
اتساءل في كل عام نحتفي فيه بذكرى الهجرة النبوية: ما الجديد؟ مالذي يمكن ان نفعله لنجدد حياتنا ونغير احوالنا؟ ما الذي يمكن ان نفكر به لتجاوز الاحتفال بالشعائر للاحتفال بالوقائع؟ انت يمكن ان تتساءل ايضا،ويمكن ان تبحث داخلك عن معنى جديد للهجرة التي تريدها..هجرتي انا او هجرتك انت اذا اردت ان نقتدي برسولنا الاعظم عليه السلام.
اسمح لي ان اعيد اليك اسئلة كنت قد طرحتها عليك منذ سنوات، حتى قبل ان يبدأ ربيعنا العربي الذي ما زلنا ننتظر بركاته القادمة.
ترى.. هل جربت -مرة- بأن تترك لقلبك ان يهاجر من محطات الضغينة والكراهية والكآبة الى ملاذات المحبة والألفة والسعادة، ما الذي تمثله لك حادثة «الهجرة» هل هي مجرد رحلة أم فكرة؟ هروب من البؤس وفرار من الاذى أم نقطة تحول وقرار صعب وولادة جديدة.
قد تراودك كثيراً مثل هذه الاسئلة، وقد تظن -للحظة- ان الهجرة مجردُ سفر من مكان الى آخر، او تجربة جديدة في «الغربة»، لكن تأمل معي كيف يمكن ان «يسافر» الانسان من داخله الى داخله، أو أن يهاجر من حالة الى حالة، ان يقف -أمام المرآة- وينظر الى نفسه ويتحسس أوجاعها، ويعيد حساباتها، ويقرر على الفور بأنه في حاجة الى «الهجرة»، فيودع أمسه الذي مضى ويبدأ يوماً جديداً، فيه يشهر «ولادته» وينفض عنه ما تراكم من غبار، ويغتسل بماء «الرضا» والثقة والامل، ويدفع عنه أشباح الغرور واليأس والقنوط.
أنت سياسي؟ ما أحوجك الى التفكير بهذا المعنى للهجرة، فقد اتعبتك -لا ريب- مناخات الصراع والصدام، وانشغلت كثيراً بجداول القسمة وحساباتها، وبمصائد الكيد وعثرات الانتقام، وربما استأت من عناوين المرحلة وتفاصيلها، وتشعر الآن بأنك افتقدت «التوازن» في المناطق الرمادية التي عجزت عن فك اسرارها.. اياك ان تتردد، فباب «الهجرة» مفتوح أمامك: لكي تبحث عن «جاذبية» جديدة تعيد اليك وزنك، وعصمة قراراك، وتطمئنك على سلامة دربك، وتأخذك من وحشة «التيه» الى «نور» اليقين.. وترد على اسئلتك المعلقة باجابات واضحة، وتدلك على صواب «الفكرة»: فكرة القطيعة مع الخطأ والأذى والباطل، وفكرة الاعتماد على الذات، وفكرة الانطلاق نحو «الفضيلة» والخير، وفكرة «الاخاء» التي جرحها منطق التقسيم، وفكرة «الانتصار» على الهوى التي رسختها شهوات المصالح والنفوس.. وفكرة «التلون» التي سوغتها أوهام البحث عن الحضور والشهرة.
أنت انسان؟ ما أحوجك -ايضاً- الى البحث عن «هجرة» تأخذك من همومك وأحزانك الى فرح جديد.. بيئة نفسية تحررك من امراض الخوف والكآبة»، «فكرة» تخرجك من المحنة الى «المنحة»، ومن الضيق الى «الرزق» ومن اليأس الى الأمل.
انت مواطن؟ اذن تحتاج الى «الهجرة» لتفتح امامك أبواب الحرية، وتعينك على فهم «الاصلاح» وتشحنك لفهم حقوقك والدفاع عنها، وتعلمك كيف تعطي وتضحي، وكيف تأخذ وتنتزع.
أنت -كائنًا من تكون- فاعل في السياسة أم فاعل في «الدين».. انسان اسعدته قطرات المطر أم مواطن أتعبته «اخبار» السياسة، تائه زلت قدماه طريق الصواب.. أم حيران تبحث عن الحقيقة.. ما أحوجك الى «الهجرة»: هجرة سياسية تتصالح فيها السياسة مع الاخلاق، وهجرة نفسية تتصافى فيها القلوب مع العقول، وهجرة -دائمة- الى الحق والفضيلة.. الى الايمان بالمستقبل والثقة بالغيب، الى «المحبة» التي اشغلتنا عنها حسابات التصفية الرديئة، الى «الوحدة» التي هشمتها الصراعات على الهوية.. الى الخير الذي كدنا ان نفتقده في هذا الزمان، الى «التغيير» من أجل البناء، هذا الذي طال له انتظارنا.. وطال.
الدستور: 26/11/2011
ابحث
أضف تعليقاً