wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
فقه الكلمة في الخطاب الديني
الجمعة, May 27, 2011 - 01:00

الفقه لفظ يُقصد به الفهْم ويُطلَق على العِلْم، والفِطْنة، ويرمي القصد به هذا المقال إلى احتساب الإنسان المؤمن لألفاظه، وأن تهيمن رقابة شخصية ذاتية على مفرداته قبل النطق بها؛ لِما للكلام من خطر جسيم، وأثر أليم، إنْ لم يكن معلوماً ومدروساً، قال تعالى:{مّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}سورة ق الآية 18، وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:"إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة. وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم". 
والكلمة هي أحد الآثار السلوكية التي تترتب عليها المسؤولية، وتخضع للرقابة والحساب والجزاء لأن الإسلام يريد من الإنسان المسلم أن يكون ملتزماً يُخضع قَصْدَه وقَوْلَه وفِعْلَه لأحكام الشرع فلا يطلق الكلمة إلا بعد أن يفكر في معناها وآثارها ونتائجها، وهو مسؤول عنها ومحاسب عليها ولا شيء في عالم الوجود يذهب هَدْراً أو يضيع هباءً؛ فعلام الغيوب يحصي على الإنسان كلّ ما يصدر عن الإنسان. والقضاء العادل يضع يوم الجزاء كلمته في ميزان الحساب لذا فإن الإنسان المؤمن يشعر بالمسؤولية ويؤمن بالحساب والجزاء المترتب على الكلمة التي يطلقها، ويحاول بكل جهده وقدراته الإرادية أن يؤطِّر كلمته ويصون نفسه من المسؤوليات والتبعات المترتبة عليها، وهو وحده قادر على أن يكتشف قيمة الكلمة ويدرك أهميتها، ويحترم دلالتها فليست الكلمة في عرفه لَغْواً ولا يطلقها جزافاً بل الكلمة عنده ذات أهمية ومسؤولية؛ فالكلمة قضية شأنها عظيم وخطرها جسيم، بها يدخل المرء في دين الله فيحرم ماله وعرضه بالنطق بالشهادتين، وبها يستنزف دينه وإيمانه وينصرف عن الشريعة السمحاء.
ومن هنا تبرز أهمية الكلمة ودورها في حياة الفرد والمجتمع.. كل ذلك لئلا تفقد الكلمة معناها، ولئلا يفصل المسلم بين القول والقصد والعمل، وكي لا يسمح لكلمته أن تنطلق بلا قصد أو هدف أو قرار صادر، فتكون عبارته مَيْتَة جوفاء، وألفاظه عائمة لا واقع لها ولا عمل يفسدها؛ ليتحول الإنسان المسلم إلى إنسان عمل وعطاء وتأثير في هذا الكون، وليوظِّف كلمته دوماً في مجال الخير والبناء لتكون شجرة طيبة تُجنى ثمارها ويُستظل بظلالها وينتفع الآخرون بخيرها وعطائها.
والكلمة إن لم تترجم إلى عمل تفقد هَيْبَتها ويفقد صاحبها معها هيبته وقيمته ويتعرض لغضب الله ومَقْته ولكم كان تشديد القرآن عظيماً واستنكاره كبيراً لهذه الصفة المرذولة في الإنسان؛ صفة الثرثرة واللغو والهذيان، قال تعالى:"قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون" سورة المؤمنون 1-3. 
أمّا التميّز الربّاني في دقة عرض الكلمة وتقييدها بالوصف الطيب أو الخبيث، فورد في قوله تعالى:"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّمَآءِ* تُؤْتِيَ أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ* يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ وَيُضِلّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَآءُ"سورة إبراهيم 24-27.
و"لئن كانت جذور الشجرة الطيِّبة تتفرَّع في جوف الأرض... فإن الكلمة الطيِّبة تتفرَّع في شغاف القلب،  وتلامس سويداءه لتخلِّف مكانها أمناً وسلاماً... بينما تصعد فروعها إلى سماء النفس فتجلوها، وإلى مرآة الوجدان فتصقلها، وتنشر على من حولها ظلال الإيمان الندية، فهي لبنة أساسية في صرح السعادة الإنسانية".
فالكلمة الطيِّبة تُسعد قائلها وسامعها، فهي تخرج من القلب المزكَّى ويطلقها اللسان المنقَّى لتستقر في القلب، كما أنَّها تُسعد الناس بما تخلقه من جوٍّ يفيض بالأُلفة والمودَّة، وتُنْعِشُهم بأريجها الفوَّاح، إنّها ترجمة صادقة للشعور الطيِّب والإحساس النبيل، تحمل بين حروفها دفء الحبِّ ولذَّة العطاء وسعادة التواصل الرفيع بين إنسان وإنسان، فهي رَوْح ورَيحان، ونسمات ريّان.
والكلمة الطيِّبة تُزهر في النفس لتتفتَّح بأجمل أزهار الخير والحبِّ التي يعبق شذاها فوَّاحاً في كلِّ زمان ومكان، إنَّها جميلة رقيقة لا تؤذي المشاعر ولا تخدش النفوس، نتائجها مفيدة، وغايتها بناءة، ومنفعتها واضحة.
وكم من كلمة طيِّبة قرَّبت بين المتباعدين، وأصلحت ما بين المتخاصمين وجمعت شمل المتدابرين، فأورثت صاحبها عزّاً وحمداً بين الناس لا يُمحى على مرِّ الأيام. 
ولما كانت الأشياء تتميَّز بأضدادها ذكر الله لنا الكلمة الخبيثة بمقابل الكلمة الطيِّبة، فلولا الظلمة ما عُرف فضل النور، ولولا القُبح ما ظهرت روعة الجمال، لأنَّ تعوُّد الإنسان رؤية الجمال وحده، يجعله باهتاً في نظره، ويفقده قيمته مهما كان جليلاً، فإذا ما صدمت عيني الإنسان دمامةُ القُبح أدرك روعة الجمال، وإذا ما أَدْمَتْهُ يد الشرِّ أحسَّ بحنوِّ اليد الرحيمة حين تمتدُّ إليه لتمسح جراحه.
والكلمة الخبيثة ألغام متفجِّرة في طريق المجتمع المتكاتف تُفتِّت وحدته وتقتلع جذور الأخوَّة الَّتي تثبِّت المحبَّة بين أبنائه وتنشر مكانها بذور البغضاء والأحقاد فيعمّ فيه الفساد وتنهار أواصره وتتداعى مقوِّماته ليصبح هباء منثوراً تذروه الرياح.
إنَّ الوصف الربّاني الفائق للكلمة، إنّما يرنو أن يرسم لنا بريشته البيانية المبدعة تصور الإسلام لأهداف الكلمة، وتفسيره لسبب وجودها وطبيعة الآثار والنتائج الإيجابية التي يمكن أن تتركها في حياة الإنسان، فالقرآن الكريم يريد أن يجعل من الكلمة مصدراً للخير والعطاء والإصلاح، تملأ دنيا الإنسان، وتترسخ في أعماق الحياة، ليتذوق الناس طعمها، وتسترخي الأنفس إلى سماعها وتبنى الحياة بوحي من هداها. الكلمة الطيبة التي تقع في نفس الضال فتهديه. والمحزون فتسليه، والخائف فتطمئنه والفاسد فتصلحه، والجاهل فتعلمه، والغضبان فتهدئه والعدو البعيد فتقربه.
فأهداف الكلمة في منطق القرآن إذن هي نشر الإصلاح والخير والمعروف والسلام والإحسان بين الناس؛ لأن للكلمة الطيبة أثراً فريداً على شخصية المتلقي لها، والمخاطب بها. فلهذه الكلمة القدرة على الإشباع العاطفي البنّاء والمساهمة الفعّالة في تنمية الإحساس الجمالي بالحياة. كما أنَّ لها القدرة على القيادة الفكرية السليمة والبناء السلوكي والاجتماعي القويم. فللكلمة آثارها النفسية والعاطفية كما لها دورها الفكري والقيادي في المجتمع.
والقرآن بحديثه هذا يرسم للإنسان، بصورة عامة، ولصنّاع الكلمة من الأدباء والمفكرين والكتاب والخطباء والعلماء والشعراء والدعاة إلى الإسلام والإصلاح بصورة خاصة، يرسم لهم كيفية استخدام الكلمة، وأسلوب توظيفها، والأهداف الطبيعية التي وجدت من أجلها.
لذا كان لزاماً علينا إذ ما أردنا للكلمة الطيبة البناءة أن تحتل موقعها المؤثِّر في نفس الإنسان، أن نخطط بوعي وخبرة لانتخاب المفردة وتوصيل الفكرة لمجابهة الحرب الفكرية والدعائية التي يوجهها أعداء الإنسان وخصومه.
لذا كان اهتمام الإسلام عظيماً وعنايته بالغة في إيجاد الوعي والتعريف بخطورة الاستعمال المنحرف والشاذ، ولذا قام بالتوعية والتوجيه والتعريف بشخصية صانع الكلمة والربط بينها وبين حقيقة الشخصية، باعتبار الكلمة حقيقة تعبر عن الواقع النفسي والفكري لدى أصحابها. وتجسد صورة المحتوى الباطن لصائغه: لأن الكلمة علامة دالة على طبيعة التكوين الإنساني، وصيغة لفظية كاشفة عن حقيقة هذا الإنسان وطبيعة محتواه الفكري والنفسي خيراً كان أو شراً.
إن كلماتنا قنطرتنا للوصول للمبتغى وإلا ستغدو جثماناً أحسنّا الصلاة عليه بإمام مرتل وصوت متألق.

الغد:27/5/2011

محمود قدوم

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.