التصوف
حقيقته- مذاهبه وأشكاله
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد :
فإن أعلى مراتب الدين ولب الإسلام وروحه هو الوصول إلى مقام الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك, والطريق لتحقيق هذا المقام هو التزكية والسلوك, وقد كان الأئمة على مر العصور يسمون ذلك بعلم التصوف, والناس تجاه التصوف ما بين إفراط وتفريط ووسط :
قال الإمام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 11/17 : ( تنازع الناس في طريقهم :
وقال ابن القيم في مدارج السالكين :2/35 : ( فيقال : هذا ونحوه من الشطحات التي ترجى مغفرتها بكثرة الحسنات ، ويستغرقها كمال الصدق ، وصحة المعاملة ، وقوة الإخلاص ، وتجريد التوحيد ، ولم تضمن العصمة لبشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس :
إحداها : حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة ، ولطف نفوسهم ، وصدق معاملتهم ، فأهدروها لأجل هذه الشطحات ، وأنكروها غاية الإنكار وأساءوا الظن بهم مطلقا وهذا عدوان وإسراف فلو كان كل من أخطأ أو غلط ترك جملة ، وأهدرت محاسنه ، لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها .
والطائفة الثانية : حجبوا بما رأوه من محاسن القوم ، وصفاء قلوبهم ، وصحة عزائمهم ، وحسن معاملاتهم عن رؤية عيوب شطحاتهم ، ونقصانها فسحبوا عليها ذيل المحاسن . وأجروا عليها حكم القبول والانتصار لها واستظهروا بها في سلوكهم ,وهؤلاء أيضا معتدون مفرطون .
والطائفة الثالثة : - وهم أهل العدل والإنصاف - الذين أعطوا كل ذي حق حقه ، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته ، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول ، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد . ) اه
لا يهمنا هنا المعنى اللغوي للتصوف واختلاف أهل العلم في اشتقاقه, حيث قال بعضهم: هو نسبة إلى الصفاء لاهتمام أهل التصوف بصفاء القلوب, وقال آخرون: هو نسبة إلى أهل الصفة لتشبه أهل التصوف بهم, وقال آخرون: هو إلى نسبة إلى الصوف للبس أهل التصوف للصوف وكان أدنى اللباس, وقال آخرون: هو نسبة إلى كلمة صوفيا وهي كلمة يونانية تعني الحكمة.. إلى غير ذلك من الأقوال
لكن الذي يهمنا هنا هو المعنى الاصطلاحي للتصوف , وأيضا لا يهمنا هنا ذكر خلاف العلماء في المعنى الاصطلاحي , لأن بعضهم عرف التصوف بالثمار أو ببعض الثمار وبعضهم عرفه ببعض المقامات أو بعض الأحوال ... ألخ
ولكن الذي يهمنا هنا هو خلاصة المعنى الاصطلاحي وزبدته وهو : تزكية النفس وتربيتها للوصول بها إلى الاستقامة مع الحق والاستقامة مع الخلق بالعلم والعمل والتخلية والتحلية, والترقي بها للوصول إلى معرفة الله عز وجل أي الحضور معه سبحانه في كل حال
وهذا في الحقيقة هو مقام الإحسان الوارد في حديث جبريل وهو معنى سامٍ ونبيل وجميل ومحمود ومطلوب شرعا بل هو روح الإسلام ولبه , قال الإمام الغزالي : ( اعلم أن التصوف له خصلتان : الاستقامة مع الله تعالى ، والسكون مع الخلق فمن استقام مع الله عز وجل، وأحسن خلقه بالناس، وعاملهم بالحلم فهو صوفي , والاستقامة أن يفدي حظ نفسه على أمر الله تعالى , وحسن الخلق مع الناس أن لا تحمل الناس على مراد نفسك ، بل تحمل نفسك على مرادهم ، ما لم يخالفوا الشرع ) اه من أيها الولد ص 48
وقال أيضا : ( طريقتهم إنما تتم بعلم وعمل ؛ وكان حاصل علومهم قطع عقبات النفس. والتنـزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة ، حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله)اه من المنقذ من الضلال 145
فالتصوف الحق يعنى بصلاح القلب وتطهيره من الآثام , وكذا تطهير الجوارح, وذلك فرض عين على كل مسلم ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) , ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) , ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله )
ولذا عد ابن تيمية الصوفي الذي يدخل في الوقف على الصوفية هو من تتوفر فيه ثلاثة شروط: الأول : أن يكون عدلا في دينه, والثاني : أن يكون ملازما لغالب الآداب الشرعية في غالب الأوقات, والثالث : أن يكون قانعا بالكفاية من الرزق, حيث قال في مختصر الفتاوى المصرية (ج 1 / ص 358): (وأما الصوفي الذي يدخل في الوقف على الصوفية فله ثلاثة شروط: أحدها أن يكون عدلا في دينه, والثاني أن يكون ملازما لغالب الآداب الشرعية في غالب الأوقات وإن لم تكن واجبة مثل أدب الأكل والشرب واللباس والنوم والسفر والركوب والصحبة والعشرة وحسن المعاملة مع الخلق إلى غير ذلك من الآداب الشرعية قولا وفعلا ولا يلتفت إلى ما أحدثه بعض المتصوفة من لاآداب التي لا أصل لها في الدين من التزام شكل مخصوص في اللبسة ونحوهما مما لا يستحب في الشريعة فإن مبنى الآداب على اتباع السنة ولا يلتفت إلى ما يهذر به بعض المتفقهة من آداب ظنها مشروعة يعتقد لقلة علمه أن ذلك ليس من آداب الشريعة لكونه ليس فيما بلغه من العلم الاعتبار بالآداب بما جاءت به الشريعة قولا وفعلا وتركا
وكلامنا هنا إنما هو عن التصوف الحق بمعناه عند واضعيه فإن قال قائل أنا أسمي هذا المعنى الحسن بالتزكية أو بالسلوك أو الجانب الروحي ... إلخ , فنقول : لا مشاحة في الاصطلاح والعبرة بالحقائق لا بالمسميات ,كما قيل ( العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني )
قال الشيخ عبد القادر عيسى في كتابه حقائق عن التصوف ص 5 : ( ... وعلى كلٌّ فإننا لا نهتم بالتعابير والألفاظ، بقَدْرِ اهتمامنا بالحقائق والأسس. ونحن إذ ندعو إلى التصوف إنما نقصد به تزكية النفوس وصفاء القلوب، وإصلاح الأخلاق، والوصول إلى مرتبة الإحسان، نحن نسمي ذلك تصوفاً .
وإن شئت فسمه الجانب الروحي في الإسلام، أو الجانب الإحساني، أو الجانب الأخلاقي، أو سمه ما شئت مما يتفق مع حقيقته وجوهره؛ إلاَّ أن علماء الأمة قد توارثوا اسم التصوف وحقيقته عن أسلافهم من المرشدين منذ صدر الإسلام حتى يومنا هذا، فصار عُرفاً فيهم)اه
ما سبق هو المراد من التصوف عند أهله وواضعيه وعليه فالتصوف كله حسن وجميل , لكن المنتسبين إلى التصوف قسمان :
وهؤلاء المنحرفون عن التصوف ممن انتسب إليه أقسام :
وهذا الانحراف في بعض المنتسبين إلى التصوف لا يعود على الأصل بالنقض فكما أن هناك من المنتسبين إلى علم الحديث من هو منحرف في اعتقاده أو مقصده ومع ذلك لم يعد على الأصل بالنقض وقل مثل ذلك في المنتسبين إلى اللغة والأصول وو ... لخ فكذلك التصوف, قال الشوكاني في رسالته في التصوف المطبوعة ضمن الفتح الرباني برسائل الشوكاني: (وإذا فرضنا أن في المدعين للتصوف من لم يكن بهذه الصفات وعلى هذا الهدى القويم فإن بدا منه ما يخالف هذه الشريعة المطهرة وينافي منهجها الذي هو الكتاب والسنة فليس من هؤلاء والواجب علينا رد بدعته عليه والضرب بها في وجهه كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد ) وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( كل بدعة ضلالة ) ومن أنكر علينا ذلك قلنا له وزنا هذا بميزان الشرع فوجدناه محالفا له ورددنا أمره إلى الكتاب والسنة فوجدناه مخالفا لهما وليس الدين إلا كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والخارج عنهما المخالف لهما ضال مضل
ولا يقدح على هؤلاء الأولياء وجود من هو هكذا فإنه ليس معدودا منهم ولا سالكا طريقهم ولا مهتديا بهديهم فاعرف هذا فإن القدح في قوم بمجرد فرد أو أفراد منسوبين إليهم نسبة غير مطابقة للواقع لا يقع إلا ممن لا يعرف الشرع ولا يهتدي بهديه ولا يبصر بنوره)اه
وقد وجد فيمن انتسب إلى الصوفية من يقول بالحلول والاتحاد ومن يقول بالإباحة وإسقاط التكاليف, وهذا الاعتقاد ليس من التصوف في شيء وقد تبرا أهل التصوف ممن قال ذلك قال السيوطي في كتابه تأييد الحقيقة ص95: (وقد تأملت الأمور التي أنكرها أئمة الشرع على الصوفية فلم أرَ صوفيا محققا يقول بشيء منها, وإنما يقول بها أهل البدع والغلاة الذين ادعوا أنهم صوفية وليسوا منهم, والراجع منها إلى أصول الدين أربعة:
الأول وهو شرها: الحلول والاتحاد وهو كفر صريح وضلال مبين ولم يقل به أحد من المعتبرين وحاشاهم من ذلك, بل ما زال المعتبرون من الصوفية ينبهون على تضليل من يقول به وتكفيره ويحذرون منه, منهم الغزالي في عدة مواضع من الإحياء... ) اه
ثم ذكر كلام الغزالي في التشنيع على القائلين بذلك, وأردفه بكلام أئمة الصوفية في تضليل وتكفير القول بالحلول والاتحاد, ومن ذلك قول القاضي عياض: ( أجمع المسلمون على كفر أصحاب الحلول وكفر من ادعى حلول الباري في واحد من الأشخاص كقول بعض المتصوفة والباطنية والنصارى والقرامطة)اه
ثم قال السيوطي ص106: (فانظر كيف نقل ذلك عن بعض المتصوفة وهم الغلاة منهم لا كلهم حاشاهم من ذلك, وكذلك لم ينقل أصحاب الكتب الكلامية ذلك إلا عن بعضهم, قال ابن جماعة في شرح الكوكب الوقاد: يجب أن ينزه الله تعالى عن الحلول خلافا للنصارى وبعض الصوفية تعالى الله عن ذلك... )اه
ثم قال السيوطي ص124: (الأمر الثاني: القول بالإباحة, وهذا أيضا لم يقل به أحد من المعتبرين وإنما قال به بعض الغلاة, زعموا أن الإنسان إذا وصل إلى حد الفناء سقط عنه التكليف وأبيحت له المحرمات, وقد تقدم في كلام القسطلاني الإشارة إلى ذم ذلك وأنه زندقة وكذلك في كلام أي نعيم...)اه ثم ذكر كلام أئمة الصوفية في ذم ذلك
الطرق الصوفية
الطريقة مصطلح مأخوذ من القرآن قال تعالى: (وألوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا) والطريقة في اصطلاح أهلها هي: ( اسم لمنهج احد العارفين في التزكية والأوراد اخذ بها نفسه حتى وصل إلى الله تعالى فينسب هذا المنهج إليه ويعرف باسمه)
وقد كان للطرق الصوفية والزوايا والتكايا الدور الكبير في نشر الاسلام وتعاليمه في كثير من انحاء العالم وخصوصا افريقا وجنوب شرق اسيا
واذا كانت الطريقة لا تخالف الشريعة فلا اشكال في الاخذ بها والانتساب اليها بشرط عدم التعصب, وقد اشتهر كثير من اهل العلم والصلاح بطرقهم في التربية والتزكية واقتدى بهم اهل العلم والصلاح على مر العصور كالشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ احمد الرفاعي والشيخ ابو الحسن الشاذلي وغيرهم
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 11/510 : ( وأما انتساب الطائفة إلى شيخ معين فلا ريب أن الناس يحتاجون من يتلقون عنه الإيمان والقرآن كما تلقى الصحابة ذلك عن النبي وتلقاه عنهم التابعون وبذلك يحصل اتباع السابقين الأولين بإحسان فكما أن المرء له من يعلمه القرآن ونحوه فكذلك له من يعلمه الدين الباطن والظاهر) اه
وقال كما في مجموع الفتاوي 3/416 : ( بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها: مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي, أو إلى شيخ كالقادري والعدوي ونحوهم, أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي واليماني, وإلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري, فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان) اه
التصوف والجهاد والسياسة
ينسب البعض إلى الصوفية ترك الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك المشاركة في الحياة العامة وما شابه ذلك لمّا رأوا من أن بعض الصوفية كذلك, بينما الناظر في تاريخ الصوفية في القديم والحديث يجد الأمر بخلاف ذلك, ويجد أن الكثير من الصوفية في الزمن الأول كانوا من المرابطين في ثغور الإسلام أمثال: الربيع بن خثيم وإبراهيم بن أدهم وحاتم الأصم وأبي يزيد البسطامي والجنيد والسري السقطي, بل إن نور الدين محمود زنكي ومن بعده صلاح الدين الأيوبي, وكذا محمد الفاتح كانوا من الصوفية كما لا يخفى على المطلع على تراجمهم
وكذلك كثير من الحركات التحررية ضد الاستعمار في العصر الحديث كانت من الصوفية كما هو الحال في الحركة السنوسية وعمر المختار في ليبيا والأمير عبد القادر الجزائري في الجزائر والمهدي في السودان وعز الدين القسام في الشام.. وقد كتب الأستاذ أسعد الخطيب كتابا في ذلك أسماه (البطولة والفداء عند الصوفية – دراسة تاريخية) وثق فيه كل ذلك وذكر الكثير مما لم نذكره ولولا خشية الإطالة لنقلنا نبذا منه
وعند النظر إلى المصلحين والعلماء والقضاة عبر الزمان نجد الكثير منهم من الصوفية كأمثال الغزالي والنووي والعز بن عبد السلام وابن قدامة وابن القيم والسيوطي ... إلخ ولا يخفى ذلك أيضا على من طالع تراجمهم
بل إن كثيرا من قادة ومنتسبي الحركات الإسلامية المعاصرة في مصر والشام والهند وأفريقيا والعراق واليمن وغيرها هم من الصوفية. ولا يعني هذا أنه ليس في الصوفية سلبيون بل يوجد فيهم سلبيون كما يوجد في غيرهم من الطوائف, ولكن الخطا في التعميم
التصوف ومشكلات العالم
تقدم ان التصوف هو الإحسان في التعامل مع الخالق والإحسان في التعامل مع المخلوق, وكل مشكلات العالم هي إما من عدم الإحسان مع الخالق أو من عدم الإحسان مع الخلق
فبعدم الإحسان مع الخالق تنزل البلايا والمصائب والشرور, قال تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) وقال تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) وبالإحسان مع الخالق تحل الخيرات والبركات والمسرات قال تعالى: (ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) وقال تعالى (وان لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا), وبعدم الإحسان مع المخلوق تحصل الحروب والشحناء والبغضاء والغش والحسد والخداع والمكر وسفك الدماء وانتهاك الأعراض ونهب الأموال وكل ما نراه من شرور بين الناس.
والمخرج من ذلك كله هو بالتصوف.. ليس التصوف الشكلي والاهتمام بالرسوم والمظاهر بل بالتصوف العميق الحق الذي به صلح أول هذه الأمة ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك
صلاح أهل الحكم والسياسة
فعلى صعيد الحكم والسياسة اذا كان الحاكم من اهل التصوف والتزكية فانه سيراقب الله في كل صغيرة وكبيرة في حكمه للرعية, فلا يظلم أبدا ولا يأكل من أموال الرعية, بل لا يخطر له ذلك على بال, وسيعمل جاهدا على خدمة الرعية ونشر العدل بينهم, وها هو سيدنا عمر رضي الله عنه لتحققه بمعاني التصوف قال: (لو أن بغلة في العراق عثرت لخشيت أن يسالني الله عنهما يوم القيامة, لمَ لم تسو لها الطريق يا عمر؟), ولتحققه بهذا المعنى كان يطوف في الليل على بيوت أهل المدينة يتفقد أحوالهم لينظر من هو محتاج أو مظلوم, ولتحققه بذلك قال لبطنه وقد سمع منه قرقرة الجوع : (قرقر أو لا تقرقر فوالله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين), وقصصه رضي الله عنه في ذلك أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر.
ثم إذا انتقلنا إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي تحقق بذلك المعنى نجد أن العدل قد انتشر في زمانه حتى إن الذئاب لا تعدو على الغنم وحتى لم يوجد في زمانه فقير من المسلمين, وقد كان رضي الله عنه له شمعتان للسراج في الليل, واحدة اشتراها من بيت مال المسلمين والأخرى من ماله, فان كان سهره لأمر من أمور المسلمين أشعل الشمعة التي من بيت المال وإذا كان سهره لأمر خاص أطفأها وأشعل الشمعة الأخرى, ثم إذا انتقلنا إلى صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه الذي تحقق بهذا المعنى نجد انه قد نشر الخير والعدل في البلاد والعباد, ولا نريد أن نطيل بذكر تفاصيل عدلهم في الحكم لان المقام لا يتسع
وفي المقابل إذا كان الحاكم خاليا من هذه المعاني فانه سيكون أصلا لانتشار الفساد والبلاء والظلم والنهب والخراب والحروب والفتن كما هو الحال إلا من رحم الله
صلاح الرعايا والشعوب
وأما عن الرعية فإذا تحققوا بتلك المعاني فسيكونون عونا لحكامهم على الخير ناصحين لهم مطيعين لهم في طاعة الله ورسوله, داعين لهم بالتوفيق والرشاد, فان رأوا من حكامهم ظلما أو غفلة صبروا ونصحوا كما أوصاهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
أما الرعية الذي ليسوا متحققين بتلك المعاني فإما أن يداهنوا الحكام ويسكتوا على الباطل ويكونوا عونا للحكام على الظلم والفساد. وإما أن يكون همهم كراسي الحكم والوصول إليها فيتسببون بالفتن والبلايا وسفك الدماء وخراب البلاد والعباد كما هو حاصل.. نسال الله أن يرفع البلاء ويحقن الدماء
هذا في تعاملهم مع حكامهم أما عن تعامل بعضهم مع بعض فإذا تحققوا بمعاني التصوف فستنتشر بينهم الأخلاق الفاضلة والصفات الحميدة والحب والإخاء والولاء والنصرة والتعاون والتآزر والإيثار والإحسان والكرم والمواساة والصلة والبر والصدق والنصح..الخ وعلى العكس من ذلك عندما يهملون معاني التصوف فستنتشر بينهم الأخلاق السيئة والصفات القبيحة والشحناء والبغضاء والعداء والكيد والمكر والخيانة والبخل والظلم والخداع والعقوق والقطيعة والتهاجر والتدابر..الخ كما هو الحال إلا من رحم الله.. نسال الله العافية
صلاح أهل المال والاقتصاد
وعلى سبيل المال والاقتصاد فصاحب ذلك إذا كان من أهل التصوف والتزكية فانه لن يكتسب المال إلا بالحلال ولن ينفقه إلا في الخير, وسيواسي به عباد الله ويقضي به حوائج الخلق, والمال والدنيا عند أهل التصوف لا شيء, ولذا لما تحقق الصحابة بمعاني التصوف صار الواحد منهم يقول لأخيك (خذ نصف مالي) وضربوا في ذلك أروع الأمثلة وكانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة وكان الواحد منهم لا يبالي أن ينفق ماله كله في سبيل الله وبعضهم نصف ماله.
وأكثر ما يحصل بين الناس الآن من الحروب والشحناء والبغضاء هو من اجل الدنيا والمال فمن عرف قدر الدنيا وخرج حب الدنيا من قلبه لا يجعل الدنيا والمال سببا في إساءة المعاملة مع الخلق بل يجعلها سببا في حسن المعاملة مع الخلق إن يسرها الله له, فان زواها عنه فلا ينازع الناس دنياهم بل يرضى بما قسمه الله له, ويرى ذلك من النعمة لان حلالها حساب وحرامها عقاب
وإذا خلى صاحب المال عن هذه المعاني فانه سيتصف بالجشع والطمع والغش والخيانة والقسوة وعدم المبالاة بالخلق كما هو الحال إلا من رحم الله
صلاح أهل العلم والمعرفة
وإذا جئنا إلى أهل العلم والمعرفة فانه من يتحقق منهم بمعاني التصوف سيكون همه كيف يعرف ربه بالعمل بالعلم, وكيف يعرّف الناس بربهم ويدلهم على الخير ويعلمهم ما ينفهم, ولا يلتفت إلى ما يحصل بين بعض أهل العلم من الحسد والتنافس على الدنيا وأهلها
ومن تحقق بذلك تكون فتاويه وفق ما يرضي الله تعالى فلا يبالي برضا أصحاب المال والجاه والحكم أو سخطهم بل همه رضاء الله وسخطه, فهو حريص على العمل بما يرضيه ولو كان فيه سخط الخلق أجمعين وحريص على اجتناب ما لا يرضي الله ولو كان في عمل ذلك رضاء الخلق أجمعين
وقد قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين ج2/ص357: (فساد الرعايا بفساد الملوك وفساد الملوك بفساد العلماء وفساد العلماء باستيلاء حب المال والجاه, ومن استولى عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الأراذل فكيف على الملوك والأكابر والله المستعان على كل حال)اه
صلاح أهل الدعوة والتربية
وإذا جئنا إلى أهل الدعوة والتربية فمن تحقق منهم بالتصوف فسيكون عنده همٌة كبيرة لهداية الخلق وإخراجهم من الظلمات إلى الناس, ودلالتهم على الله تعالى, وسيكون الداعي رحمة للخلق كما كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم, فمن امتلأ قلبه بمعاني التصوف امتلأ قلبه -ولا محالة- رحمة للخلق
وفي القرن السابع الهجري خرج طائفة من أهل التصوف من علماء وصلحاء حضرموت إلى جنوب الهند للدعوة إلى الله ونشروا الإسلام هنالك ثم ارتحلوا الى جنوب شرق آسيا (اندونيسيا-ماليزيا-سنغفورة-تايلند-الفلبين) ونشروا الإسلام هنالك أيضا
عدد المسلمين الذين اسلموا بسبب هؤلاء الدعاة في جنوب الهند وشرق آسيا يكاد يكون ثلث عدد المسلمين في العالم, لأنهم الآن هنالك ما يقرب من نصف مليار فضلا عن اللذين ماتوا على الإسلام خلال القرون الثمانية الماضية منذ دخول الإسلام إلى تلك البلدان على أيدي أولئك الرجال
أولئك الدعاة لم يذهبوا بالسيف ولم يذهبوا بالسلاح وإنما ذهبوا بالأخلاق النبوية والأحوال المصطفوية, لم ترق أي دماء في سبيل إدخال الناس في هذا الدين وإنما رأى منهم الناس أخلاقا ملائكية فسألوهم من أين لكم بهذه الأخلاق؟ فقالوا: هذه أخلاق ديننا الإسلامي, فقالوا: ما أحسن هذا الدين, فدخلوا في دين الله أفواجا ودخلت ملوكهم في هذا الدين أيضا
امتهن أولئك الدعاة التجارة حتى لا يمدوا أيديهم للناس بل كانوا يكرمون الناس من تجارتهم, ولا تزال قصة دخول الإسلام إلى تلك البلدان محفورة في ذاكرة الأجيال هنالك يتناقلونها جيلا بعد جيل ويسمون أولئك الدعاء بـ(الأولياء التسعة) وقبورهم مشهورة مزورة إلى الآن وقد زرنا بعضهم عندما ذهبنا إلى شرق آسيا
هذه هي مدرسة التزكية والتصوف .. آداب وأخلاق .. أذواق وأحوال.. محبة وسلام .. وهذه الأخلاق ليست بدعا من القول وإنما تلقوها أبا عن أب وشيخا عن شيخ إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم , فهذه أخلاقه وهذه آدابه. فلم يكن قط هدف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا غيره من الأنبياء والمرسلين هو قتل من لم يستجب لهم ولا إهلاكهم وإبادتهم وتدميرهم, وإلا لما كان مع الأنبياء حواريون وأصحاب؛ لأن الحواريين والأصحاب كانوا قبل الدعوة غير مؤمنين بالله ورسله, ولكن كان هدف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء والمرسلين, بل وهدف كل داعية عرف حقيقة الدعوة؛ هو: إدخال الناس في دين الله.. إدخال الناس في الهداية.. إدخال الناس في الرحمة.. إدخال الناس في جنة الدنيا وجنة الآخرة, وهذا الأمر من الوضوح والجلاء بمكان, ولكن البعض قد يعمى عنه بسبب الفتن وردود الأفعال والغيرة والحماسة. والنماذج على ذلك من السيرة النبوية كثيرة جدا
صلاح أهل الحرب والقتال
من تحقق بتلك المعاني علم قيمة الإنسان وانه نفخة الله وان قتله من اكبر الجرم (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) وعلم أن الحرب والقتل مكروهة عند الله تعالى (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله)
فمن تحقق بمعاني التصوف يسعى جاهدا في إحلال السلم لا في إشعال الحرب, لكن إذا فرضت عليه الحرب من قبل أهل الكفر فلا يبالي بالموت بل يرى نفسه رخيصة من اجل الله, وإذا قاتل فليس متعطشا لسفك الدماء بل يقاتل وهو يتمنى الخير للمعتدي ويحزن عندما يقتل شخصا فيخرج من الدنيا على غير الإسلام, ويعلم حتى وهو في حالة القتال أن للحرب أخلاقا يحبها الله فلا يقاتل لحظ نفسه بل لأجل الله تعالى
وها هو سيدنا علي رضي الله عنه كان يحارب في احد المعارك فبارز شخصا من أهل الكفر المحاربين فسقط ذلك الشخص ورفع سيدنا علي سيفه ليضربه فتفل الرجل في وجه سيدنا علي فتركه وذهب ولم يقتله فقيل له: تركته بعدما تمكنت منه؟ فقال: كنت أقاتله لأجل الله فلما تفل في وجهي تحركت نفسي لأقتله من اجلها فما كنت لأقتل بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من اجل نفسي
وقد كان أهل التصوف في مقدمة المجاهدين في سبيل الله على مر الزمان فعندما اخذ الصليبيون بيت المقدس تحررت على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي الصوفي وقد كان كثير من جيشه ومقاتليه من جيل الصوفية الذين تربوا في الزوايا والخوانك, وفي العصر الحديث عندما احتل المستعمرون من أهل الكفر بلاد المسلمين كان الصوفية في أوائل وقيادات من قام للجهاد في سبيل الله لطرد المستعمر الكافر من بلاد المسلمين
صلاح بقية المجالات والتخصصات
وإذا جئنا إلى أهل الصناعات والمهن والوظائف والأعمال فعندما يتحققون بمعاني التصوف فسيتحلون في أعمالهم بالإتقان والصدق والأمانة والنصح والانضباط والجد والتعاون, وفي المقابل عندما لا يتحققون بذلك فسينتشر فيهم الكذب والخيانة والغش والإهمال والكسل والحسد..الخ
وإذا جئنا إلى الآباء والأمهات فعندما يتحققون بمعاني التصوف فسيسود البيوت الرحمة والرفق والأخلاق وسيتربى الأولاد على الخير والاستقامة والأخلاق والآداب والفضائل, وعلى العكس من ذلك عند عدم التحقق بذلك فسيسود البيوت العنف والغلظة وسوء الأخلاق وستكون تربية الأولاد على الانحراف والأخلاق السيئة
وقس على ذلك بقية المجالات في كل شؤون الحياة, والفيصل في ذلك أن الصوفي دوما مع الله في استحضار المراقبة والمشاهدة وقد عَمَرَ الله قلبه بالخير والنور والرحمة والنصح فهو في تعامله مع أي احد ينطلق من هذا الميزان (المراقبة-والرحمة), وعليه فالحل لكل المشكلات والقضايا والتحديات في العالم هو بالتحقق بمعاني التصوف الحق والتزكية والله اعلم
نسال الله العظيم رب العرش الكريم بجاه نبيه الكريم أن ينشر هذه المعاني في الآمة, بل وفي العالم, وان يصلح أحوال المسلمين وأن يجمع كلمة المسلمين, والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه والتابعين
عبدالفتاح بن صالح قديش اليافعي
اليمن-يافع
24/ذو الحجة/1440ه
ابحث
أضف تعليقاً