
من سلبيات العولمة الفكرية انتقال المفاهيم والممارسات الغربية الى الدول العربية وفرضها بالتسلل تارة عن طريق المؤسسات والمشاريع والمساعدات غير الحكومية وبالقوة السياسية تارة أخرى عندما لا ينفع التوغل الاجتماعي في تحقيق الأهداف التغييرية في المجتمع بحيث تنتقل هذه الممارسات والمفاهيم من صفة الاتباع الاختياري الى حالة الالزام القانوني المفروض من قبل قوانين المجتمع الدولي أو قوانين الدولة المحلية وهذا ما حصل في توقيع واعتماد اتفاقية السيداو من قبل الدول العربية والاسلامية والتي تحمل العنوان الجذاب بإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وهذه الاتفاقية التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1981 كانت نتاجا لأعوام من عمل الحركات النسوية في أوروبا، اعوام كانت فيها المرأة الأوروبية تعاني من التجاهل السياسي بحرمانها من التصويت والتمثيل ومن الغبن في مجال العمل والوظائف باستعبادها في ساعات العمل الطويلة بأجور ضئيلة وان كان الوضع في أوروبا وانهيار المؤسسة الدينية والأسرية قد ساهم في إيجاد بيئة ظالمة للمرأة وتعالي الأصوات المنادية بتحريرها من كافة القوانين والقيود، فهل عانت النساء العربيات والمسلمات مثل هذه المعاناة وهل تنطبق الحالة النسوية العربية الاسلامية على الحالة الأوروبية ليصلح في بلادنا ما صلح في أوروبا فتغيب الهوية والخصوصية الدينية والثقافية لتصبح المفاهيم في ظل القرية الكونية ليست فقط مفاهيم عابرة للقارات بل للحضارات والديانات كذلك؟
والسؤال الأكثر خصوصية هل المرأة الأردنية في بلدنا الهاشمي بجذوره التي ترجع الى المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي جاء بأحكم الدساتير من لدن رب العزة في وصف الرجال والنساء وتحديد أدوارهم في المجتمع بما يكفل استمرارية النوع البشري ودوره في إعمار الأرض بحاجة الى مثل هذه القوانين التي يفرضها المجتمع الدولي على أعضائه من دون مراعاة لدين الدول وثقافاتها ولي أعناق الدول غير المؤيدة أو المتحفظة على بعض النصوص بالتضيقات السياسية والاقتصادية؟
إن من أخطر ما تطالب به اتفاقية السيداو هو تغيير هياكل الأسرة فالأسرة فيها ليست الأسرة البشرية المعروفة والمكونة من أم وأب (ذكر وأنثى) بل قد تكون الأسرة أحادية الوالدية من أب أو أم فقط، لهم أولاد يربونهم من علاقات غير شرعية خارج إطار الزوجية أو أنجبوهم عن طريق بنوك الحيوانات المنوية أو الأرحام البديلة، أو أسرة من مثليي الجنس، وبدلا من ممارسة الجنس الحلال ضمن مؤسسة الزواج دعت الاتفاقية الى تقنين الحرية الجنسية كحق من حقوق الجسد الذي يتصرف به الانسان كيفما يريد your body is your own وهذه الحرية يتمتع بها كل الناشطين جنسيا من كل الأجناس والأعمار بما في ذلك المراهقون والمراهقات، فهؤلاء يمنع تزويجهم قبل سن الثامنة عشرة ولكن لا بأس بإطلاق ما يسمونه بالحرية الجنسية "المسؤولة" والمسؤولة تعني توفير الثقافة الجنسية والأدوية والخدمات لكي يتمكن الناشطون من تجنب الأمراض الجنسية والاحمال المبكرة وتوفير الدعم من المجتمع المحلي لو حصل الحمل ورعاية الطفولة المبكرة، فلا بأس إذن بالزنا المبكر وهو الوصف المعروف في جميع الأديان ولكن لا وألف لا للزواج المبكر، مع التنويه على عدم اقراره من كثير من الفقهاء وضرورة مراجعته بما يتوافق مع روح العصر، ولكن الأصل في القوانين أيضا عدم تشريع الفحش والرذيلة واصباغ صفة الشرعية عليها فهذا ما لا يقبله اي مجتمع انساني سليم الفطرة فكيف بمجتمع عربي اسلامي يعترف بالاسلام دينا للدولة ومصدرا للتشريعات؟
إن الاتفاقية لا تقف شرورها وويلاتها على المستوى الاجتماعي الاسري بل توجه سمومها الى الدين والثقافة بحيث تطلب من الدول الموقعة والمتحفظة مراجعة دينها وثقافتها لتستجيب لمتطلبات الاتفاقية ويذكر الدكتور مثنى الكردستاني في كتابه الجندر أن لجنة الاتفاقية في الأمم المتحدة طلبت من دول كليبيا والباكستان أن يعيدا تفسير القرآن ليتوافق مع الاتفاقية كما تلزم الاتفاقية الدول الموقعة "بتطهير" مناهج التعليم ووسائل الاعلام من كل ما يعارض بنود الاتفاقية، فالاتفاقية أصل وكل الأديان فرع يقاس عليها فإن خالفها شيء رُفض وأُزيح.
قد نفهم وضع بلدنا الأردن من ناحية التزامه بأعراف المجتمع الدولي عندما لا يجد بدّاً من التوقيع على مثل هذه المعاهدات، كما قدرنا تحفظات الجهات المسؤولة على البنود واضحة التطرف والبعد عن ديننا وثقافتنا، هذه التحفظات التي كانت ستحافظ على نسيجنا الديني والأسري وهويتنا العربية المسلمة من الضياع والتحلل الذي أصاب الدول الأوروبية فساد الشذوذ الجنسي وأصبح مقننا له حقوقه وامتيازاته وأصبح أولاد الزنا يشكلون 45% من اجمالي المواليد كما تورد آخر الاحصائيات في فرنسا، هل مثل هذه الأوضاع هو ما نرغب في انتشاره في مجتمعاتنا؟ فلماذا إذن كان التوقيع أصلا، ولماذا لحق التحفظ تاليا، ولماذا غاب التحفظ بعد مدة؟.
أن ندفن رأسنا في الرمال ونقول بامتياز وضع المرأة العربية والمسلمة هو مبالغة غير صحيحة ولكن الحل ليس باستيراد القوانين المغرقة في الابتعاد عن الفطرة والأديان والتشريعات والحضارة الانسانية وإنما بالعودة الى روح نصوصنا الدينية والبناء عليها بما يتناسب مع تحديات وتطورات الواقع، كان الأحرى بنا ان كنا ملزمين بالتوقيع على مثل هذه الاتفاقيات التي لا تبقي لنا دينا ولا دنيا أن ندرس البدائل ونعمل على تعميق الثقافة المستمدة من روح الاسلام الذي يرى في النساء شقائق الرجال لهن ما للرجال وعليهن ما عليهم.
"إن الخطوة الأولى في حركة تحرير المرأة العربية والمسلمة انقاذها من براثن المتحررين وكذلك من مخالب المتعصبين وإعادتها الى اسلامها كما نزل حرة، كريمة، محافظة، إنسانة ومربية للأجيال لا ذرة مسحوقة بين حجري طاحون التفلت السمج أو التعصب القذر" والخطوة الثانية في احلال البديل بتطبيق ميثاق الأسرة في الاسلام الذي جاء للرد على المواثيق الغربية كمشروع مفصل من كبار فقهاء وعلماء المسلمين لإصلاح المجتمع والأسرة من معين الكتاب والسنة والثقافة العربية.
إن تفسخ المجتمعات الغربية وهو أمر لا ينكره منصف متبصر يجعلنا نعيد السؤال: هل نحن بحاجة الى اتباع قوانين أثبتت فشلها أم نكتفي بحصادهم المر من دون الحاجة الى أن نأكل الحصرم ونضرس؟ لدى المعارضين الكثير من الدلائل والاحصائيات وتجارب الدول الأوروبية لإثبات خطورة هذه المعاهدات فهل لدى المؤيدين ما يقابلها من أدلة
وأمثلة داحضة؟ ولو طرحت مثل هذه المعاهدات للاستفتاء الشعبي الحر في بلادنا العربية فهل ستوافق الشعوب على ما يوقع عليه ساستها.
ويدخل في أخص مقدساتهم وخصوصياتهم وعقر دورهم؟
منقول عن جريدة الغد الاردني بتاريخ23/2/2009
ابحث
أضف تعليقاً