل والتعذيب .
إن ما حدث في تونس وفي مصر، يرى الناس اليوم ما هو أبشعُ منه في ليبيا وفي سوريا، يُروَّع الناس بالدبابات والمدرعات، ويُقتلون وهم عُزْلٌ من السلاح! وتدوسهم العساكر بالأقدام، ويُجرُّون في الطرقات، فاعجَبْ لجنودٍ وظيفتهم حماية الشعب، فكانوا هم القَتَلَة للشعب! وهذه كلها منكرات لا يجوز السكوت عليها من عامة الناس، فضلاً ممن ينتسب إلى العلم، فإذا كان السكوتُ فى وقته صفةَ الرجال، فإن النُّطق في موضعه مِن أشرف الخصال، وقد قال أبو علي الدَّقّاق: (مَن سكت عن الحق فهو شيطان أخرس) ونصوص الفقهاء صريحة في تحريم الخذلان ووجوب المواساة حفظا للأموال والأنفس، وأجرَى الفقهاءُ على هذا فروعاً، منها أنّ مَن يرى غيرَه يُقتلُ أو يُجرح أو يُؤخذُ مالُه، وهو قادر على تخليصه فلمْ يفعل فهو ضامن، بل إنَّ مَن كان يملكُ خيطاً، فطلبه منه مجروحٌ ليخيط به جرحه، فيجب عليه أن يعطيه إياه، وكذلك من كانت عنده شهادةٌ على ظالم أو قاتل، فلا يحلُّ له أن يكتمها (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)
قد يختلف الناسُ في السبيل الأفضل للتحرُّر من الأغلال واجتثاث شجرة الذِّلة والمسكنة، وقد يختلفون في طريقة التظاهر، لكن العالَم كلَّه لا يختلف في قساوة أجهزة الأمن السورية، ولا في غلظة قلوب أفرادها، ولا في امتلاء السجون بالأبرياء، ولا في ردَّة فعل الجيش البشعة تجاه مَن سمَّاهم: أصحاب المطالب المشروعة .
والأمل أن يعودوا إلى رشدهم، وأن يحقنوا دماء الناس ودماءهم قبل فوات الأوان، فإن الموفَّق مَن وُفِّق للخير، ولا خير أعظم من إزالة الأغلال عن الناس، ورفع المظالم عنهم، ووضع نظام سياسي إسلامي يشيع به العدل بين الناس، وهذا عملٌ جليل ومرتَّقى نبيل وشرفٌ عظيم، حقٌّ على الحكام أنْ يتسابقوا إليه، ولو فعله حكام مصر وتونس لدخلوا التاريخ من أشرف أبوابه، ولحفظوا دماءهم وأموالهم وأعراضهم في الدنيا قبل الآخرة، ولرَأى العالَمُ فيهم همَّةَ الكبار وطلعة الأحرار، فخيَّبوا بذلك ظنَّ أبي الحسن الشَّهْرزوري في قوله:
أتمنَّى على الزمان مُحالا ... أن ترى مقلتاي طلعة حُرٍّ
لكنه الخذلان وعدم التوفيق وموت النفوس في مقابر الأجساد، وأيُّ مصيبة أعظم من مصيبة الخسران (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلً).
31/5/2011
قيس مبارك
ابحث
أضف تعليقاً