wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
كلمة الأمين العام

كلمة الأمين العام في مؤتمر

 " التصوف الراشد: جذوره آفاقه ودوره في بناء الحضارة الانسانية "

18/9/2019

 

الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه البررة المتقين اللهم يا من لا يُسأل سواك ولا يُرجى غيرك ولا يُؤمل النفعُ إلا منك ولا يُدفع الضر الا بك نسألك السداد في قولنا وعملنا والبركة والتوفيق في تحقيق أهدافنا وآمالنا  ..

دولة الإمام الصادق المهدي  ..

معالي الأمين العام لمنتدى الفكر العربي ..

أصحاب السادة العلماء ..

الضيوف الكرام ..

     يأتي هذا المؤتمر في وقت مفصلي من تاريخ أمتنا؛ فالصراعات عصفت بكثير من بلداننا ، والخلافات بلغت درجة العداوة بين أبناء العم، والحروب دمرت كثيرا من المرافق بعد أن شردات مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء؛ في هذا الوقت الذي ارتفع فيه صوت العنف يأتي هذا المؤتمر ليكون بلسما يداوي جراحات أمتنا وينشر الحب مكان الكراهية، والتواصل بدل القطيعة، وليعلي من قيمة التزكية التي تمثل جوهر التصوف، التي هي مبدأ محوري من مبادئ الرسالة الخاتمة. قال تعالى:" هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ"، فالتصوف هو تلقي أحكام الشرع بلذة وشوق يبلغ درجة الإحسان أن (تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك).

    لقد قام التصوف تاريخيا بدور كبير في تماسك المجتمع والمحافظة على تعلم القرآن وحفظه وغرس العقيدة وترسيخ قيم التسامح خاصة في العصور التي هيمن فيها الإستعمار و استبداد الأمة وانتشرت فيها ثقافة الخنوع والإنسحاب والجدل.

    إن هذه المرحلة التي تعيشها أمتنا والتي طغى فيها الجانب المادي وانتشرت فيها المنفعة الذاتية وانتشر الإلحاد واستنزفت فيها طاقة الإسلام الروحية في الصراع السياسي بين الدعاة والحكام  وتوسعت فيها ثقافة المنفعة الذاتية نحتاج الآن إلى دور التصوف الأخلاقي والروحي لإحداث التوازن في الحياة.

ياخادمَ الجسمِ كم تشقَى لخِدْمَتِهِ                أتطْلُبُ الرِّبحَ ممَّا فيهِ خُسْرَانُ

أقْبِلْ عَلَى النَّفْسِ واسْتَكْمِل فَضَائلَهَا         فَأنتَ بالرُّوحِ لاَ بِالجِسْمِ إنسَانُ

    لم يقف عطاء المتصوفة عند التزكية الفردية وإنما قاموا بدور كبير في الاصلاح الاجتماعي بل قادوا المجتمع وتقدموا صفوف المجاهدين متصدين للعدوان الخارجي ووقفوا في وجه المستعمر وتصدوا لأساليبه المدمرة دفاعا عن هوية الأمة وكرامتها. مثلما حدث في الجزائر وليبيا والمغرب والسودان وغيرها من البلدان التي تصدى فيها المتصوفة للاستعمار حتى دحروه وأقاموا دولا تطبق تعاليم الإسلام ومبادئه.

     كذلك قام المتصوفة بدور مهم في نشر الدعوة الإسلامية والمحافظة على القيم الإيمانية وتعزيز روح التدين في كثير من البلدان مثل تركيا وأندونيسيا وماليزيا وغيرها.

  إن التصوف الراشد ليس قعوداً خاملاً في زاوية الكوكب، بل هو العمل والعطاء، هو قوافل المجاهدين الذين أعدهم سيدي عبد القادر الجيلاني لتحرير القدس والمسجد الأقصى، هو جحافل المقاومين من أتباع سيدي الشيخ أرسلان الدمشقي الذين كانوا يرابطون ضد الصليبيين على أسوار دمشق، هو النموذج الأسمى لتربية الشيخ آق شمس الدين الذي قدم للعالم الإسلامي الشاب المجاهد محمد الفاتح الذي غير وجه التاريخ.

    التصوف الراشد حكمة ونور، نلتمسها في نور الإمام الجنيد إمام الطريقتين، ونلتمسها في هدي الإمام الغزالي صاحب إحياء علوم الدين، ونلتمسه في إمام العاشقين جلال الدين الرومي الذي صار اليوم أيقونة العالم كله في الحب والنور والجمال.

     وفي المنتدى العالمي للوسطية أطلقنا مشروعاً خاصاً يعتمد القيم الصوفية العالية لبناء جسور راسخة بين المذاهب الإسلامية التي تصرمت أواصرها بتاريخ من الهجران والقطيعة. إن التصوف يستطيع اليوم ان يبني جسوراً حقيقية تصل ما انقطع وترتق ما انفتق.

     هذا المؤتمر النبيل يتجه لجعل التصوف جسر تواصل بين أبناء الأمة، ومخزون التدين الصافي الذي يشكل الأمة ، فالتصوف رسالة قائمة على تهذيب النفس وإعذار الخلق، وهل نحتاج أكثر من هذا لنرمم ما تمزق من رباطنا وما تشتت من شملنا.

     إننا نأمل لهذه المدرسة الصوفية النبيلة أن تسكب رحيق المحبة على الفصائل المتدابرة، فتعزز لقاء المسلم بالمسلم، وتؤسس لثقافة إعذار واحترام بين سائر المذاهب الإسلامية، حيث يكرس التصوف حقيقة راسخة أن الطرق إلى الله كثيرة وأنه:

وما من ولي ولا من نبي        على الحق إلا له مركبه

شعب يسير بها العارفون         وكل له مركب يركبه

وفي شاطئ الحق هم يلتقون    على مركب واحد يدركه

     إن الشوائب التي أُلحقت بالتصوف تعود لبعض المنتحلين لشعار التصوف وليسوا من أربابه! مثلهم مثل كثير من الدعاة الذين حملوا لواء الدعوة دون تأهيل فأفسدوا ولم يصلحوا، وهدموا ولم يبنوا، وشوهوا ولم يحسنوا! إن مفاهيم الحلول والتناسخ ووحدة الوجود والدجل والشعوذة؛ مفاهيم أدخلها أدعياء التصوف على الصوفية ،غير أن أعلام الصوفية الحقيقيين برأوا ساحة التصوف من هذه المفاهيم الدخيلة وأكدوا أن التصوف الحقيقي يلتزم بالكتاب والسنة ويقدم صحيح الإسلام إعتقادا وسلوكا وأخلاقا.

     مطلوب من المتصوفة في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا القيام بمراجعات أساسية تنقي التصوف من الشوائب التي ألحقت به وتصحح المفاهيم حوله وتثبت مرجعيته في القرآن والسنة.

    ومطلوب تطوير الخطاب الصوفي ليتضمن مستجدات العصر ويقدم علاجا روحيا لسلبيات طغيان المادة ولآثار العولمة الخبيثة.

    إن مؤتمرنا هذا يطمح لنقاش جاد حول موضوع التصوف من حيث المفاهيم والمناهج والسلوك؛ ليخرج بتوصيات عملية تساعد على استصحاب إيجابيات التصوف الروحية والتربوية والسلوكية لتحقيق التوازن في المجتمع. وليوفق  بين مطالب الروح ومطالب الجسد وبين الروحانيات والماديات؛ ذلك التوازن الذي هو من صميم أهداف المنتدى العالمي للوسطية.

وفي الختام نأمل أن تجد هذه التوصيات حظها من النقاش لاستصحاب المعاني التي تحقق أهداف المؤتمر:

أولا: نتطلع إلى خطاب إسلامي جامع لكافة المذاهب والطرق الإسلامية يستجيب لكل مطالب الفطرة الروحية والمادية والعقلية والاجتماعية وغيرها ليحقق معنى كمال الدين وتمام النعمة.

ثانيا: دراسة التصوف من الباب الشرعي الذي يحث على التزكية وصفاء النفس ونقاء الروح؛ تلك المعاني التي  نصت عليها آيات القرآن الكريم وبينتها سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: التصوف بمدارسه المختلفة مُكَوِّن أساسي من مكونات أمتنا وساهم مساهمة كبيرة في بناء الحضارة الإسلامية والتصدي لكل الأخطار التي لحقت بالأمة وجاهد المستعمرين في المغرب والجزائر والسودان وغيرها، وهو مثل غيره من التيارات لحقت به بعض الشوائب التي شوهته المطلوب تنقية التصوف من العوامل الدخيلة وإعادة ربطه بمرجعيته الإسلامية النقية، والبعد عن توظيفه لأغراض سياسية وأنظمة قمعية.

رابعا: العاملون في مجال الدعوة من مختلف المدارس الإسلامية مطالبون بالإهتمام بالتصوف لتعزيز معاني التزكية التي حث عليها الإسلام كثيرا، فصلاح  المجتمع رهين بصلاح النفس، والإصلاح بالقدوة قبل الاصلاح بالقول.

خامسا: نناشد قيادات المتصوفة بكل مسمياتهم أن يقوموا بمراجعات تساعد على استصحاب التصوف في مسيرة الدعوة الإسلامية، والمراجعات مطلوبة من كل المدارس والحركات الإسلامية  لإعلاء شعار وحدة أهل القبلة الذي يقوم على القاسم المشترك بين كل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية.

إن المنتدى العالمي للوسطية – المنبر الجامع لأهل القبلة - يهتم بكل ما من شأنه أن يعزز وحدة الأمة ويصون كرامتها ويحافظ على البيضة.

 ومن خلال منهجه الوسطي يدعو جميع المدارس الإسلامية أن نلتقي على الكلمة السواء وأن نصنع ثقافة المحبة بدل خطاب الكراهية والصراع، وأن تعزز قيم التزكية في تربية منسوبيها، وأن يتسع صدرها لقبول الآخر حتى يسير المجتمع المسلم بكل مكوناته ليحقق خيرية الأمة.

معتبرين مؤتمرنا هذا معلماً من (معالم على الطريق) وخطوة باتجاه استئناف أمتنا لدورها الحضاري المنشود، شاكراً لكل الأخوة والمؤسسات التي دعمت هذا العمل وفي طليعتها معالي الأمين العام لمنتدى الفكر العربي الدكتور محمد أبو حمور ..

ومعالي وزير الثقافة ووزير الشباب الدكتور محمد أبو رمان ..

ومعالي وزير الأوقاف الدكتور عبدالناصر أبو البصل .. ولكافة الجهات الأهلية والرسمية،شاكراً كريم دعمكم ومؤازرتكم لأعمال هذا المؤتمر .. والشكر أولاً وآخراً لكم أيها العلماء الأجلاّء وللأخوة الحضور ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.