
أودع الله في أعماق الإنسان حب الوطن، وأعلن من شأن الإنتماء الحقيقي له، ودعا الناس أن يتعانوا على البر والتقوى، ويبعدوا عن حياتهم شبح التنازع والإختلاف المذموم ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾، ويجسروا العلاقات التي تربط وتجمع ضمن دائرة الجوامع المشتركة التي يلتقي عليها وحولها كل غيور على دينه ووطنه وأمته، ويهدموا كل فكر ومعتقد وتوجه في عقول فئة أبتعدت في نظرتها وتطلعاتها عن مصالح الأمة، وجثمت هذه الأفكار التي لا تمت إلى عقيدة وخلق وقيم الأمة بصلة على صدر فئات متعددة حتى أماتت الروح الوطنية عند كثير من الناس وأصبح الوطن معبراً لمصالح شخصية يتقاسمها الجاحدون من وراء الكواليس المظلمة.
يتصور بعض الناس من المثقفين وقادة الفكر أن الوطن والوطنية قوالب فارغة من الروح، لا علاقة لها بالدين والأخلاق، ومن يظن ذلك فهو لا يزال في ظلمة الفكر، وخطأ التصور والإعتقاد، إنّ الوطن والوطنية والمواطنة الصالحة جزء من عقيدة الأمة، وكلما ازداد الإنسان تمسكاً بدين الله ازداد ولاء وانتماء ومحبة لوطنه وترسخت معالم الوطنية الصادقة في نفسه وعقله، حتى تصبح الهم والشغل الشاغل للإنسان الحر الأبي الذي يقدس محبة الوطن ولا يساوم عليها، وخير أسوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عندما توجه إلى المدينة المنورة مهاجراً نظر إلى مكة المكرمة وقال: (والله إنك أحب البقاع إلىِّ ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت)، لقد جَسدَّ الرسول صلى الله عليه وسلم هذة الوطنية الشامخة لبلده محبةً واعتزازاً، خلقاً ومنهجاً، أما الذين ينوحون في الظلام فلن تدور الدائرة إلا عليهم.
الوطنية والمواطنة الصالحة حرص على البناء المثمر، عمل دؤوب لرعاية مصالح الوطن والمواطن، قهر للنفس الأمارة بالسؤ، حتى تستعلى بكرامتها على هواجس الظن والوقيعة والخراب، الوطنية كما يفهمها الشرفاء إذا رافقها الإخلاص فإنها تسيج الوطن بسياج من النبل والعطاء المستمر فلا يتقاعس أحد عن الخدمة العامة، وتغدو حياة الناس كخلية النحل التي تمد المواطن بالشفاء من كل داء يعانيه، فلا يستطيع أهل العبث والإستهتار، النيل من مكتسبات الأمة، ولا يرفع الفاسدون رؤوسهم لاقتناص وسرقة لقمة طعام المواطن الشريف، ولا يستبد أهل الرأي بآرائهم ما دام في الحوار الهادف فسحة للوصول إلى الحقيقة، ولا يقصر المسؤول عن تلبية حاجة المواطنين الشرفاء المخلصين في عملهم، ولا تعطى فرصة لمسؤول أو غير مسؤول أن يجند الشللية لحيازة المناصب أو تسويق عبارات الثناء والتمجيد والتحميد لمن لا يستحقها، فمعيار المواطنة الصالحة الصدق والأمانة والتسامح والإنسانية الرفيعة بأبهى صورها، والعمل المتواصل المثمر لبناء صرح الوطن والمحافظة عليه قولاً وعملاً وممارسة.
حديث جلالة الملك الصريح للأردنيين كان مريحاً وواضحاً أشاد بوطنية الشرفاء من أبناء الأردن، وأثنى على جهود المخلصين الذي بدأوا مسيرة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وإحالة ملفات الفساد والمفسدين إلى القضاء الأردني النزيه، وأشار جلالته بأن عجلة الإصلاح ماضية لا يوقفها أحد، لأنّها موجهة صوب خدمة ورعاية الوطن والمواطن، وأن الإنسان الأردني أغلى الموجودات فلا مجال لخذلانه أو التقليل من شأنه، أو المساومة على طلباته للإصلاح، ومن يفعل ذلك فهو خائن لله ورسوله وللأمة، والإصلاح يحتاج إلى التدرج المرحلي حتى تثبت أركانه، وحذار من العجلة الهوجاء التي تدمر البنيان، كما أن محاربة الفساد والمفسدين يحتاج من أصحاب القرار التأني الذي لا يؤخر المحاسبة التي ينتظرها المواطن، حتى ينتصف من المارقين المغتصبين للمال العام، وحذار في ظل الحراكات السلمية أن تتحطم الآمال، وليس لإنسان أن ينقص من قدر وكرامة أحد من المشهود لهم بالإنتماء والعطاء، وحذار من التهويش والجعجعة الحمقاء التي تفسد ولا تصلح، فإذا أردنا وطناً عزيزاً شريفاً كريماً، فعلينا أن نضحي من أجله بوطنيتنا ومحبتنا لترابه ومائه لنعلي صروح البناء الشامخة التي تستعصي على الحاقدين والمغرضين، والمواطن الصالح لا يجف نبعه وعطاؤه وهاهي الانتخابات البرلمانية قد اقترب موعدها، وواجب المواطن الحر أن يتفاعل بحيوية وإيجابية، وأن يشارك بجدية لإختيار النواب الشرفاء ذوي السيرة الحميدة العطرة، الذين لم يتورطوا يوماً بحرام من مال أو غيره، وأن يكونوا من ذوي الكفاءة العلمية والخلقية والمسلكية والقدرة على توصيل هموم المواطن، الذين يحبون الدين والوطن والأمة، يمثلون الشعب الأردني بكافة فئاته ومشاربه، يحافظون على الهوية الوطنية والوحدة الوطنية بشرف ومصداقية.
07/07/2012
ابحث
أضف تعليقاً