wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
د.منذر حدادين

السيدات والسادة المشاركون

"طيب الله أوقاتكم ورعاكم وسدد على طريق السداد خطاكم،

أبدأ حديثي بتقديم الشكر الجزيل للأخ العزيز مروان الفاعوري أمين عام منتدى الوسطية لتكرمه بدعوتي للمشاركة في هذا اللقاء المبشر بالخير، فما التقى الخيرون إلا وكان الخير نتيجة فعالهم. ثم أقدم نفسي للسامعين في قالب يتصل بموضوع مداولاتنا. فأنا سليل عائلة ضاربة جذورها في أعماق المشرق غسانية الأصل عربية الجذور من قبيلة الأزد إحدى قبائل العرب العاربة، ومنها أيضاً تحدرت قبائل الأوس والخزرج ومثلما نزحت هاتان القبيلتان إلى يثرب من اليمن كذلك نزحت أصولنا الغسانية الأزدية القحطانية إلى جنوب الأردن لتستقر لفترة تاريخية في أذرح التي استضافت التحكيم بين علي كرم الله وجهه ممثلاً بأبي موسى الأشعري ومعاوية بن أبي سفيان ممثلاً بعمرو بن العاص. وكانت غسان على دين النصرانية وما تزال بطون منها كذلك. ومنها تقدم أسلافنا إلى الشوبك ثم إلى الكرك ليعيدوا بعثها للحضارة. ومن الكرك نزح أجدادنا إلى رام الله بفلسطين ليعود أحدهم إلى الكرك، ثم نزح بعض منهم إلى السلط والحصن وإلى صافيتا بسورية. وأعقب ذلك نزوح إلى ماعين فعمان والزرقاء والفحيص. فليس كمثلنا ذوو جذور في شرق الأردن وبلاد المشرق إلا من سبقنا إلى هذه البلاد من الضياغمة ومن جذام وبعضٌ من لخم.

بعد هذا التقديم أتناول موضوع حديثي وعنوانه:

المكون المسيحي في المجتمع المشرقي  وحقائق التاريخ

                                                                                               د. م. منذر حدادين

وأجد قيمة عالية في إشارة رب العالمين إلى نصارى نجران بتنزيله في سورة البروج قوله:

"والسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود، قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود." وقد قصدت من جعل صدر حديثي سورة من سور القرآن الكريم تبيان وصف القوي العزيز لنصارى نجران ب "المؤمنين"، وتقول القاعدة الفقهية أن لا اجتهاد في معرض النص، وعليه من يجرؤ على وصف النصارى بغير ما وصفهم به رب العالمين؟

ثم أضيف كي ألقيَ الضوء على نظرة الرسول العربي إلى النصارى أتباع يسوع الناصري الذي انتشرت دعوته في بلاد مصر والنوبة والحبشة ومنها إلى اليمن وهاجر العديدون منهم بعد فتك الرومان باليهود وتدمير هيكلهم عام 70 للميلاد وطردهم من القدس وهجرة النصارى منها أيضاً وهاجرت الجموع إلى شمالي الجزيرة العربية وإلى يثرب وخيبر وسواهما من بلاد الحجاز.

ومن سنة الرسول العربي أن سمح للنصارى الذين وفدوا إليه في المدينة المنورة من نجران سمح لهم بإقامة صلاتهم في ركن من مسجده، وهو الذي أعطاهم ومن هم على ملة النصرانية خارج نجران عهده المشهور الذي ألزم به كافة المسلمين من بعده. فأوصيكم أيها المشاركون الأفاضل بدراسة ذلك العهد النبوي، وأقتبس منه لأغراض حديثي البندين التاليين، وكل بنوده حرية بالاقتباس:

تاسعا- «لا يُرفَضوا ولا يُخذَلوا ولا يتركوا هملا، لأني أعطيتهم عهد الله على أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»

عاشرا- «على المسلمين ما عليهم بالعهد الذي استوجبوا حق الذمام، والذب عن الحرمة، واستوجبوا أن يذب عنهم كل مكروه، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم، وفيما عليهم».

هذا في نظري الموقف المبدئي الشرعي التأسيسي لعلاقة المسلمين بالمسيحيين، وهو موقف التزم به أمراء المؤمنين، حتى أن ملوك بني أمية قدّموا للمسيحيين العونَ في بناء كنائسهم وترميمها استناداً إلى هذا العهد.

وأعطى النبي العربي عهد الأمان إلى كافة المسيحيين في عهده إلى رهبان طور سيناء المكتوب بخط علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مسجد المدينة وفيه يقول صلوات الله عليه:

"هذا كتاب كتبه محمد بن عبد الله إلى كافة الناس أجمعين بشيراً ونذيراً ومؤتمناً على وديعة الله فى خلقه لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً. كتبه لأهل ملته ولجميع من ينتحل دين النصرانية من مشارق الأرض ومغاربها قريبها وبعيدها فصيحها وعجميها معروفها ومجهولها كتاباً جعله لهم عهداً فمن نكث العهد الذى فيه وخالفه إلى غيره وتعدى ما أمره كان لعهد الله ناكثاً ولميثاقه ناقضاً وبدينه مستهزئاً وللّعنة مستوجباً سلطاناً كان أو غيره من المسلمين المؤمنين"، ويقول:

" ولا يجادلوا إلاّ بالتى هى أحسن ويخفض لهم جناح الرحمة ويكف عنهم أذى المكروه حيث ما كانوا وحيث ما حلوا." وقد شهد على هذا العهد صحابة رسول الله من بينهم:

ابو بكر بن ابى قحافه ، عمر بن الخطاب ، عثمان بن عفان ، على بن أبى طالب ، عبد الله بن مسعود ، العباس بن عبد المطلب ، الزبير بن العوام.

وأعرج على معاملة النبي العربي للوفد المسيحي بقيادة المطران الغساني يوحنا بن رؤبة، مطران إيلة، الذي أمّه في تبوك . وصالحه الرسول وأعطاه الأمان. وقد دون "ابن سعد" في طبقاته صورةَ كتاب ذكر أن الرسول كتبه لـ"يحنة بن رؤبة" "يحنة بن رَوْبَةَ" وأهل أيلة " أعطاهم الأمان لسفنهم وسيارتهم في البر والبحر ... ولمن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر".

هكذا كانت سنة رسول الله، وكان صلى الله عليه وسلم مقتدياً بما أنزل عليه من رب العزة القائل في سورة المائدة (82): "لتجدن أشد عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون." وفي هذه الآية تمييز من رب العالمين بين الذين أشركوا وبين النصارى. فكيف يجرؤ البعض في عصرنا هذا بنعت المسيحيين ب" المشركين"؟

وقال تعالى في سورة العنكبوت (46):

" ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون:"

 ولقد قصدت من الاقتباس أن أذكر أنفسنا والناس أجمعين بما أمره الله في آياته وتبيان سنة رسوله وأعمال أبناء ملة الإسلام من بعده.  وقد سن الله للمسلمين في سورة البقرة قوله تعالى:

)واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ( 191 )  فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ( 192 )  وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ( 193 ) )

وأرى جموع المسيحيين، وقد أطلق عليهم هذا الاسم في أنطاكية لدى وصول بولص الرسول للتبشير فيها، الذين اكتووا بنار التكفيريين في بلاد السواد وبلاد الشام يتساءلون: من هم هؤلاء الذين يدعون أنهم ينصرون الله في دينه وهم باسمه يقتلون الأبرياء؟ هل رب السموات والأرض بحاجة إلى نصرة من خلقهم أم أنه هو العلي العظيم القادر الجبار، والنصر من عنده وهو القائل في سورة آل عمران: "وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم." وأراهم، أي جموع المسيحيين يمتثلون لأوامر رب العزة  يتوقعون جدالهم بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالذبح والحرق دونما جدال أو ذنب.

وغني عن القول أيها الإخوة المشاركون والأخوات أن المسيحيين العرب هم عرب قبل أن يكونوا مسيحيين إلا أن شططاً استبد بالمتطرفين متزامناً مع استبداد الصهاينة بأهل الأرضَ التي بارك الله حولها وهي الأرض التي احتلوها واغتصبوها، وبدلاً من رص صفوفنا وااتحادنا لإنقاذها من أصفادها نرى الجهود تبذل خلاف ذلك بتأجيج الخلاف وصراع المذاهب حتى بين أبناء الدين الواحد.

نرى أيها الإخوة المشاركون إخوة لنا في فلسطين ضحايا احتلال الصهاينة واستبدادهم، ونرى في صفوف أمتنا بعض من يدعي النصرة لله نرى هذا البعض ضحايا احتلال آخر عبر عنه المفكر فيليب سالم باحتلال العقل، فقد كانت عقول هؤلاء التكفيريين متسَعاً بلا فكر فملأه الصهاينة ومناصروهم من متطرفي الفكر الغربي بفكر لا يناسب إلا أعداء الإسلام، ثم أطلق الفكر الغربي المتصهين شرارة الاستيطان في العقل إثر جريمة برج التجارة العالمية. وأعلن الغرب الحرب على الإرهاب ونحن نرى اليوم نتائجها: فوضى وتناحر أهلي في أفغانستان، وقضاء على بن لادن فخلقوا العديدين من ورثته أمثاله ويزيد، وقضاء على الدولة في العراق وتشرذماً في أرض الحضارات واقتتالا. ونزاعات في سوريا لا تُعرف نهاية لها، ودولة للإرهابيين جاءوا بلاد السلام من شتى بقاع الأرض عاثوا فيها فساداً واستوطنت في بوادي العراق والشام وفي سهول نينوى ومدنه وقراه. فلمن كانت الغلبة إذن في الحرب الغربية على الإرهاب؟ بدلاً من تحقيق أهدافها بالقضاء على الإرهاب نرى الإرهابيين يدعون دولة مزودة بالسلاح تصدر النفط لحلفائها الذين باتوا معروفين للقاصي قبل الداني.

 لقد شطحت شطحة ضرورية عن مسار حديثي الذي أتناول فيه المكون المسيحي في المشرق العربي وحقائق التاريخ، شطحت للتذكير بما يكافأ به المسيحيون، وهم الذين أسهموا مساهماتٍ بينةً في بناء الحضارة العربية، من تشريد وتقتيل بأيدي التكفيريين الخارجين على كل قيم الإسلام السمح وعلى نصوص قرآنه وسنة رسوله.

وللمسيحيين العرب أدوار بناءة قبل الإسلام وبعده. فمنهم فحول الشعراء الأوائل من مثل امرئ القيس وعنترة العبسي وطرفة بن العبد وزهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني وعبيد بن الأبرص وغيرهم، إن تدقيقاً في أشعارهم يشي بمسيحيتهم، فزهير مثلاً هو القائل في معلقته:

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم           ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر        ليوم حساب أو يعجل فينقم

وعلى شاكلة زهير كان فحول الشعراء المذكورين وتعج الكتب ككتاب الأب لويس فشحو بالدلائل على نصرانيتهم ونصرانية غيرهم من شعراء ما قبل الإسلام. فعبيد بن الأبرص مثلاً يقول في معلقته:

وكل ذي غيبة يئوب        وغائب الموت لا يئوب

من يسأل الناس يحرموه       وسائل الله لا يخيبُ

ويقول النابغة:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة        وليس وراء الله للمرء مذهبُ

ويقال، والعلم عند الله، أن امرأ القيس الكندي، وهو من مواليد منفوحة التي هي الآن حي من أحياء الرياض، كان مندوباً من نجد إلى المجامع المسكونية التي كانت تعقد في مدن الإمبراطورية البيزنطية كالقسطنطينية ونيقية وخلقيدونية وخلافها، وهو ما يفسر عزمه الاستنجاد بالروم للثأر من قاتلي أبيه الملك.

وللمسيحيين العرب من غسان وجذام ولخم مآثر في الفتوحات العربية من معارك بلاد الشام إلى فتوحات الأندلس، كما أن لهم مآثر في هيكلة بناء الدولة العربية بتراجم الدواوين التي عملت بها الامبراطورية البيزنطية. ولهم مآثرهم في ترجمة أعمال فلاسفة الإغريق واليونان إلى العربية فأثروا بذلك علم الكلام والفلسفة.   

وفي حروب الفرنجة أجداد الفرنجة الجدد كان اصطفاف العرب المسيحيين إلى جانب بني قومهم واضحاً، وفي احتلال الفرنجة للقدس لم يفرقوا بين مسلم ومسيحي حين ارتكبوا المجازر، وفي حصارهم للكرك عام 1142 ذكر مؤرخو الفترة، دهشة القادة الفرنجة يوم اقتحموها عنوة بعد حصار طويل  استبسل أهلها في صد هجماتهم المتكررة، ذكروا دهشة الفرنجة من أن أهل المدينة المقاومين كانوا من المسيحيين العرب. ثم كان دورهم رائعاً يوم قرر القائد الخالد صلاح الدين دخول بيت المقدس سلماً بعد حطين ففاوض الفرنجة على تسليم المدينة المقدسة حقناً للدماء لا كما فتحها الفرنجة عنوة وارتكبوا فيها المجازر عام 1099 ، وكان الحل الوسط هو تسليمها للمسيحيين العرب وكانت باكورة أعمالهم تطهير المسجد الأقصى من رجس بهائم الفرنجة، واستحضار منبر صلاح الدين من حلب ليحتل مكانه في المسجد الأقصى، ولا ننسى دور عيسى العوام أيام حصار عكا. ولهؤلاء من أبناء جلدتنا اليوم ممن لا يفرقون بين المسيحيين العرب ومسيحيي الغرب نقول:  "ألا تعلمون أن حملة الفرنجة الرابعة عام 1204 احتلت القسطنطينية عاصمة الأمبراطورية البيزنطية الأرثوذكسية وعاثت فيها نهباً وخراباً وأزاحت البطريرك المسكوني واستمر احتلالهم لها حتى عام 1264؟" فقد استهدف الفرنجة أبناء المشرق وبلادهم دون تمييز للمسيحيين منهم فقد كان هؤلاء على مذهب الأرثوذكسية في حين كان الفرنجة على مذهب الكاثوليك منذ كان هذا الشرخ الكنسي عام 1054. وما زال هذا الحدث يفرق بين البابا رأس الكنيسة الكاثوليكية وبين بطريرك القسطنطينية حتى يومنا هذا.

وأنتقلُ من عمق التاريخ إلى حديثه لأتحدث عن الدور النهضوي للمسيحيين العرب. فعندما اشتدت حركة التتريك في الهزع الأخير من القرن التاسع عشر كان المسيحيون العرب أول من هب دفاعاً عن أمة العرب ولغتها وثقافتها وطفقت أديرتهم تحفظ في مخابئها كتب اللغة ونحوِها وكتب التراث العربي كما لو أنهم يدافعون عن حقهم في ديمومة الوجود.  ويطيب لي أن أضمن حديثي ما كتبه المفكر المعاصر علي الصراف إذ يقول: "وبنى المسيحيون المدارس والمعاهد لتدريس اللغة العربية، في غير مكان واحد، لأنها كانت صوت ثقافتهم و"تميزهم" القومي الخاص...ه" ويقول:

"وحينما وضع الأتراك قوميتهم فوق ديانتهم، كان المسيحيون العـرب هم الذين رفعوا لواء العروبة وهم الذين سارعوا إلى تذكير المسلمين بمكانتهم كـ"خير أمة أخرجت للناس"، وكعرب، فقد كان المسيحيون جزءا من هذه الأمة، وجزءا من خيرها..."

ويذكرنا الصراف بأن جورج علاف كتب "نهضة العرب"، واليسوعي لويس شيخو "تاريخ الآداب العربية"، وكان عبد الله مراش من بين أوائل الذين حرروا جرائد المهجر العربية كـ"مرآة الأحوال" لرزق الله حسون و"مصر القاهرة" لأديب  إسحاق و"الحقوق" لميخائيل عورا، وكان الأخوان بشارة وسليم تقلا هما من أنشأ عام 1876 جريدة "الأهرام" ثم "صدى الأهرام" و"كابدا بسبب الجريدتين عدة مشقات لما نشراه من المقالات الحرة وانتقاد أعمال الحكام والدفاع عن حقوق المصريين". وكان نقولا بك توما (ولد عام 1853) من أوائل المسيحيين الذين التقوا بأصحاب مشروع النهضة الذي تصدره جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، وكان جميل بك نخله المدور مولعا بالتنقيب عن آداب العرب وتاريخ الأمم الشرقية القديمة، وكتب كتابه الشهير "حضارة الإسلام في دار السلام" روى فيه ما ورد في تأليف المؤرخين والأدباء عن أحوال المملكة في أيام هارون الرشيد، وكان أول من أشار إلى "أن النصارى شاركوا المسلمين في غزواتهم"، وكان سعيد البستاني (توفي عام 1901) قد تقلب بين مصر وبلاد الشام ليعكف على نشر الآداب العربية، وكان خليل غانم واحدا من أبرز السياسيين الأحرار (ولد 1846) وانتخب نائبا عن سورية لـ"مجلس المبعوثان" عام 1875 فكان أحد أركان النهضة الدستورية، وكان رشيد الشرتوني (توفي عام 1906) احد أبرز نخبة الأدباء في عصره، ومن آثاره "مبادئ العربية في الصرف والنحو" وكتابه "نهج المراسلة ومفتاح القراءة"، وكان نجيب حبيقة الذي انصرف إلى تعليم العربية، قبل أن يتفرغ إلى الكتابة "ساعيا إلى تعزيز الآداب العربية وتأليف قلوب الناشئة في خدمة الوطن"، وكان خليل الخوري (ولد عام 1836) هو أول من فكر في نشر جريدة عربية في بلاد الشام فأبرزها إلى النور سنة 1858 تحت اسم "حديقة الأخبار" وساعد بذلك (حسب وصف لويس شيخو) "على نهضة البلاد العربية"، وكان سليم شحادة (توفي عام 1907) قضى جل حياته القصيرة (48 عاما) في خدمة الآداب وأشترك سنة 1875 مع سليم أفندي الخوري لنشر معجم تاريخي وجغرافي دعواه بـ"آثار الأدهار"، وكان نخلة قلفاط البيروتي (ولد سنة 1851) هو الذي نشر ديوان أبي فراس الحمداني...ه

ويمضي الصراف بالقول: وليس اليازجي إلا واحدا ممن سقوا الأرض بملح العروبة حتى صارت ملحنا وملحهم. ولنا فيهم كثيرون، بالمئات بل بالآلاف، من جبران خليل جبران إلى إيليا أبو ماضي، إلى أمين الريحاني والأخطل الصغير (بشارة الخوري) والشاعر القروي (رشيد سليم الخوري) وخليل مطران واحمد فارس الشدياق ونجيب عازوري ومي زيادة وسلامة موسى، وأضيف: وسعيد عقل وصولا إلى إدوارد سعيد...ه

وعدا الفكر والثقافة والأدب، فقد لعب المسيحيون العرب دورا مشهودا في ميادين النضال ضد الاستعمار والاستيطان، ودوراً متميزا في كل مجال أبداعي من مجالات الفن أيضا...ه

أيجوز أن يُظلموا ويُظلم أبناؤهم في وطنهم؟ وهل بهذا الظلم لا يَظلم المسلمون، بهم، إلا أنفسهم؟ 
وأسوق برهاناً على خطأ الظن باصطفاف العرب المسيحيين مع الغرب المسيحي فأقول: إذا كان للعرب المسيحيين أن يصطفوا دينياً إلى جانب الأعاجم المسيحيين كما يظنون، أليس خياراً واضحاً - إن صدق ظن هؤلاء المرجفين- أن يكون اصطفاف العرب المسيحيين إلى جانب الشق الأرثوذكسي من الأعاجم المتمثل في روسيا وأوكرانيا وبلاد الصرب وبلغاريا ورومانيا واليونان ومقدونيا والجبل الأسود  وسلوفاكيا وبيلاروسيا وجورجيا، وهي بلاد بريئة مما لحق بالعرب من أذى؟ ولا يكون اصطفافهم - لو صح ظن الاصطفاف مع الأعاجم- مع الغرب البروتستانتي - الكاثوليكي ؟ ثم ألا يتذكر هؤلاء أن دول الغرب هذه علمانية تفصل الدولة والسياسة عن الدين؟ فإذا كان للمسيحية أثر في سياساتهم فأين دولهم من قيم المسيحية في المحبة والتسامح والتضامن مع الغير المحتاج؟

وفي بلاد العرب لم نسمع بحزب مسيحي أيام نهضة العرب، لم نسمع بإخوان مسيحيين منذ أن كان إخوان مسلمون، ربما لأن المسيحية تقضي أن" إعط ما لله لله وما لقيصر لقيصر" وفي قول المسيح هذا فصل للدين عن السياسة. ولعل في دراسة أدب المهاجر، وأدباؤه مسيحيون عرب، دليل على اصطفافهم حتى في المهاجر الغربية إلى جانب أبناء جلدتهم في بلادهم الأصلية. فانظروا إلى قول إبراهيم اليازجي من مصر وهو اللبناني إبن الشيخ ناصيف اليازجي:

تنبهوا واستفيقوا أيها العرب        فقد طمى الخطب حتى غاصت الركبُ

الله أكبر ما هذا المنام فقد            شكاكم المهد واشتاقتكم الترب

بالله يا قومنا هبوا لشأنكمُ             فكم تناديكم الأشعار والخطبُ

ألستمُ من سطَوا في الأرض وافتتحوا    شرقاً وغرباً وعَزوا أينما ذهبوا؟

أقداركم في عيون الترك نازلةٌ        وحقكم بين أيدي الترك مغتصبُ

وإلى قوله يستهم العرب بالثورة على الترك

دع مجلس الغيد الأوانس         وهوى لواحظها النواعس

ودع التنعم بالمطاعم         والمشارب والملابس

أي النعيم لمن يبيت           على بساط الذل جالس

ولمن تراه يائساً        أبداً لذيل الترك بائس

فالترك قوم لا يفوز         لديهم إلا المشاكس

ثم انظر إلى الشاعر القروي رشيد سليم الخوري يقول من مهجره في عيد المولد النبوي :

عيد البرية عيد المولد النبوي          في المشرقين له والمغربين دوي

بدا من الفقر نوراً للورى وهدىً         يا للتمدن عمَّ الكَون من بدوي       

يا فاتح الأرض ميداناً لدولته         صارت بلادك ميداناً لكل قوي

يا قوم هذا مسيحي يذكركم         لا ينهض الشرق إلا حبنا الأخوي

فإن ذكرتم رسول الله تكرمةً              فبلغوه سلام الشاعر القروي

وأقول مع القائلين إن للعرب المسيحيين دوراً مهماً في بناء جسر للتواصل الحضاري مع الغرب وأضيف: ومع الشرق المسيحي أيضاً. فالخط الفاصل بين الشرق والغرب تاريخياً هو خط التماس بين من اعتنقوا المذهب الأرثوذكسي (وهم الشرق) وبين من اعتنق المذهب الكاثوليكي (وهم الغرب) أيام انشقاق الكنيسة عام 1054.

وأسوق مثالاً حديثاً على اصطفاف المسيحيين العرب مما خبرته بنفسي في جامعة ولاية أوريغون الأميركية عام 2003 حيث كنت أقوم بتدريس طلاب الدراسات العليا في موارد المياه والبيئة. إذ دلف إلى مكتبي في فترة مراجعات الطلاب أحد طلابي واسمه Case Bowman واستأذن أن يسألني سؤالاً شخصياً فأذنت له فقال: "سمعت أنك مسيحي" وأجبت "ما سمعتَه صحيح"، وقال: "سؤالي هو كيف أصبحتُ أنا البعيد عن الأراضي المقدسة مسلماً في حين أنت المقيم هناك ما زلت مسيحياً؟" فاجأني سؤاله كما فاجأني إسلامه وهو الأشقر الشعر أبيض الوجه وسيمه، طويل الجسم نحيله. فوجئت بالسؤال إذ لم يسألنيه أحد قبل ذلك وكنت قد جبت بقاعاً من الأرض عديدة. فسألته: "كم لك من طول تاريخ في هذه الأرض؟" قال: "ثلاثة أجيال، إذ هاجر جدي من اسكتلانده إلى هنا." قلت: "أترى الفرق؟ إن جذورك في بلادك هذه ضحلة العمق، وبإمكانك أن تحفر حولها وتخلع شجرتك وتعيد غرسها وتعيش، أما أنا فلي في بلادي جذورٌ عمقها يصل إلى ما قبل ظهور الإسلام، فإن حاولت استئصالها لأعيد غرس شجرتي سأموت. وعلى كل حال إن صعب عليك فهم أي أمر في الإسلام أرجوك اتصل بي فبإمكاني مساعدتك."

عاد Case  إلى مكتبي بعد أسبوع ودعاني إلى ندوة نظمها هو للحوار بين اليهودية والإسلام تعقد في أحد مدرجات الجامعة بعد أربعة أيام من دعوته لي، فذهبت إليها ووجدت المدرج مزدحماً بالحضور فجلست في الصف العلوي من المدرج. نظرت إلى السبورة فوجدت جالساً أمامها شخص يحتذي صندلاً ويرتدي ثوباً شرعياً قدمه Case أول المتحدثين وكان كما ظننت المتحدث عن الإسلام، ولم يكن حديثه بأكثر مما تعلمناه في الصف الرابع الابتدائي عن آدم وحواء والجنة والنار ثم عن نزول الوحي وبدء الدعوة إلى دين الله. ثم قدم Case استاذاً أشيب الشعر هو أستاذ الاقتصاد في الجامعة لا تشوب حديثه لكنة من أي نوع وتحدث عن اليهودية بطلاقة. ثم بدأ الحوار. وغني عن القول إن الأستاذ بحديثه وحججه قلص حجم صاحبنا إلى الصفر وأخذ ذلك مني كل مأخذ. ثم طرح موضوع الصدقات للنقاش وقال الأستاذ اليهودي إن ليس في السلام قانون لإنفاق الصدقات كما هو الحال في اليهودية، وأسهب يفصل قانون الصدقات عندهم. وطلبت من تلميذي الرد عليه بدلاً من صاحبنا فوافق وقدمني للحضور بأنني أستاذ في الجامعة من الأردن. قلت مجيباً اليهودي: مع مزيد احترامي لليهودية وقوانينها إلا أن القانون الذي أشرت إليه هو قانون وضعي من جهد الحاخامات اليهود إذ اجتمعوا في طبريا ووضعوا العديد من القوانين بما في ذلك التلمود. إلا أن قانون الصدقات في الإسلام هو قانون رباني منزل، ولأنه كذلك سأتلوه كما أنزل ثم أقوم بالترجمة. وبدأت: " بسم الله الرحمن الرحيم. إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل." صدق الله العظيم، وقمت بالترجمة ثم أضفت مخاطباً الأستاذ اليهودي، "وأنا متأكد بأن قولك بعدم وجود قانون للصدقات في الإسلام لا تقصد منه إساءة للإسلام وإنما مرد ذلك جهلك به، ونصيحتي لحضرتك أن تلم بالإسلام ما يكفي للحديث عنه."

فوجيء الأستاذ بمداخلتي وأجاب: " أنتم المسلمين تمارسون في بلادكم التمييز ضد المسيحيين واليهود فلا تعطوهم الفرص التي تعطونها لأبنائكم." وأجبت بعد الاستئذان من تلميذي عريف الحفل، وأخرجت هوية الأحوال المدنية من محفظتي وقلت:

"أيها الحضور الأكارم، هذه هويتي الصادرة عن حكومة المملكة الأردنية الهاشمية، وهي تقول في بياناتها الشخصية أن اسمي هو كما قدمني عريف الحفل، وتقول إن ديانتي المسيحية. فأنا محدثكم مسيحي، وقد بلغت في بلادي أعلى المراتب مما لم يبلغها أترابي. وأضيف أن لي ما لهم وعلي ما عليهم. وأنا أحاورهم في شؤون الدين وأتفوق عليهم They run for cover". وأضفت، أعيد نصيحتي لحضرة الأستاذ أن يقرأ ما يكفي عن الإسلام والمسلمين ليتحدث عنهم، فهو بالتأكيد لا يقصد إلحاق الأذى بسمعة الدين وأتباعه وإنما هو جهل لديه فيه." وقد استحسن الحضور مداخلتي وبالتأكيد استمع إليها كما لم يستمع أو يفهم كلام المتحدث عن الإسلام وقد كان شيخ المسجد في بلدة Salem عاصمة الولاية. وكان من ليبيا ورجوته بعد الندوة أن لا يقبل أية دعوة يحاور فيها غيره عن الإسلام والمسلمين.         

وأخيراً أعلق على التركيز على المسيحيين هدفاً للإرهاب المتخذ من الإسلام لبوساً فأقول إن خطر الإرهاب الماثل أمامنا هو أشد على الإسلام  وعظمته منه على العرب المسيحيين، فعقول الإرهابيين هؤلاء قد احتلها أعداء الإسلام ومهد لذلك الاحتلال سقوط الاتحاد السوفييتي الذي في أثره طفق مفكرو الغرب المعادون للإسلام يبحثون عن عدو جديد ووجدوا ضالتهم في الإسلام العظيم وفي المسلمين أصحاب التاريخ المجيد الرافضين لاحتلال إسرائيل فلسطين التي بارك الله حولها وإليها أسرى سبحانه بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ومنها بدأ الرسول العربي رحلة المعراج. واستوطن فكر أعداء الإسلام في عقول من يدعون الدفاع عنه.

وأرى أنه علينا جميعاً، مسلمين ومسيحيين، تحرير فكر هؤلاء من استيطان الفكر التكفيري في عقولهم وفهمهم المنحرف المغلوط للإسلام السمح، وذلك بالحكمة والموعظة الحسنة إلا من ظلم منهم فالله لا يهدي القوم الظالمين. وقد أنزل سبحانه هذا المصير بعدم الهداية لهم في الآيات (258 البقرة، 86 آل عمران، 19 التوبة، 109 التوبة، 7 الصف، 5 الجمعة، 51 المائدة، 144 الأنعام.) وقال أيضاً: وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون (118 النحل).

وآخراً، علينا أن نتصور بلاد المشرق، مهد المسيحية، دون مسيحيين! ومنهم إلى جانب العرب السريان والأرمن والآشوريون والأقباط، فأين التعددية من دونهم جميعاً؟ وأين القومية العربية حين يكون العرب لوناً دينياً واحداً؟ ألا يزيد غياب المسيحيين من التناحر الطائفي تحت مظلة الإسلام؟ ومن الرابح في اقتتالهم الداخلي غير الطامعين بهم وبثرواتهم وبلادهم؟

إن بقاء المسيحيين العرب في المشرق هو ضمان ديمومة القومية العربية، وهو سياج يحمي البلاد من هوة الاقتتال الطائفي وهو فوق كل ذلك ضمان للتواصل الحضاري مع الغرب والشرق وأنبوب لضخ مساهمات العرب في نتاج الحضارة الإنسانية.

أدامكم الله ووفقنا جميعاً لخدمة الوطن ورفعة شأنه.

 

                                                                                       النادي الأرثوذكسي

                                                                                        28/02/2016

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.