
أولا: التشريعات في الإسلام
تمهيد :
إن من أهم العوامل المؤثرة في تكامل المجتمعات وازدهار الحضارات، الإلتزام العملي بالعدالة، لأن الخروج عن جادة العدل، والإنحياز إلى الظلم والجور والإستبداد من أهم عوامل سقوط الأمم وإنهيار الحضارات.
وإذا كانت الوسطية تمثّل الإعتدال والتوازن؛ فإنها كذلك تشريع قانوني جاء به الإسلام حماية للفرد والمجتمع وللإنسانية جمعاء. فالعدل الإسلامي سلطان الله على الأرض؛ وهو الشدّة بغير عنف، ولين بغير ضعف. ولذلك أكد الإسلام على المسلمين أن لا يعتدوا على أحد، ودعا إلى الحرية والعدل والخير والصلاح والتعاون والشورى والمساواة، وإلى احترام الروح الإنسانية في الفرد والجماعة والأمة. والإسلام ينظر إلى الناس أنهم أمة واحدة؛ لا يفرقها لون أو جنس أو أصل أو وطن، ولم يكره أحداً على إعتناق الإسلام جبراً، بل ترك لهم حرية الإختيار بين الإسلام والبقاء كلٌ على دينه.
الوسطية في اللغـة بناء صحيح يـدل على العدل والإنصاف، وأعدل الشيء أوسطه ووسطه. والوسط هو العدل، وهو الذي لا يميل إلى أحد الطرفين من الخصماء، وإذا قيل رجل أوسطنا نسباً، فالمعنى أكثرهم فضلاً كواسطة القلادة. وأصل هذا أن الأتباع يحيطون بالرئيس فهو وسطهم وهم حوله، والخُلق الفاضل إنما سمي وسطاً ليس لأنه خُلق فاضل فحسب بل لأنه متوسط بين طرفين هما الإفراط والتفريط، فالشجاعة خُلق بين الجبن والتهور. قال : خير الأمور أوسطها في تفسير قوله تعالى {{ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً }} [البقرة: 143].
إن الوسط هو العدل والخيار، وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تقصير وتفريط، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة، وهما شرٌ مذموم. والعدل الوسط مشتق من المعادلة بين شيئين؛ بحيث يقتضي شيئاً ثالثاً وسطاً؛ بين طرفين لذلك كان إسم الوسط يستعمل في كلام العرب مرادفاً لمعنى العدل.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالعدل والإحسان في إستيفاء الحقوق وممارسة الواجبات، وليس أدل على ذلك من آية القصاص؛ التي ذكر فيها جزاء قتل النفس بغير حق؛ وهو من أعظم الحقوق وأبينها، وجميع الدواعي متوفرة للإساءة في إستيفائه ومع ذلك يأمر الله المؤمنين بالمعروف في الطلب والإحسان في الأداء.
إن القرآن الكريم جاء بنظام تشريعي شامل؛ تحقيقاً لأغراض العدالة والمساواة وحفظ الحقوق، كما قرر التوفيق بين سلطة الحاكم وحرية المحكوم، واحترام الملكية الفردية دون أن يكون ذلك سبيلاً للإعتداء أو التجاوز على حقوق الآخرين، فمثلاً دعا الإسلام إلى القصاص حقناً للدماء وضماناً لسلامة المجتمع، فمن استطاع أن يعفو فبها ونعمت، ولكن الحكم العادل الذي يتناسب مع واقع الإنسان كما هو يفترض أن يكون هناك قصاص.
والقرآن الكريم يركز على قضية العدل ، وينهى عن الظلم والجور أشد النهي، ويكافح أسبابه المدمرة، التي تقود إلى الإنحطاط بكل الوسائل المناسبة، ويجاهد بكل السبل لإنقاذ الأمة من هذا المرض الخطير الذي يهلك المجتمعات ويهدم الحضارات.
نظرة شاملة وسريعة إلى القرآن الكريم وعلومه توضح لنا بجلاء أهمية العدالة، فالعدل هدف التشريع الإلهي والرسالات السماوية الربانية، واعتبر الإسلام العدل كالتوحيد تماماً، تمتد جذوره في كل فروع الدين وأصوله وكلياته وجزئياته "الأخلاقية والإنسانية والسياسية والإجتماعية والحقوقية والقضائية فردية كانت أو عائلية أو إجتماعية فكما أن الدين لا ينفك عن التوحيد فهو كذلك لا يحيى إلا بروح العدل فكل شيء أقامه القرآن الكريم أقامه على أساس العدل والقسط.
ولقد حذر الإسلام من أمهات الرذائل أشد التحذير، مثل: القتل، والسرقة، والزنى، والشذوذ الجنسي، وشرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، والكذب والغيبة، والنميمة، والخيانة، وسوء الظن، والغدر، والشح، والظلم، واعتبر هذه الرذائل من أكبر المحرمات عند الله، وقد وردت أحاديث كثيرة تبين هذا نذكر منها حديث الحسن بن بشر حيث قال حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن عمران بن حصين قال قال رسول الله : ما تقولون في الزنى وشرب الخمر والسرقة قلنا الله ورسوله أعلم قال هن الفواحش وفيهن العقوبة ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الشرك بالله عز وجل وعقوق الوالدين وكان متكئا فاحتفز وقال والزور.
أولاً : خصائص التشريع الإسلامي:
1- العدل في التشريع:
إن العدل في الإسلام لا يتأثر بحبّ أو بغض، فلا يفرق بين مسلم وغير مسلم، كما لا يفرق بين حَسَب ونَسَب، ولا بين صاحب جاه ومال وبين فقير بل يتمتع بالعدل جميع المقيمين على أرض الإسلام من المسلمين وغير المسلمين مهما كان بين هؤلاء وأولئك من مودة أو شنآن، بقول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، إعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا
الله، إن الله خبير بما تعملون}.
فالعدل في الإسلام ميزان الله على الأرض، به يؤخذ للضعيف حقه وينصف المظلوم ممن ظلمه، وفي الحديث القدسي: { يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا} وأبواب السماء مفتوحة أمام الإمام العادل وإمام المظلوم على حد سواء، قال : ( ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم) فالله سبحانه يجيب دعوته، وينصف من يستغيث به، ويدفع عنه مظلمته. بل أباح الله تبارك وتعالى للمظلوم فوق ذلك الدعاء على الظالم والتشهير به وقول السوء في حقه حتى يرجع عن ظلمه، مصداقاً لقول الله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم }( النساء/ 148 ).
لقد دعا الإسلام إلى عدالة إجتماعية شاملة ترسيخاً لفكرة العدل كمبدأ، وتنمية لها كسلوك لأن العدل هو أهم الدعائم التي يقوم عليها كل مجتمع صالح. فالمجتمع الذي لا يقوم على أساس متين من العدل والإنصاف،هو مجتمع مهدد بالفساد مصيره الزوال والهلاك.
وعلى هذا، فإن عدالة الإسلام تتناول جميع مظاهر الحياة وجوانب النشاط فيها، فالظلم ضدّ العدل والعدل الإسلامي قاعدة سلوكية في الأخوة والقول والعمل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي النساء وفي الأقارب والأولاد والضعفاء حتى في الجوارح فضلاً عن العدل في الإقتصاد وفي الشهادة وفي الحكم الذي هو فرع من فروع المسؤولية، أما الحكم فينبغي أن يقوم على أساس العدل المطلق. وهذا يتحقق بمعرفة كل مسؤول ما له وما عليه.
2- العدل في الحكم:
فقد أمر الله رسوله أن يحكم بالعدل، كما أمر الله تعالى مَن يأتي من بعد رسول الله من الحكام المسلمين أن يحكموا بالعدل بقوله سبحانه: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}( النساء/ 58).
والحكم بالعدل يعني الحكم بما أنزل الله تعالى، أي الحكم بمقتضى القرآن الكريم والسنة النبوية . فهما: المصدران الأساسيان للتشريع في الإسلام وتفرع عن هذين المصدرين مصادر متنوعة للتشريع في مذاهب أهل السنة، منها: الإجماع والقياس فالإجماع هو ما أجمعت عليه الأمة من الأحكام للحديث النبوي الشريف: ( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن)، ولحديث آخر: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) والقياس هو إلحاق أمر بأمر لعلة مشتركة بينهما وقد أقرّ رسول الله القياس وإمتدحه إذا صدر من أهله حين لا يجد للحادثة حكماً منصوصاً عليه في كتاب الله أو في سنة نبيه ، وذلك في قوله لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: ( كيف تصنع إن عرض لك قضاء) ؟ قال: أقضي بما في كتاب الله تعالى، قال: ( فإن لم يكن في كتاب الله) ؟ قال: فبسنّة رسول الله قال:
( فإن لم يكن في سنة رسول الله )؟ قال: ( اجتهد رأيي ولا آلو) اي : لا أقصر عن جهد فضرب رسول الله بيده صدر معاذ ثم قال: ( الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله).
إنّ هدف القرآن الكريم في إقامة العدل والقسط، ومنع الظلم والجورلا يتحقق إلاّ إذا كان العدل حاكماً في التشريعات والقوانين، والقرآن ينص على هذه الكليّة في قوله تعالى: {قُلْ أمر ربّي بالقسط} (الأعراف/29).
ويعقب بعض تشريعاته الاقتصادية والاجتماعية والأسرية والحقوقية بقوله تعالى:
{ذلكم أقسط عند الله} (البقرة/282).
ويقرر الهدف من بعثة الأنبياء القاعدة الأساسية في الحركة الإجتماعية التوحيدية في قوله تعالى:
{لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (الحديد/25).
3- العدل في التنفيذ :
إنّ وجود التشريع العادل لا يكفي وحده لبسط العدالة سياسياً وإدارياً وتنفيذياً ما لم ينبر له أئمة العدل المخلصون.
ولهذا يهتم القرآن أيّما إهتمام بالعدل والقسط في مرحلة التنفيذ فالعدالة من شروط القائد {لا ينال عهدي الظالمين} (البقرة/124).
والشاهد والقاضي {يحكم به ذَوا عدلٍ منكم} (المائدة/95).
4- العدل في الشهادة : {وأشهدوا ذَوَي عدلٍ منكم} (الطلاق/2).
العدل في كتابة العهود والعقود : {فَليُملِل وليّه بالعَدل} (البقرة/282).
5- العدل في الحكم والقضاء : في قوله تعالى :{وإذا حكمتم بين الناس أنْ تحكموا بالعدل} (النساء/58).
6- العدل في الصلح بين الفئات الموحّدة المتنازعة : {فأصلِحوا بينهما بالعدل} (الحجرات/9).
يورد القرآن الكريم العديد من الآيات التي تحث على العدل لا فرق في ذلك بين مؤمن وكافر أو مسلم وغيره. ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
** {ان الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس ان تحكموا بالعدل} (النساء/58).
**{ولا يجرمنـّكم شنئان قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب للتقوى } (المائدة/8).
** {ان الله يأمر بالعدل والإحسان } (النحل/90).
**{ وأمرت لأعدل بينكم } (الشورى/15).
** { فأصلحوا بينهما بالعدل واقسطوا ان الله يحب المقسطين} (الحجرات/9).
ويحذرسبحانه وتعالى من مغبة الإنحراف عن جادة العدل كما في قوله :
{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قومٍ على الاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون} (المائدة/8).
{يا أيها الذين آمنا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين أن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وان تلووا أو تعرضوا فان الله كان بما تعملون خبيرا} (النساء/135).
**ويمدح الأمم التي أقامت العدل في حياتها واستقامت عليه كما في قوله تعالى:
{وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} (الأعراف/181).
ويجعل عاقبة النجاح والفلاح والنجاة لهذه الأمم للقلوب الباحثة عن الحقيقة، على مرأى من التاريخ، كما يرسم المصير المشؤوم للأمم الظالمة، التي كتب لها الهلاك والدمار، في آيات تهز السامع، ليعتبر بها كل ذي قلب حي نابض، يتطلع إلى المعرفة والإتعاظ كما في قوله سبحانه وتعالى:
{ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات } وآيات أخر (يونس/13).
ويضرب القرآن أروع الأمثلة المحسوسة في صور متحركة واضحة رائعة تبين مفهومي العدل والظلم بشكل محسوس ملموس كما في قوله سبحانه وتعالى:
{وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما ابكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه اينما يوجهه لا يأتِ بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم} (النحل/76).
إن الله سبحانه وتعالى مبدع الوجود وخالق الكون المدبر الحكيم. قائم بالعدل كما في قوله تبارك وتعالى:
{شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} (آل عمران/17).
والقرآن يدعو الموحدين لنبذ ميزان الطغيان وإقامة ميزان العدل الذي هو ميزان الخالق في خلقه كما في قوله سبحانه وتعالى.
{والسماءَ رفعها ووضع الميزان الاّ تطغّوا في الميزان* وأقيموا الوزنَ بالقسط ولا تُخِسروا الميزان} (الرحمن/7و9).
**ويدعوهم إلى التفكر في خلق السماوات والأرض بالحق الملازم للعدل كما في قوله سبحانه وتعالى:
{أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلاّ بالحق} (الروم/8).
**وينفي الظلم بكل أشكاله ومستوياته عن ساحة القدس الرّباني وإنما هلكت الأمم ولحقها الدمار نتيجة ردّ فعل طبيعي لأفعالها وظلمها وفقاً لسنة الله التي لا تقبل التغيير وليس الله بظلام للعبيد كما في قوله سبحانه وتعالى.
{فَكُلاً أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله لِيظلمهم ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون} (العنكبوت/40).
** مظاهر الاعتدال في التشريع الإسلامي :
أ- شمولية نصوص القرآن : في شرح التشريع الإسلامي فإن اتساع المفاهيم يعني إستيعاب جميع الجزئيات التي ترجع بدورها إلى الكليات؛ في عمومية المعنى المقصود. فالنصوص القرآنية لم تترك كبيرة ولا صغيرة إلا وألمت بها أصلاً كانت أم فرعاً.
ب- شمولية مقاصد الشريعة الدنيوية والأخروية: فهي تذهب نحو التوزان والتكامل سواء للفرد أم للجماعة .
ج- : تفصيل المحلل والمحرّم: ومعنى ذلك إطلاق المباح.
د- : الإجتهاد في تأويل النص : لما هو مباح وحسب مقتضى الشريعة دون الخروج عن المقصد الكلي وبعيداً عن التعصب المنافي والجمود المناقض بين الحكم والإجتهادي الجزئي مع الأصل الكلي في الشريعة لأن في ذلك هدم للحكم الشرعي الصحيح فالإجتهاد والفتوى مسموحة في كل عصر لمواجهة الأحداث .
** أمثلة على الأحكام القانونية في الشريعة :
ورد في الشريعة الإسلامية بمصادرها المختلفة، من كتاب وسنة وإجماع وإجتهاد فردي، العديد من الأحكام لبيان الرأي والحكم الشرعي في المشاكل العملية التي كانت تواجه أو يمكن ان تواجه المجتمع في يوم من الأيام ونشير فيما يأتي لبعض الامثلة من القرآن الكريم على ذلك.
أ- الوفاء بالعقود:
بالنسبة للعقود والعهد عموما، فرض الله سبحانه وتعالى الوفاء بهما كما يتضح من كثير من الآيات ومثال ذلك ما يلي:
- { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } (المائدة/1).
- {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا } (البقرة/177).
- {وبعهد الله أوفوا } (الأنعام/152).
- {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} (النحل/91).
- {وأوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولا} (الإسراء/34).
- {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون} (المؤمنون/8).
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان بالوفاء بالعقود: أي بإكمالها، واتمامها، وعدم نقصهِا ونقِصها وهذا شامل للعقود، التي بني العبد وربه من التزام عبوديته، والقيام بها اتم قيام، وعدم الانقاص من حقوقها شيئاً، والتي بينه وبين الرسول بطاعته واتباعه، والتي بينه وبين الوالدين والأقارب، ببرهم ووصلهم، وعدم قطيعتهمن التي بينه وبين أصحابه المتقين من القيام بحقوق الصحبة في الغني والفقر، واليسروالعسر، والتي بينه وبين الخلق من عقود المعاملاتن كالبيع والإجارة، ونحوها. وعقود التبرعات كالهبة ونحوها، والقيام بحقوق المسلمين، التي عقدها الله سبحانه وتعالى بينهم بقوله {إنما المؤمنون إخوة } بل التناصر على الحق، والتعاون عليه، والتآلف بين المسلمين، وعدم التقاطع، فهذا أمر شامل لأصول الدين وفروعه، فكلها داخله في العقود التي أمر الله بالقيام بها .
اما بالنسبة لاثبات الدين وربما انعقاده أيضا، وهو ما يسمى في القوانين الحديثة بعقد القرض ، نجتزئ الأحكام الاتية الواردة في الآية الكريمة (282) من سورة البقرة:
- {يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى اجل مسمى فاكتبوه}.
- {وليكتب بينكم كاتب بالعدل }.
- {وليملل الذي عليه الحق }.
- {واستشهدوا شهيدين من رجالكم }.
- {فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ان تضل احداهما فتذكر احداهما الأخرى}.
- وفيما يتعلق بالميراث، جاء في الآية الكريمة (11) من سورة النساء ما يلي:
-{يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الاثنين } (النساء /11).
-{يا أيها الذين آمنوا كونوا قَوّامين بالقِسط} (النساء/135).
- {إنَّ الله يأمركم أنْ تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بيَن الناس أنْ تحكموا بالعدل إنّ الله نِعِمّا يعظُكم به} (النساء/58).
ب_اليسر أو التيسير:
كما يورد القرآن الكريم آيات عديدة تحث على اليسر والتيسير على الناس، ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى:
- { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } (البقرة/185).
- { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} (الطلاق/7).
- {ونيسرك لليسرى} (الأعلى/8).
- {فإن مع العسر يسرا* إن مع العسر يسرا} (الانشراح/5 و6).
ج-التسامح والعفو:
قال الله تعالى {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} (البقرة/ 178) فإذا كان الله تعالى؛ يطالب ولي المقتول الذي رضي بالدية , بأن يطلبها بالمعروف ويطالب القاتل بأداء الدية بإحسان إلى ولي الدم فكيف بالحقوق والواجبات التي دون ذلك، فضلاً عن المباحات والمشروعات.
ومن هذا الهدي القرآني الكريم يتضح لنا أن من يتعسفون في إستعمال الحق الجائز له ويحملون الآخرين تبعات ذلك أنهم مخطئون من حيث ظنوا أنهم مصيبون.
ولا بد من الإشارة إلى إن عمر بن الخطاب لم يقم الحدود على الناس في عام الرمادة حيث أنها عام قحط فمن سولت له نفسه بالسرقة فقد كان له ما يبرره وقد عفا عمر عمن إرتكب معصية فيها حدٌ من الحدود الإسلامية وخصوصاً حوادث السرقات .
ومن أمثلة ذلك في القران الكريم ما يأتي:
- {خذ العفو وأمر بالعرف واعرض عن الجاهلين} (الأعراف/199).
- { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} (الفرقان/63).
- { إلا ان يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وان تعفوا اقرب للتقوى } (البقرة/237).
- {ان تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فان الله كان عفوا قديرا } (النساء/149).
- {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ان يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا آلا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم} (النور/22).
- { فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره } (البقرة/109).
- {فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون} (الزخرف/89).
- {فاعف عنهم واستغفر لهم } (آل عمران/159).
د- المساواة :
يتضح من القرآن الكريم ان الناس كلهم خلقوا من نفس واحدة، وإنهم متساوون في الإنسانية لا فرق بين شخص وآخر، مؤمنآ كان أم كافرآ، ذكرآ كان أم أنثى إلا بمقدار عمله وإنتاجه. ومن الأمثلة على ذلك قوله سبحانه وتعالى ما يأتي:
- {يا ايها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء } (النساء /1).
- {وهو الذي انشأكم من نفس واحدة } (الأنعام /98).
- {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها} (الأعراف/189).
- {يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم} (الحجرات/13).
- {ولقد كرّمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضـّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} (الإسراء /70).
ثانياً : العقوبة في الإسلام
سلك الإسلام منهجاً متميزاً في تطبيق العقوبة واستيفائها إعتماداً على الغاية من تشريعها وهي أن تقوم في جوهرها على تحقيق مصلحة العباد في الدنيا والآخرة وما فيه من تهذيب نفس المجرم وتقويم إعوجاجه؛ وذلك بتعزيز الوازع الإيماني وتطهير المجتمع من دواعي الجريمة وتوفير ضرورات الحياة وحاجياتها ، فليس من الحكمة الشروع في تطبيق نظام العقوبات قبل إستكمال بناء الأنظمة الإسلامية وإستقرار التشريع الإسلامي التكامل ، فالإسلام يهدف الى إنشاء حياة فاضلة يأمن فيها الأفراد على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم وحرياتهم عن طريق ترسيخ قواعد الإيمان وما يحقق منفعتهم ولايهدف الى إيقاع الأذى ونشر الرعب والخوف .
** العدالة في تطبيق العقوبة :
نجد الإعتدال واضحاً في نظام العقوبات في الإسلام ، ذلك أن العقوبة في الإسلام على قدر الجريمة ، فلايعاقب إنسان على جريمة معينة بعقوبة لاتتناسب والجريمة التي إرتكبها ، ولا تتغير العقوبة من شخص إلى آخر كما كان عليه الناس في الجاهلية حيث كانوا يعاقبون الضعيف ، ويتركون الشريف من الناس دون عقوبة ، قال رسول الله (أهلك الذين ...الحديث ) ودعت الشريعة الإسلامية المسلم إلى العفو عن الجرائم التي فيها مجال للعفو ، فقال الله تعالى: { ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل } (سورة الاسراء/33 ) ودعت كذلك الى التسامح بين الناس والعفو عن الجرائم ، التي تخصهم ، كجرائم القتل ، إما أن تكون متعلقة بحق الله تعالى كجرائم الحدود فلا عفو فيها .
الإسلام جاء ليحقق العدل وينفي الظلم وأكثر ما يتجلى العدل في تطبيق الأحكام الشرعية المتعلقة بالعقوبات حتى لو كان الأمر يخص غير المسلمين ، قال تعالى :
{ ولايجرمنكم شنئان قوم على الا تعدلوا اعدلوا اقرب للتقوى } (المائدة /8) .
** مظاهر العدالة في العقوبة :
1- لاتستثني الشريعة أحداً في إقامة الحد ، حاكماً كان أومحكوماً مسؤولاً وضيعاً أوشريفاً.
2- تفرض الشريعة القصاص القائم على المماثلة في الجناية ، ولا يملك الحاكم أو القاضي إسقاط القصاص قال تعالى : { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } (البقرة/ 194) ولقد روي في كتب السير أن أعرابياً إشتكى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه جبلة بن الأيهم أحد شيوخ قبائل العرب من بني غسان ، لطمه وهو يطوف حول الكعبة فحكم عمر رضي الله عنه على جبلة أن يلطمه الأعرابي كما لطمه، فعجب جبلة أشد العجب فطلب إمهاله إلى الغد ثم فرهارباً ملتحقاً بالروم وارتد عن دينه وأصبح نصرانياً.
** الرحمة في تطبيق العقوبة :
لقد كتب الله على نفسه الرحمة‘ وطلب من عباده أن يسلكو مسلك الرحمة في كل شىء؛ قال تعالى : { وما ارسلناك الا رحمة للعالمين} ( الانبياء/ 107) ومن مظاهر الرحمة في العقوبة ما يأتي :
1- تحقيق الرحمة بالمجتمع عامة وللجاني خاصة : بالرغم مما تسببه العقوبة من ألم بالجاني إلا أن في ذلك تحقيق الرحمة بالمجتمع عامة من جهة؛ وتحقيق الرحمة للجاني من جهة أخرى لأنها تقصد إصلاحه وردعه؛ وأن يعمد إلى التوبة وأن يسارع في العودة إلى مجتمعه فاعلاً مخلصاَ ومساعدته والأخذ بيده الى الطريق المستقيم .
2- عدم الجمع على المجرم بين عقوبتين إذا إرتكب جرائم عدة يترتب عليها حدود متعددة تطبق عليه العقوبة الأشد .
3- إسقاط العقوبة بالشبهة : قال رسول الله : (إدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة ). ( رواه الترمذي ).
4- مراعاة الوضع الصحي للمجرم :
ا- مراعاة إن كان المجرم مريضاً أو به أذى .
ب- مراعاة وضع المرأة إن كانت حاملاً .
ج – مراعاة الوقت في تطبيق العقوبة من حر أو برد .
د- مراعاة وضع السوط فلا يؤدي إلى الهلاك .
إقرارمبدأ العفو في القصاص؛ وإقرار مبدأ البدل بالرجوع إلى الدية؛ إذا عفا الولي عن القصاص كما أقرت الشريعة أن تكون الدية على العاقلة – عشيرة الرجل وعصبته بحيث يتم توزيع العبء حتى إذا كان فقيراً لا يؤدي ذلك إلى إغراقه بالدين المرهق وبه إقرار مبدأ التعاون المتبادل بين الأقرباء وما يترتب على ذلك من جملة آثار نافعة وطيبة على المجتمع بأكمله .
** مراعاة القصد الجرمي لدى الجاني : تفرق الشريعة في العقوبة بحسب القصد فلايستوي المتعمد والمخطىء في ميزان الشرع إستناداً إلى قول الرسول : (إنما الأعمال بالنيات). ( رواه البخاري ) .
أما هذه العقوبات ، فلا يجوز أن توقع إلا َّبالمجرم ، لأن معنى كونها زواجر أن ينزجر الناس عن الجريمة ، أي يمتنعوا عن إرتكابها ،أما عقوبة الدنيا فقد بينها الله في القرآن والحديث مجملة ومفصلة. وجعل الدولة هي التي تقوم بها فعقوبة الإسلام التي بين إيقاعها على المجرم في الدنيا يقوم بها الإمام أو نائبه أي تقوم بها الدولة الإسلامية بتنفيذ حدود الله وما دون الحدود من التعزير والكفارات.
إن عقوبة الدنيا من الحاكم على ذنب معين تسقط عقوبة الآخرة ، ولذلك كان كثير من المسلمين يأتون إلى رسول الله فيقرون بالجرائم التي فعلوها ليوقع عليهم الحد في الدنيا حتى يسقط عنهم عذاب الله يوم القيامة فيحتملون آلام الحد والقصاص في الدنيا لأنه أهون من عذاب الآخرة.
الجلد في حدود الشريعة الإسلامية عقوبة فعالة و لم يرد في الشريعة العقوبة بأكثر من مائة جلدة ففي الآية الثانية من سورة عقوبة زنا غير المحصن مائة جلدة، وفي الآية الرابعة منها عقوبة القذف ثمانون جلدة، وفي السنة المطهرة حديث رسول الله : (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله).
ويعاقب القرآن عقاباً رادعاً على ست جرائم فحسب، وإن كان يستنكر ويذم جرائم أخرى عديدة، مبيناً سوء عاقبتها الوخيمة، وما ينتظر مرتكبيها من جزاء في الدار الآخرة، ابتداءً من الميسر والقمار، وأكل الخنزير، والارتداد عن الإسلام أما تلك الجرائم الموبقة الست التي يعاقب عليها في الدنيا، فهي:
أولاً: القتل العمد.
ثانيا: قطع الطريق والسلب والنهب علناً.
ثالثاً: الخيانة العظمى.
رابعاً: قذف المحصنات.
خامساً: الزّنى .
سادساً: السرقة لشيء ذي شأن.
وقد نص القرآن على أن القتل عقوبة الجرائم الثلاث الأولى، أما الجريمة الخامسة فقد دأب الفقهاء التقليديون المتزمتون على تبرير قتل مرتكبها وذلك بالرجم إذا توافرت ظروف وملابسات معينة تحتم عندهم ذلك.
أما جزاء السرقة ذات الشأن فهو قطع اليد اليمنى ثم اليسرى إذا لم يرتدع السارق، وكرّرَ السرقة، من هذا ترى أن القرآن لا يحوي في هذا الصدد سوى موادّ قليلةٍ جداً في الحدود أو العقوبات الجنائية، وأقل من ذلك بكثير ما يتعلق بالمحاكمات الجنائية، هذا الوضع يكفل الحرية اللازمة للشريعة الإسلامية لتكون إنسانية تراعي الواقع الفعلي للبشر، بواسطة تطبيق أحكام القانون الجنائي الشديدة الصرامة مع سقوط تلك الأحكام في مدة شديدة القِصَر، مما يوفر المجال الفسيح الكافي للشريعة لتخفيف قسوة العقوبات التي يفرضها القرآن.
ولا شك أن القرآن يطلب ما يستحيل تحقيقه لتوقيع العقوبة الخطيرة في حالة الزنى، إذ أنّى للمتهم أن يأتي بأربعة شهود ممن ترضى شهادتهم من العدول الرجال ليؤيدوا دعواه، مع مخاطرة أولئك الشهود بتعرضهم للجلد، بل وأحياناً للقتل، لدى بعض الفقهاء الذين يقيسون عقوبة الشاهد الكاذب الذي يرمي المحصنات دون دليل بعظم جرم الزنى ذاته وما يرونه من عقوبة ذلك بالموت، ويكفي لذلك أن يثبت كذب واحد من الشهود الأربعة.
ولئن كان الرسول قد انتهج التسامح الكريم، وأكد ذلك وأقره الخليفة عمرُ بن الخطاب . أما بالنسبة لقطع يد السارق والسارقة، {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم} ( المائدة/38).
إن المسلم يرى في العقوبات التي نص عليها القرآن حدوداً حدها الله سبحانه بحكمته الإلهية، وإن لم يستطع العقل البشري دائماً أن يفقه الحكمة منها، وأن تلك الحدود ليست نوعاً من الوصايا لمن شاء أن يعمل بها، أو أن لا يعمل بها.
**آثار تطبيق عقوبة القصاص :
1- إرضاء أولياء المقتول وإذهاب غيظهم وإخماد الفتن: قال شيخ الإسلام: قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتلَ وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل بل يقتلون كثيراً من أصحاب القاتل، وقد يستعظمون قتلَ القاتل لكونه عظيماً أشرف من المقتول فيفضي ذلك إلى أن أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما حالف هؤلاء قوماً واستعانوا بهم فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة، فكتب الله علينا القصاص وهو المساواة والمعادلة في القتلى، وأخبر أن فيه حياةً، فإنه يحقن دمَ غير القاتل من أولاء الرجلين.
2- ردع من يريد القتل وحفظ النفوس:
قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يا أولي الألْبَـابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة/179).
قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياةً فكم من رجل يريد أن يقتل فتمنعه مخافة أن يُقتل .
وقال ابن كثير: وفي الكتب المتقدمة: (القتل أنفى للقتل)، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز .
**الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام حول الحدود الشرعية والرد عليها :
الشبهة الأولى: قالوا: إن إقامة الحدود فيه ضرب من القسوة التي تتنافى مع الإنسانية الرحيمة التي تساير المدنية الحديثة والحضارة الراقية.
والجواب: إن كل عقوبة لا بد أن يكون فيها مظهر قسوة أياً كانت، حتى ضرب الرجل لولده تهذيباً وتأديباً له فيه نوع من القسوة، لأن العقوبة إن لم تشتمل على القسوة فأي أثر لها في الزجر والردع، ثم إن الذي دعا إلى تلك القسوة المزعومة هو أمر أشدُّ منها قسوة، ولو تركنا العقوبة القاسية بزعمهم لوقعنا في أمر أقسى من العقوبة.
ومثل القسوة التي تشتمل عليها الحدود كمثل الطبيب الذي يستأصل من جسم أخيه الإنسان جزءاً من أجزائه أو عضواً من أعضائه، وهل يستطيع أن يمارس هذا العمل إلا صاحب قلب قوي، ولكنها قسوة هي الرحمة بعينها، خاصة إذا قيست بما يترتب على تركها وبقاء العضو المريض ونار الألم تتوهج وتستشري وتتزايد في جسم المريض.
الشبهة الثانية: قالوا: إن إقامة الحدِّ تقتضي إزهاقاً للأرواح وتقطيعاً للأطراف، وبذلك تفقد البشرية كثيراً من الطاقات والقوى، وينتشر فيها المشوَّهون والمقطَّعون الذين كانوا يسهمون في الإنتاج والعمل.
والجواب: إن القتل وتقطيع الأطراف في الحدود إنما يكون في حالات ضيقة محصورة؛ وهو إزهاق لنفوس شريرة لا تعمل ولا تنتج، بل إنها تعطل العمل والإنتاج وتضيع على العاملين المنتجين ثمرات أعمالهم وإنتاجهم؛ ثم إن إزهاق روح واحدة أو قطع طرف واحد في الحدود يؤدي إلى حفظ مئات الأرواح وآلاف الأطراف سليمة طاهرة عاملة منتجة ثم إننا لا نلاحظ المشوَّهين يكثرون في البلاد التي تقيم الحدود، بل يكونون فيها أقل منهم في غيرها بل الأمر بالعكس من ذلك تماماً؛ فإن الحدود إذا لم تقم على المجرمين المعتدين كثر المشوهون والمعاقون من جراء اعتداءات المجرمين الذين يجدون متنفساً وسنداً عند من ينظر إليهم نظرة العطف والرحمة والحنان، وبذلك تضيع حقوق المعتدى عليهم، وتُهدر كرامتهم وليس بعد ذلك للمجرمين حد ينتهون إليه.
الشبهة الثالثة: قالوا: إن في إقامة الحدود سلباً لحق الحياة وهو حق مقدَس لا يجوز لأحد أن يسلبه، فكيف يسوغ لحاكم أن يسلب محكوماً حق الحياة؟!
والجواب: إن الشارع الحكيم؛ الذي منح حق الحياة وقدَّسه؛ وجعل الدماء والأموال والأعراض محرَّمة بين الناس هو الذي أكَّد ذلك التقديس والاحترام بإقامة الحدود، والمحدود الذي استحق الرجم أو القتل هو الذي جنى على نفسه لأنه لم يحترم حق غيره وعلى نفسها جنت براقش، ولو أنه احترم حقَّ الحياة في غيره لحفظ له حق الحياة في نفسه، وقد قرر الله تعالى في كتبه السابقة وفي القرآن الكريم: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً}( المائدة/32). فالمعتدي على حق الحياة في غيره يعدُّ معتدياً على حقِّ الحياة في نفسه.
الشبهة الرابعة: قالوا: إن إقامة الحدود تقهقرٌ بالإنسانية الراقية وانتكاس بها ورجعة إلى عهود الظلام الدامس والقرون الوسطى.
والجواب: إن العاقل لا يزن القول بالبقعة التي جاء منها؛ ولا بالزمان الذي قيل فيه؛ أو نقل منه، لكن الميزان الذي تقوَّم به الأقوال والقوانين هو ميزان الحق والعدل. والعاقل نصير الحق وناشد للحكمة أنى وجدها وعلى أي لسان وفي أي مكان أو زمان، على أن هذا التشريع أنزله الله من السماء رحمةً وشفقة لأهل الأرض كما ينزل غيثه الذي يحيي به الأرض، إن مجيء ذلك التشريع على لسان نبي أمي من صحراء العرب في القرون الوسطى كل ذلك آية وإعجاز ودليل صدق على أنه تشريع من حكيم خبير على لسان نبي بُعث رحمة للعالمين.
أ.مازن الفاعوري
ابحث
أضف تعليقاً