
في أحدث إصداراتها وتحت عنوان “عملاء لا علماء.. فقاتلوا أئمة الكفر” أصدرت داعش حكمها على عدد من العلماء بالردة والكفر، داعية إلى قتلهم باعتبارهم عملاء للـ “تحالف الصليبي” الذي “يقاتل المجاهدين”.
وحث التنظيم أنصاره على اغتيال هؤلاء العلماء الذين يتركز أغلبهم في مصر ودول الخليج العربي، متهما إياهم في إصداره الذي تضمن مشاهد فيلمية وتصريحات ومواقف لأغلبهم بمناصرة من سمّاهم الطواغيت وبالتواطؤ مع الكفار.
ودعت داعش من سمّتهم الأسود المنفردة في مصر والشام وخرسان وإفريقيا والقوقاز وجزيرة العرب ومغرب الإسلام وغرب إفريقيا وأوروبا وكل الأمكنة إلى تنفيذ تلك المهمة.
وشملت القائمة أسماء كثيرة من بينها.. الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، والدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والشيخ علي جمعة مفتي مصر الأسبق، والداعية السلفي الشيخ محمد حسان، وعمر عبدالكافي، إضافة إلى مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، والشيخ محمد العريفي، والشيخ عائض القرني، والشيخ سعد البريك، والشيخ صالح المغامسي، والشيخ سعد الشثري، والشيخ ناصر العمر، والشيخ عبدالعزيز الفوزان وغيرهم.
وبداية لا بد من التأكيد على أن الخلاف لم يكن يوما بين كل التنظيمات الإسلامية الحديثة يصل إلى حد تكفير العلماء تكفيرا بالجملة، بل كانت العلاقة تتأرجح بين الخلاف على تقدير الثوابت وتنزيل الأحكام، ولم تكن لغة التكفير سائغة داخل تلك التنظيمات بحق العلماء على اختلاف أطيافهم..
بل ولعب العلماء في بعض التجارب دور الوسيط الذي يقرب وجهات النظر ويحاول الجمع بين الفرقاء… مما يؤكد أنهم كانوا محل قبول على الأقل من طرف تلك الجماعات.. حتى ولو كان هناك تباين في وجهت النظر حول الأحكام الشرعية..
ففي الخبرة المصرية مثلا كان العلماء هم الرابطة التي استطاع النظام من خلالها التعامل مع بعض قيادات الجماعات الإسلامية في فترة التسعينات..
أيضا كان العلماء حاضرين في المشهد حضورا سائغا ومقبولا داخل أوساط “طالبان والقاعدة” في الحادثة الشهيرة التي ضج لها العالم كله حين أقدمت حركة طالبان في العام 2008 على هدم تمثالي بوذا المنحوتين في جبال إقليم باميان، فطار وفد من العلماء برئاسة القرضاوي وعضوية مفتي الديار المصرية وقتها وعدد من علماء الأمة من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي في محاولة إقناع قادة طالبان بخطأ وجهة نظرهم تجاه التماثيل شرعا…
وبغض النظر عن استمرار طالبان فيما أقدمت عليه وهدمها للتمثالين، وما حدث بعدها من تشويه لصورتها وتأليب للرأي العام الدولي عليها، إلا أن المقصود هو قبولها بمقابلة العلماء وسماع حججهم، نظرا لمكانتهم العلمية لدى الحركة وقواعدها…
داعش مختلفة.. واختلافها يأتي من تخطيها حدود هذه العلاقة الموروثة.. وهذا التخطي له أسبابه التي يدفع إليها واقع التنظيم، ورؤيته، وقبلها منهجه البرجماتي الذي يبيح له الوصول إلى مايريد عبر ما يرى!
ولهذا ينبغي بداية أن نؤكد على أن الإصدار ككل يعبر عن سيكولوجية شديدة التعقيد، بعدها التاريخي مستمد من الفكر الخارجي الذي يرى في كل مخالف داخل دائرة الإسلام “كافرا” يجب قتله، بعكس تعاملاته مع المخالف من خارج الدائرة.. وتلك أهم تناقضات هذه السيكولوجية…
ومثل تلك التنظيمات تعاني أساسا من هذا التناقض الذي يبرز أكثر في حالة “الانهزام” والرغبة في إثبات الذات والثأر في غير محله إرضاء للنفس ومحاولة لـ “اختراع” معركة غير المعرة الحقيقية التي منيوا فيها بخسائر لا قبل لهم بتعويضها…
وهذا ما حدث في المبتدئ.. حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أشباه الدواعش في الحديث الذي رواه البخاري في صحيحه برقم 7432 عن أبى سعيد الخدرى قال : بعث علي وهو باليمن إلى النبى – صلى الله عليه وسلم – بذهيبة فى تربتها ، فقسمها بين الأقرع بن حابس الحنظلى ثم أحد بنى مجاشع ، وبين عيينة بن بدر الفزارى ، وبين علقمة بن علاثة العامرى ثم أحد بنى كلاب ، وبين زيد الخيل الطائى ثم أحد بنى نبهان ، فتغضبت قريش والأنصار ، فقالوا : يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا !! قال : « إنما أتألفهم » .
فأقبل رجل غائر العينين ، ناتئ الجبين ، كث اللحية ، مشرف الوجنتين ، محلوق الرأس ، فقال : يا محمد اتق الله.. فقال النبى – صلى الله عليه وسلم – : “فمن يطيع الله إذا عصيته !! فيأمنى على أهل الأرض ، ولا تأمنونى !! » . فسأل رجل من القوم – قتله أراه خالد بن الوليد – فمنعه النبى – صلى الله عليه وسلم – فلما ولّى قال النبى – صلى الله عليه وسلم- : “إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد”…
وبعيدا عن صفات الخوارج المعروفة تاريخيا، فإن الرواية تؤكد على نفسية المهزوم، نفسية الغاضب الذي لا يستطيع فعل شيء أمام رغباته، فتراه يحاول البحث عن معركة جديدة يعوض فيها خسائره، ويثبت فيها ذاته…
وشيء آخر جدير بالملاحظة هو قوله صلى الله عليه وسلم: “يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان..”.. وتلك أدل دلالات هذه الحادثة التي يتجلى فيها الشبه بين الدواعش وبين الخوارج، خاصة أنهم يكفرون بالذنب والمعصية..
قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى : (3/355) : “فأصل قول الخوارج أنهم يكفرون بالذنب ، ويعتقدون ذنباً ما ليس بذنب !! ويكفرون من خالفهم ويستحلون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلونه من الكافر الأصلي..”
ولهذا فإن فكرة الإصدار قائمة أساسا في مستواها المنهجي على هذا الأصل، وهو التكفير بالذنب، مع استحلال مالا يتم استحلاله من الكفار الأصليين…
وهذا النهج باد في أغلب مواقفهم إن لم يكن كلها، خاصة مع تواتر الأخبار عن صمتهم على قضية المسلمين المفصلية، وهي قضية فلسطين، ومحاربتهم للفصائل الإسلامية في سوريا وليبيا والعراق وغيرها…
وبعيدا عن التنظير فإن الإصدار ذاته يعد من أفقر إصداراتهم على المستوى الفني، حيث لا يعدو مجموعة مشاهد مقطوعة، مع مؤثرات عادية، وظهور لبعض أفرادهم بتعليق مكتوب مسبقا…
لكن الملاحظة الأهم على الإصدار هي اللغة التي كتب بها التعليق الصوتي سواء للحكاء الذي يتلو النص الأصلي، أو للشخصيات التي تمثل فيما قال الحكاء طلاب العلم الذين برزوا في ساحات الوغى..
اللغة الشرعية الفقهية التي كتب بها التعليق، والتي حاولت _فاشلة_ أن تناسب مقام العلماء محل النقد في الإصدار مستدعية من التراث ما يعضد موقفها، بان عليها الاجتزاء الواضح، والبتر الظاهر من سياقاتها، فضلا عن وضع الشواهد في غير موضعها..
وللتدليل أسوق مثالين من عبارات الإصدار التي تؤكد هذه المعاني:
أولا: “شرّهم لا ينتهي إلا بقتلهم”…. هذه إحدى العبارات التي وردت في الإصدار لتعبر تعبيرا دقيقا عن طبيعة العقلية التي يصدر عنها مثل تلك المواقف…
لغة القتل هي اللغة الوحيدة التي يجيدونها، ليس للحوار مكان في قاموسهم، وليس للآخر المخالف مقعد على طاولتهم، الآخر إما صاغر مطيع، وإما مقتول ليس له حق الدفن في مقابر المسلمين، لأنه أضحى بمخالفتهم مرتدا!!
ثانيا: “اجعلوا قتلهم على سلّم أولوياتم ولا تأخذكم بهم رحمة فهم خدم أوفياء لدى التحالف الصليبي”… وهذه العبارة أيضا ممعنة في الدلالة على انهيار سلم أولوياتهم إن كان لهم من الأساس سلم!!
فكون الـ “قتل” هو سلم الأولويات في أي منهج، بغض النظر عن لمن يتوجه هذا القتل، دليل على أن المنهج ذاته عنصري، لا يقبل إلا اتباعه والمؤمنين به، أو بالأحرى الذين يدينون بالولاء لقياداته…
الإصدار إذن بكل مفرداته دليل يضاف إلى مجموعة من الأدلة على فاضية هذا التنظيم وعنصريته، ووصوله إلى قمة الفشل الذي سيعقبه بالتبعية انهيار مدوٍّ…
ابحث
أضف تعليقاً