
يعيش الإنسان في عالمنا المعاصر في أزمة خانقة، حيث تحفل الأيام بالتيارات الفكرية المتفقة أحياناً والمتفرقة أحياناً أخرى، والمجتمعات التي لم تشبع حاجاتها المادية والمعنوية، ولم تستطع تنمية تطورها الطبيعي، فإنّ الضغوط الخارجية والداخلية تزداد حدتها عليها مما تخلق لها الأزمات المتوالية، ومن المعلوم أن وجود المعوقات يعمل على تجديد المجتمع ويساعده على فهم طبيعة العصر الذي يعيش فيه، لأنّ المجتمع إنْ لم يُدرك طبيعة العصر ومتطلباته، ولم يستطع التفاعل مع أحداث عصره، فلا يمكن القول أنه يعيش ذلك العصر، بل نقول إنّه في طريق التفتت والاضمحلال بل والانقراض.
إنّ من قدر أمتنا والأمم الأخرى التعرض للأزمات والهزات والاضطرابات بل وتجرع المصائب والالآم، ووراء هذه الأزمات تهب محاولات التغيير والتبديل وفتح باب جديد لتشكيل جيل واعد يحمل عبء أمانة المسؤولية، والأمة لن تفنى بسبب الهزات والتحولات بل ستأخذ نصيبها وتستطيع الإسهام في تكوين عالم جديد يزهو بمعطياته، ويندفع لإعادة البناء الحضاري، مادته الوعي والمحافظة على ثوابت الأمة دينياً وثقافياً وسياسياً واجتماعياً.
وهكذا فنحن اليوم أمام مفترق الطرق: إما إن نبقى أو نزول، فبعد كل هذه الأزمات الحالكة إما أن نذعن لسلطان العقل كأمة، وننجح في تأسيس الوجود الذي نتصوره فنصل إلى بر الأمان، أو نتراجع إلى الوراء بسبب مصالح ضيقة ومنافع آنية، أو فساد له جنوده وآلياته الشرسة، عندها تذهب الجهود الخيرة في طلب الإصلاح أدراج الرياح ودون أي ثمرة، لقد بات موضوع الاتفاق والفرقة، أو الوحدة والاختلاف، من أهم الموضوعات المقلقة في عالمنا العربي والإسلامي، وتحتاج إلى علاج جذري من أهل الحكمة والعقل وقادة الرأي والإصلاح، هذا إذا أردنا الاستعداد لمناخ جديد، وعصر جديد، وأفكار صحيحة خادمة لمتطلبات الواقع المعاصر، دون الرضوخ أو الرجوع لاستحقاقات الماضي الكئيب الذي جر علينا المآسي، وألبسنا ثوب التبعية الفكرية، والانقياد الأعمى خوفاً من أن نجرح مشاعر الأزلام العفنة التي أودت بالأمة إلى مصيرها المشؤوم.
إنّ أمتنا اليوم ضعيفة من ناحية البنى العلمية والفكرية، وفقيرة من جهة حياتها الروحية والقلبية، ومحرومة من القيادة والتوجيه إلى درجة يُرثى لها، ولم يتم القضاء على عوامل التعصب العقدي والفكري، وإحلال روح التسامح والرحمة محل بؤر التوترات النفسية والاجتماعية، ليعيش المجتمع في هدوء وسكينة ويحافظ على منظومة الاتفاق والاتحاد، وينطلق بعدها إلى العمل الجاد المخلص.
إن التفاهم والتوافق مسألة عقلية منطقية، والوحدة التي تستطيع البقاء والاستمرار هي الوحدة المبنية على العقل وعلى القلب وعلى معرفة متطلبات العصر، والبدء بتنفيذ الممكن منها في ضوء التخطيط الرصين، والتشاور في دق الأمور وجلها، انطلاقاً من قوله عز وجل: }وأمرهم شورى بينهم{، فرأى الجماعة الصائب حصانة للفرد والأمة من الوقوع في الزلل والعثرات، والضرورة القصوى تحتم علينا أن نبحث عن العوامل التي تشكل أساس وحدتنا واتفاقنا وأن نعين الغايات والوسائل والأهداف والمقاصد من جديد مع الارتباط بالمواثيق الإلهية أولاً ثم البشرية حتى لا تختل الموازين، وحذار أن نكون ممن تحدثت عنهم الآية الكريمة:» ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً « عندها تقع المقتلة التي لا نجاة لأحد منها.
لقد تبدل شكل الخطر الذي يحيط بالأمة حالياً عما كان في الماضي، ذلك لأن الخطر في السابق كان آتياً من الخارج، أما الآن فهو يأتي من الداخل أيضاً، لذا فمقاومته أصبحت أصعب، كما أن السقوط الأخلاقي الذي سرى كوباء إلى جميع مفاصل المجتمع هدم الركائز التي تحفظ المجتمع، أما جيلنا الذي انتزع منه التوقير والاحترام لقيمنا المقدسة بوساطة النماذج المجنونة لما سموه بالانحلال والخلق الفوضوي، هذا الجيل أصبح ضحية للفكر وللروح المشوهين، وغافلاً عن تخبطه في فوضى مخيفة من المصطلحات والمناهج، وحتى نخرج من الدوامة لا بد أن نصيح بالشباب صيحة المشفق الراجي أن يستيقظ من غفوته ليبصر بأم عينيه الخطر الداهم، الذي يجتاح البلاد والعباد، ويسعى لحرق الأخضر واليابس، لتقف الأمة حزمة واحدة في وحدة لا نظير لها أمام المد الأعمى الجارف من الأفكار الفاسدة، والرؤى الهستيرية، والتطلعات الخيالية، حتى نُسيج الأمة والوطن بسياج المنعة، مسترشدين بمنهج الله القويم، وتوجيهات رسوله الأمين وشعارها قوله عز وجل: }واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا{.
24/6/2011
ابحث
أضف تعليقاً