
في اللغة ، السماحة : الجود والكرم والسهولة ، وسمح سمحاً وسماحاً : لانَ وسَهُل ، والسَّماح التسامح والتساهل . وفي الفقه البيع السَّماح هو البيع بأقل من الثمن المناسب . ومن معاني السماحة أيضاً ، سمح العود : استوى وتجرّد من العقد . ففي تاج العروس (سُمح ، ككرُم ، سماحاً وسماحةً وسموحاً وسموحةً ، بالضم فيها ، و(سمحاً) بفتح فسكون (وسماحاً) ، إذا جاد بما لديه ، وكرم . وفي معجم لغة الفقهاء : سماحة مصدر سُمح (بضم الميم وفتحها) الجود والكرم ، واللين والسهولة . وورود (اللين) هنا يفيد نقيض الشدة التي ترهق وتكلف المرء ما لا يستطيع تحمّله من أعباء وتكاليف في حياته . واللين فضيلة من الفضائل المحمودة ، وهو منزع من منازع الشريعة السمحاء ، وصفة من صفات المؤمن .
[ص-7] وينفرد صاحب (التعريفات) بإيراد معنى عميق الدلالة رحب المضمون ، للسماحة ، وهو (بذل ما لا يجب تفضّلاً) . ولعل هذا المعنى هو أقرب ما يكون إلى الكرم والجود . ويلحظ ابتداءً أن الجرجاني أدق في تعريفه السماحة من غيره ، لنزوعه كما نعلم إلى التعمق في المفردات والنظر إليها من زاوية أشمل ، هي إلى الفلسفة أقرب منها إلى اللغة .
وقد اكتسب مصدر (السماحة) في هذا العصر معنى هو أقرب إلى التساهل بما يعني عدم تعقيد الأمور وجعلها سهلة لينة . وللتساهل معنيان ، أولهما إيجابي ، وثانيهما سلبي . ونحن نقصد بطبيعة الحال المعنى الإيجابيَّ الذي هو نقيض التفريط والإخلال بالواجب . وبذلك يكون معنى سماحة الإسلام ، أو الشريعة السمحاء ، هو التسهيل في الأحكام والتكاليف الشرعية ، ومراعاة مقتضيات الفطرة الإنسانية ، وتخفيف الأعباء عن كاهل الإنسان وعدم تكليفه ما لا يطيق ، مصداقاً لقوله تعالى : سورة البقرة الآية 233 لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا وقوله عز وجل : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَ)(سورة البقرة الآية 286 )ا ولقوله عزَّ من قائل : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا )سورة الأعراف الآية 42) . ونحن إذا جمعنا هذه المعاني جميعاً ، نصل إلى المعنى العام للسماحة الذي نهدف إليه ، وهو المعنى الوافي بالقصد في هذا السياق . وفي ضوء ذلك تكون سماحة الإسلام ، هي رحابة مبادئه وسعة شريعته ونزوعه إلى اللين واليسر ، وتلبيته لنداء الفطرة واستجابته لمتطلباتها في وسطية واعتدال .
لقد اشتملت مبادئ الإسلام على منهج للحياة ملائم للإنسان في كل أطواره وظروفه ، فيه الرحمة بالإنسان ، وفيه هدايته إلى ما فيه الخير والصلاح والقوة والمناعة ضد كل ما يفسد الفطرة ويضرّ بالجسد والروح ، وفيه ما يحقق له سكينة الضمير وراحة العقل وطمأنينة النفس ، ويضمن له السعادة في الدارين .
ورحمة الإسلام بالإنسان من حيث هو إنسان ، إنما تأتي من وسطيته ، ومن سماحته ، ومن عدالته ، ومن تكريمه للإنسان ، ومن تأكيده على مبدأ الأخوة الإنسانية النابعة من وحدة الأصل ، فمبادئ الإسلام كلها رحمة وسماحة وعدالة بين البشر جميعاً ، واللَّه سبحانه وتعالى خلق الخلق وسخر لهم ما في الكون وبعث فيهم الرسل والأنبياء ، وجعل رسوله محمد بن عبد اللَّه صلى الله عليه وسلم آخر أنبيائه ورسله مثال السماحة وعنوان الوسطية وميزان العدالة ، والرحمة المهداة إلى الإنسانية ، إلى أن تقوم الساعة .
5/07/2009
د . عبد العزيز بن عثمان التويجري
ابحث
أضف تعليقاً