
اللغة نعمة كبيرة من النعم التي أسبغها الرحمن على الإنسان، فبها يتغنى الإنسان بإنسانيته، وبها يتوجه نحو العلم النافع، وبها يتواصل مع الأجيال القادمة، الأدب هو خميرة الفضيلة في الدنيا، يشيع الخير والجمال والصدق، الأدباء الذين جندوا أنفسهم لإرشاد وتنوير عقول وأرواح الناس بالكلمة الطيبة والخطاب السامي الجميل هم أصحاب القلوب الرحيمة الذين فهموا الحياة بمنظار يشع بنور الحق، وهم مثل ملائكة الرحمة في شفافيتهم وحنوهم يبسطون أجنحة الإنقاذ للذين سقطوا في هاوية صقيع الأفكار المنحرفة لإنتشالهم من ظلمة التمادي في الباطل إلى نور الحق واليقين، كي يبصروا الأدب السامي الذي رفع من شأن عظماء الكلمة الصادقة الممزوجة بمعرفة الخالق عز وجل الذي أبدع الإنسان وخلقه في أحسن تقويم.
الأدب الرفيع هو اللغة التي تبني الفكر وتسمو بالروح، لدرجة النضج المعرفي، والأفراد الذين لا يمتلكون البناء الفكري والنقاء الروحي والنضج الأدبي، يستحيل عليهم التفاهم فيما بينهم حتى وإن كانوا منتسبين إلى الأمة نفسها، الكلمة الصادقة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، هي أهم واسطة لنقل الأفكار من ذهن إلى آخر، ومن قلب إلى آخر، والذين يحسنون استعمال هذه الواسطة هم الأدباء لأنهم يملكون حاسة الإبداع، وإيداع الأفكار الجميلة الراقية في قلوب وأرواح الناس كي يصلوا بهم إلى واحة الطمأنينة، أما الذين لا يحسنون وهم كثر فإنهم يهلكون أعمارهم في معاناة فكرية لا تنبض بالحياة، ومن ثم يرحلون عن هذه الدنيا دون أن يتركوا أثراً فيها.
الأدباء وأصحاب الذوق الفني السليم هم الذين يفهمون جواهر الكلام، فالدابة قد تأكل زهرة رميت على الأرض، وقد يدوس عليها من الناس من لا يملك حساً رقيقاً أو عاطفة جياشة، أما الإنسان الراقي الذي وهبه الله قلباً حياً فيرفعها من الأرض ويشمها ويضعها على صدره احتراماً وتقديراً، لأنها جزء من جمال الكون، ولا تكتمل عظمة الوجود إلا بزهرة الأدباء، الذين يملكون قدرة النفوذ إلى الأذهان، وتحريك القلوب وإثارتها، كم من هواة الزينة والزخرف في الكلام لا يقدمون الأدب إلا في ثياب مهلهلة، لأنهم فقدوا بوصلة المعرفة الموصلة للخالق عز وجل، في خضم التناطح والتزلف على المواقع وكسب الغنائم.
أدباء الكلمة الرقيقة يسهمون في حل مشكلات الأمة بطريقتهم، فهم بجمالهم الحسن وآفاقهم الممتدة، يشبهون عازف الناي والناس يفهمون بواسطتهم معاني الأصوات الصادحة، لأن الله رزقهم رقة الإحساس، وكثير ممن يزعم حيازة الأدب لا يستطيع فهم نافخ الناي ولا فهم نغمات الناي، لذا كان من المهم جداً لكل أديب يعشق جمالية الأدب السامي الذي يحافظ على وظيفته وتأثيره أن يتجاوز كل شيء مرئي ومحسوس، ويفتح صدره وقلبه للنسائم الشذية التي تهب من الآفاق البعيدة، حتى تغذيها وتعمرها بالحب والمودة والجمال والثقة لذا فمن أراد أن يبحث عن العظماء في الفن والفكر والأدب فليبحث عنهم بين المفكرين المؤمنين بالحق تعالى أحياء القلوب والأرواح، والذين لا يستبدلون بعبوديتهم لله شيئاً.
جريدة الرأي:25/05/2012
ابحث
أضف تعليقاً