
الثقافة نبع عظيم ترده الأمة على الدوام في مراحل تطورها، وقد كانت هناك علاقة وثيقة بين تناغم حياة الأمة واتجاه واستقامة سيرها، وبين صفاء نبع ثقافتها، الثقافة هي سمة الحياة الجميلة في المجتمع والناتجة من عادات وتقاليد وتربية ولغة وفن ومشاعر وأحاسيس ذلك المجتمع، وكل جزء منها قطعة مهمة من بناء لبناته القويمة، وعدم رؤية هذه الأسس والقواعد التي ترتكز عليها الثقافة الأصيلة يُعد عماية متعمدة، وكل محاولة لإبعاد المجتمع عنها يعني وضع الأمة في حيرة دائمة وريبة وتوجس لتشويه السبيل الأقوم لمسيرة الآباء والأجداد والأجيال المتعاقبة من بعدهم.
تتشكل ثقافة الأمة الأصيلة من خلال التمازج والتفاعل الحقيقي بين الدين والخلق السامي والفضيلة والفكر النير، من غير تنافر بل في بوتقة مهضومة واحدة، تصل بالإنسان السوي إلى المستوى المطلوب من النضج، ومن العبث الحديث عن ثقافة أصيلة مبدعة في جو لا ديني أو في حالة هبوط أخلاقي، أو في حالة جهل وعدم إدراك لطبيعة ثقافة الأمة الإنسانية التي لا تقف عند حدود الماضي بل تستشرف آفاق المستقبل فتمزج بين الأصالة التي لا تنحرف عن ثوابت الأمة وبين المعاصرة التي تستفيد من خبرات الأمم والشعوب دون هضم لحقوقها، وتوظفها لخدمة ورفعة الثقافة العربية الإسلامية، ولأنّ الثقافة أرضيتها محايدة فهي تنتقل من مجتمع إلى آخر نتيجة احتكاك الأمم بعضها مع البعض الآخر، مثلها في ذلك مثل المدنية، لكن إن لم يتم مرور هذه الثقافة من خلال عملية تصفية ضرورية يقوم بها الأمناء على ثقافة الأمة، وإن لم تتم عملية فرز واصطفاء فلا مهرب آنذاك من حدوث أزمة ثقافية لا تحمد عقباها، والأمة التي تسعى لبقاء ذاتها وإدامة ثقافتها غضة نقية متجددة تبرزها للأجيال شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، والأمة الواعية البصيرة لا تسلم حضارتها وثقافتها إلى ثقافات أمم شتى دون تميزها وحراستها عندها تكون محل سخرية وذات مظهر خادع.
تولد الثقافة وتنمو من رحم الأمة وفق طبيعتها ومقومات وجودها العقدي والأخلاقي والإنساني، والثقافة بالنسبة للأمة بمثابة الروح التي تسري في الجسد، وبدونها يكون الموت والنهاية، وهي بمثابة الوردة اليانعة الجميلة التي تنعش من يقترب منها، والأمة التي لم تنجح في إنضاج ثقافتها أو التي فقدت ثقافتها في خضم غياب العقل الواعي، والمسؤولية الأدبية تشبه الأشجار العقيمة التي لا تعطي ثمراً بل تؤلم الآخرين بشوكها، أو الأشجار التي تساقطت ثمارها فجأة لأنها فقدت الرعاية والتوجيه، ومصير هذه الأشجار المحتم هو قطعها واستعمالها حطباً.
تحتل الثقافة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة محلاً متميزاً في حياة الأمة، أنارت طريق الناشئة، وأبرزت الجوانب الإيجابية المبدعة في سيرة الأقدمين والمحدثين من أبناء هذه الأمة، وأحيت موات القلوب والأرواح والأنفس وبعثتها من جديد، وأصبحت تحاكي ثقافة الأمم تنوعاً وإبداعاً، وكل ثقافة امتزجت مع ماضي الأمة وارتبطت بجذور روحها تستطيع إضاءة العتمة التي سيطرت على العقول في لحظة تراجع الأمة عن مرجعيتها الأصيلة المحفزة، وحذارِ أن تسلم الأمة ثقافتها إلى أحضان فكر وثقافة الغرباء عنها لأنه سيؤدي إلى إضمحلالها وتفسخها.
جريدة الرأي: 20/07/2012
ابحث
أضف تعليقاً