
يتوارى كثير من الناس خلف أقنعة مزيفة،عناوين براقة يتاجر بها القاصي والداني،تلفت النظر لأول وهلة،فإذا دققت النظر في الأشخاص والعناوين وجدت الغثاء والتنظير واللامبالاة هو المشهد الحقيقي،الذي يصدق على المتاجرين الذين يلبسون ثوب الرياء في أقوالهم وأفعالهم،يقولون ما لا يفعلون،مصابون بمرض الشخصنة،يطرحون القيم العليا كطرح القمامة ضحية للأحلام والتخيلات،خلطوا الدين بالأساطير،وصبغوا الأخلاق بألوان الغرائز والشهوات،حتى وجدوا أنفسهم وسط الساحة القاتلة التي تتصارع فيها الأقنعة والأغلاط،وبديهي أن تكون النتيجة بلا لسان ولا قلب.
أقنعة مزيفة لا حصر لها يلبسها من أصبحت لديه شهادات خبرة يتقن من خلالها فن التعامل مع كافة فئات المجتمع،فهناك قناع الدين الذي يُلبس به على قطاع كبير من الناس ظاهره الرحمة ومن باطنه العذاب،يلبسه بعض الناس في المناسبات،وأينما تقتضيه الأحوال من أجل بناء العلاقات،أو اقتناص الفرص،أو كسب المنافع،أو حصد الشعبية أو الاستعلاء وركوب الموجة، أو الايذاء المتعمد للآخرين خشية المنافسة،أو حفر الأخاديد اللاانسانية،علماً بأن الدين إذا جُرد عن التزييف فأنه يولد المحبة والرحمة والتسامح في نفوس أتباعه،بل ويفرض فتح أبواب القلوب الموصدة بوجه التراحم والتواصل والاّ تبقى مغلقة بوجه الفضيلة والخير، ويبعد عن حياة المؤمنين البغضاء والعداوة والغلظة،وعلينا أن نعلم أن تاريخنا الإسلامي بعيد عن أمراض الحقد والعداء،ونصب الفخاخ لبعضنا،والتذبذب،وانحراف الإيمان بألف شبهة.
أما قناع الوطنية والمصلحة العامة فحدث عن لابسيه ولا حرج،يتباكون على الوطن وليس في نفوسهم وقلوبهم ذرة من ولاء أو انتماء لترابه،تدمع أعينهم حرصاً على المصالح العامة للوطن والمواطن،وهم ينخرون بنيانه من الداخل،ويهدمون مكاسبه بمعاول وألسنة حداد،وإذا سمعت كلام هؤلاء في ندوة أو محاضرة أو لقاء إذاعي أو تلفازي،تلمس الكذب والخداع يفوح من فلتات اللسان،لأنّ سيرة المتكلمين العملية مقززة لا تمت للدين والوطن والمصلحة العامة بصلة،ومن غير المتصور أن تتغير النفوس في مجتمع رسخت فيه الألفة والقيم والتماسك الإجتماعي،ومن العسير أن يحل الإنفلات محل الإنضباط،والإلحاد محل الإيمان،والفوضى محل النظام،والإنحلال محل الأخلاق،والشهوة وحب الدنيا محل العشق الآلهي،ومن الصعب أن تهمش المعايير النظيفة التي تجعل من المجتمع مجتمعاً قوياً نظيفاً،لا أن يحول إلى ركام مليء بالأفكار المنحرفة،والتلقيات العبثية،والتمرد والعصيان،ينزع من القلوب حس المسؤولية،إنّ صاحب هذا القناع الخادع يجد في أجواء الغبن والظلم والإنتهازية مرتعاً خصباً ليحقق لنفسه المنافع المادية والمعنوية،ولو أدى ذلك إلى بعثرة الجهود المخلصة،أو جرجرة الأمة إلى التبعية المذلة،ولو ألقيت في تيارات مجهولة العواقب،أو غرقت في بحر الفساد والمفسدين.
إنّ من الوفاء للدين والأمة والوطن أنْ نحترم تاريخ الوطن من خلال معرفة أدق التفصيلات وأنْ نرسخ التربية الوطنية الصادقة في عقول ونفوس الناشئة حتى تُبنى شخصياتهم على مرتكزات الصدق والأمانة والموضوعية والدقة في المعلومة،وهذا هو أعظم استثمار نقدمه للأجيال الحاضرة أو القادمة،والتي تتلهف على وجود القدوة الحسنة في القول والفعل من أهل القرار حتى تطمئن أنّ الخير باق في الأمة،وأنّ الحصاد المر قد دفن إلى غير رجعة.
جريدة الرأي: 20/04/2012
ابحث
أضف تعليقاً