wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
بديع الزمان سعيد النورسي رجل الحكمة والايمان
الاثنين, March 23, 2009 - 00:45

تمر في هذه الايام الذكرى التاسعة والاربعون لوفاة العلامة الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي مؤسس حركة النور في تركيا ومولف رسائل النور المشهورة ويعرف النورسي عند طلابه ومريديه ومحبيه بالاستاذ، من هو هذا الاستاذ؟ وما هي حركته؟
في الحقيقة ان قلة من الناس في عالمنا العربي من يعرف الاستاذ النورسي ولعل السبب في ذلك ان العلاقات التركية العربية قد مرت بفترة من الفتور والنفور بعد الحرب العالمية الاولى ونتائجها الوبيلة على الامة والتي فرقت بين الاخوة، فتركيا الجمهورية توجهت نحو الغرب قاطعة كل صلاتها بالعرب والاسلام ظانة انها من الممكن ان تصبح دولة علمانية غربية يقبلها الغرب، والعرب ايضا ابتعدوا بشعاراتهم القومية والوطنية التي رفعوها بعد الحرب العالمية عن اخوانهم الاتراك ولعل لاعداء الاسلام دور في ذلك.
ولد الاستاذ سعيد النورسي في قرية نورس قضاء جيزان في ولاية بتلايس الواقعة جنوب شرق الاناضول عام م1876، كان ابواه كرديين متدينين عرف الناس عنهما الصلاح والتقوى، فوالده السيد ميرزا كان رجلا تقياً ربى اولاده جميعا ذكورا واناثا على تعاليم الاسلام وحفظهم القرآن وهم صغار، وكان يعمل في الزراعة والرعي ويروى عنه انه كان اذا عاد من الحقل الى البيت مع ابقاره ربط افواهها بقطع من قماش حتى لا تأكل من زرع الآخرين، وكانت والدته السيدة نوريه هانم على درجة كبيرة من التقوى والصلاح ايضا وروى الاستاذ عنها انها ما أرضعت ولدا لها الا وهي طاهرة وعلى وضوء.
في هذا الجو العائلي المتدين نشأ وترعرع الاستاذ النورسي وحفظ القرآن وهو طفل صغير وذهب الى كتاتيب القرية والمدارس في النواحي القريبة من قريته وكان يستوعب كل ما يسمع ويقرأ ويحفظه بطريقة عجيبة وكان اخوه الملا عبدالله يراجع له ما تعلمه عندما يعود الى القرية.أبدى الاستاذ نبوغا وذكاءاً خارقا أدهش كل الذين حوله من شيوخه ومعلميه الذين اطلقوا عليه لقب بديع الزمان واشتهر بهذا اللقب طوال حياته واصبح مقرونا باسمه.
درس الاستاذ كافة العلوم الدينية من علوم القرآن والحديث والسيرة والفقه وعلم الكلام واطلع ايضا على العلوم الحياتية فدرس الكيمياء والفلك والجغرافيا وكان يقول: «ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة».
ذاع صيت الاستاذ واشتهر في كافة مناطق شرق الاناضول وجلس لمناظرة كبار العلماء وهو في الخامسة عشر من عمره واستطاع ان يظهر عليهم جميعا رغم فارق السن بينه وبينهم، وفي العشرين من عمره ذهب الاستاذ الى استانبول عاصمة الخلافة العثمانية وهو يحمل مشروع انشاء جامعة الزهراء في شرق الاناضول حيث كان يرى ان سبب التخلف الذي يعيشه الناس هناك هو الجهل والامية لذلك لا بد من انشاء هذه الجامعة وعلى غرار الجامع الازهر في مصر لتكون المنارة التي تنير الطريق لاهالي هذه المنطقة وتخرجهم من ما هم فيه من تخلف، ولكن مهمته في العاصمة فشلت حيث لم يجد احدا من المسؤولين في العاصمة يستمع اليه مما ادى به الى العودة الى شرق الاناضول والاستقرار في مدينة (وان) حيث أنشأ فيها مدرسة اسماها مدرسة (خور خور) التي كانت تدرس العلوم الدينية الى جانب العلوم الحديثة، وتدرب التلاميذ على السلاح وتهيئهم الى الجهاد، وعندما نشبت الحرب العالمية الاولى عام 1914 هب الاستاذ وتلاميذه الى الجهاد ومقاومة الجيش الروسي الذي غزى شرق الاناضول فألف فيلقاً من الفدائيين المتطوعين الذين أبلوا بلاء حسنا في القتال واستطاعوا الوقوف في وجه الجيش الروسي لشهور عديدة الا ان قلة السلاح والعتاد وكثرة الاعداء وتفوقهم أدت الى استشهاد كثيرا من تلاميذه ووقوع الاستاذ اسيراً في ايدي الروس عام 1916 وبقي في الاسر في سيبيريا حتى قيام الثورة الشيوعية في روسيا عام 1917 اذ استطاع الفرار والعودة الى استانبول التي استقبلته استقبال الابطال رسميا وشعبيا، وعين مدرساً في دار الحكمة الاسلامية تقديراً لتضحياته ولغزارة علمه، وفي هذه الاثناء قام الاستاذ بنشر مولفاته القيمة (اشارات الاعجاز في مظان الايجاز) و(المثنوي العربي النوري).
وبعد انتهاء الحرب واستسلام الدولة العثمانية ودخول قوات الحلفاء الى استانبول أحس الاستاذ النورسي بصفعة كبيرة وجهت الى العالم الاسلامي من قبل الاعداء، فكان همه ان يتصدى للقهر والهزيمة التي حلت بالامة فألف كتاب (الخطوات الست)، الذي حرك به همة الشعب لمقاومة الاحتلال الاجنبي، وبعد قيام حرب الاستقلال في تركيا وطرد المحتلين من البلاد قامت الجمهورية التركية التي اتخذت قرارات خطيرة ضد الدين، وسعت الى استئصاله من حياه الناس، والى إخماد جذوة الايمان في قلب الامة المسلمة، فألغت الخلافة ومنعت تدريس الدين بالمدارس وبدلت الحروف العربية الى لاتينية وحرم الآذان باللغة العربية، وحظر طبع الكتب الاسلامية وأرغم الناس على تغيير الزي الى الزي الاوروبي، وانتشرت كتب الالحاد وصحفه واستهزأ بالدين من قبل وسائل الاعلام وشكلت المحاكم لمحاكمة كل من يخالف قوانين الدولة الجديدة، وساد جو الرعب والارهاب في كافة ارجاء البلاد.
وبعد ثورة 1925 التي قامت بها عشائر المنطقة الشرقية من الاناضول نفي الاستاذ على الرغم من عدم مشاركته بالثورة بل ونصح من قام فيها بعدم حمل السلاح في وجه قوات الحكومة، نفي الى غرب الاناضول حيث عاش وحيدا تحت الاقامة الجبرية لسنوات طويلة.
في عام 1926 بدأ الاستاذ في كتابة رسائل النور التي كانت السلاح الفعال لحمل هموم الامة والقيام بأعباء انقاذ الايمان، والوقوف في وجه موجات الالحاد التي ارادت استئصال الاسلام من جذوره ونذر الاستاذ نفسه لهذا الغرض ورغم كل الصعوبات التي واجهها من سجن ونفي واذى وملاحقات واقامة جبرية فان كل ذلك لم يقلل من همة الاستاذ في اداء ما نذر نفسه من اجله.
ادرك الاستاذ عظم حجم المؤامرة التي تحاك ضد الاسلام وقوة المنفذين لهذه المؤامرة فالسلطة بأيديهم ورائهم الغرب الحاقد والماسونية اليهودية المتربصة بالاسلام واهله، وادرك ان المعركة غير متكافئة على الاطلاق، وانه ليس من المحكمة المواجهة المباشرة فهو وحيد لا يملك شيئا من القوة وكل السبل مغلقة في وجهه لذلك قرر المقاومة السلمية، وبدأها بسلاح الكلمة الطيبة المخلصة والتي زرع بذورها بين طبقات الامة ولم يستعجل قطع الثمار، فانتشرت هذه الكلمة بسرعة عجيبة رغم كل الصعوبات واصبحت رسائل النور تنسخ في كثير من البيوت وتتداولها الايدي الامينة مما اغاظ السلطة، وجعلها تنفي الاستاذ من مكان الى مكان وتنقله من سجن الى سجن طيلة ثمانية وعشرين عاما، وهو لا يأبه لذلك بالعكس كلما ذهب الى منطقة جديدة انتشرت الرسائل اكثر فأكثر وكلما دخل سجناً والذي سماه «المدرسة اليوسفية» ازداد طلاب رسائل النور من داخل السجون، ويقول عن هذه الرسائل «انها انبعثت حقا من نور القرآن الكريم، لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني فانا على قناعة تامة ويقين جازم ان هذه الرسائل ليست مما مضغته افكاري ، وانما الهام الهي افاضه الله سبحانه على قلبي من نور القرآن الكريم».
ويقول ايضا: «ان رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم وتفسير قيم له وهي لمعة براقة من لمعات اعجازه المعنوي ورشحة من رشحات ذلك البحر وشعاع من تلك الشمس ، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته».
ان رسائل النور ليست طريقة صوفية بل حقيقة وهي نور مفاض من الآيات الربانية ولم تستسق من علوم الشرق ولا من فنون الغرب بل هي معجزة معنوية للقرآن الكريم خاصة لهذا الزمان».وفي آذار 1960 انتقل الاستاذ النورسي الى الرفيق الاعلى بعد ما رأى واطمئن على ان ما بناه قد بدأ يؤتي أُكله ، غادر مسرورا لان مهمته قد نجحت ورسالته قد اديت.
ان للاستاذ النورسي فضلاً كبيراً بعد فضل الله تعالى على ما نشهده اليوم من عودة الشعب التركي الى الاسلام فبصموده وتضحياته وتفانيه واخلاصه استطاعت رسائل النور ان تقف كالطود الشامخ في وجه دعاة التغريب والالحاد والكفر، فقبل وفاته جمعت رسائل النور وطبعت وعددها اكثر من مئة وثلاثين رسالة من قبل تلاميذه المخلصين واصبحت هذه الرسائل تقرأ في كل حي ومدينة وقرية في تركيا، وكان القصد الرئيسي لها انقاذ ايمان الناس في هذا العصر العصيب، وذلك باحياء معاني القرآن ومقاصده في النفوس والعقول والارواح فوضع بفضل الله تعالى بيد الجيل الجديد منهلا ثريا ونبعا قرآنيا صافيا، يحفظ عليهم دينهم وايمانهم ويطهر قلوبهم وعقولهم مما قد علق بها من اباطيل الملحدين.وانتشرت رسائل النور بعد ترجمتها في كثير من دول العالم، فلقد ترجمت الى لغات كثيرة مثل العربية والفارسية والانجليزية والروسية والفرنسية والالمانية والاسبانية والكردية والبوسنية والمالاوية، واصبحت تقرأ في كثير من دول العالم، وانتشرت المدارس النورية في جميع ارجاء المعمورة وبدأت المؤتمرات في هذه الرسائل تعقد في كثير من البلدان.
والحقيقة ان حركة النور هي اول الحركات الاسلامية التي نشأت في تركيا بعد سقوط الخلافة ، لذلك تعتبر ام الحركات والاحزاب الاسلامية، ولها الفضل الكبير على كثير من المفكرين والمثقفين والعاملين في الحقل الاسلامي في تركيا، وجميع هؤلاء لا ينكرون دور الاستاذ النورسي الكبير في خدمة الايمان، والاسلام في وقت يعتبر من اصعب ما مر على الاسلام في تركيا، ولا ينسون له تضحياته الجليلة في هذا الشأن، ولعل لنا كتابات اخرى نتحدث فيها عن رسائل النور بالتفصيل باذن الله.

منقول عن جريدة الدستور
23-03-2009

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.