
أحوال باكستان الاجتماعية ليست أفضل حالا من أحوالها السياسية ، فالباكستانيون -الآن - يدفعون ثمن التحولات والتراكمات والأزمات السياسية التي عصفت ببلادهم ويكفي ان تتجول في شوارع "روالبندي" المكتظة بالسكان والأكثر ازدحاما بالأسواق لتدرك الحالة الاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الناس.
أمام احد المحلات توقفنا قليلا لشراء بعض الأغراض فجأة اندفع أكثر من عشرة أطفال "من الأولاد والبنات تحت سن العاشرة" وقاموا بتطويق السيارة ، حاول السائق أن يواصل مسيره فتشبثوا بالأبواب ، ومنعونا من السير ، سألت المرافق عما يريدونه فقال: أنهم يقولون: يا عم زيد مساعدة..
تكرر هذا المشهد كثيرا فعلى امتداد الشوارع يقف الأطفال والكبار أيضا بانتظار من يمد لهم يد العون ، وقد اخبرنا احد الأساتذة أن نحو نصف الأسر -أو أكثر - في الباكستان تعاني من فقر مدقع ، وأنه نحو 200 شخص انتحروا خلال العام الماضي بسبب الجوع والعوز كما أن الفيضانات التي حدثت قد زادت من حدة هذه المشكلة ، وهو ما دفع الحكومة هناك -وسط شيوع ظواهر بيع الأولاد وممارسة تجارة الفاحشة -إلى طلب الإغاثة من العالم ، والى البحث عن خطط لمواجهة هذا التدهور الاقتصادي.
فيما يتعلق بالزواج ذكر لي الرجل أن الفتاة وعائلتها يتكفلون بنحو %90 من المصاريف ، وان زواج "القاصرات" منتشر اما التعدد في الزوجات فغير منتشر بشكل كبير الا في بعض المناطق القبلية ، وحين سألته عن مشكلة "العنوسة" قال: اعتقد اننا لا نعاني كثيرا من هذه المشكلة ، فشروط الزواج ومراسمه بسيطة ، وغالبا ما يسكن الشبان عند اهلهم ، ولا يبالغ الاهل كثيرا في طلباتهم.
مشكلة الامية احدى اهم المشكلات التي يعاني منها المجتمع الباكستاني فعدد الاميين يقترب من %70 من عدد السكان ومن المفارقات ان في باكستان اكثر من 500 عالم ذرة وآلاف المعاهد والجامعات "جامعة البنجاب تأسست مثلا عام 1882م" وآلاف المدارس الدينية "اكثر من 200 الف مدرسة حكومية 140و الف مدرسة خاصة" فيما يزداد اعداد الاميين لا سيما عند "النساء" وتزداد فوضى التعليم خاصة في مناطق "القتال" التي تشهد نزوحا دائما للسكان.
لا استطيع ان اختم هذه الملاحظات السريعة التي سجلتها دون ان اشير الى عدة انطباعات منها ما لمسته من طيبة ودفء الشعب الباكستاني وحبه لدينه وامته ومنها ما يمثله شاعره وفيلسوفه محمد اقبال من الهام ومصدر اعتزاز للجميع ، ومنها جمال طبيعة باكستان وجبالها الخضراء الشاهقة وبساطة اهلها وكرمهم وابتعادهم عن كل شير عن التعقيد والمظهرية خاصة في اللباس والطعام والتصرف مع التزامهم دائما بعاداتهم وتقاليدهم التي استمدوها من الاسلام او من ثقافات القارة الهندية.
من الملاحظات ايضا ان المؤتمر الذي شاركنا فيه وقد نظمه منتدى الوسطية العالمي واستضافته الجامعة الاسلامية العالمية في اسلام اباد ، قد شهد حوارات ممتدة على مدار يومين كاملين ، وغالبا ما كان المشاركون يستأنفونها في حدائق بيت الضيافة الذي خصص لاقامتنا ، ولم تكن حول موضوع المؤتمر فقط وانما حول مختلف القضايا الفكرية والانسانية التي تتعلق بعالمنا الاسلامي ما اعطى "لرفقة" السفر نوعا خاصا من الدفء والحميمية.
وما زلت اذكر دماثة صديقنا امين عام منتدى الوسطية الاستاذ مراد الفاعوري ولطف استاذنا احمد نوفل ورحابة صدر استاذنا محمد الخطيب وعذوبة مداخلات محمد الطلابي وسعد الدين العثماني من المغرب وصوت محمد حبش وهو يقرأ القرآن عند الفجر ودعابات عزالدين بن زغيبة ولباقة مرافقينا الدكتور محمد طاهر والدكتور محمد ضياء الحق من باكستان.
باختصار ، كانت اياما قليلة في باكستان ولكنها تركت لدينا انطباعات لا تنسى وهي فرصة لكي نحيي اخواننا في باكستان ونناشد دولنا وشعوبنا بضرورة الالتفات لمعاناتهم ومساعدتهم ولكي نشيد ايضا بالدور الذي ينهض به منتدى الوسطية العالمي لتقريب وجهات النظر بين علمائنا ومفكرينا ومناقشة قضايانا العربية والاسلامية بروح من "وسطية" الاسلام التي تنحاز دائما الى الحق والخير والعدل.
منقول عن الدستور الأردنية
التاريخ : 14-10-2010
ابحث
أضف تعليقاً